النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

المتسكعون على أرصفة الكلمات

رابط مختصر
العدد 9402 الأثنين 5 يناير 2015 الموافق 14 ربيع الأول 1436

ما أسهل الكلمات تلقى جزافا! وما اقصر المسافة بين فعلي كتب وثرثر ، وأمام هذا الطوفان من الكلام الإدعائي تصاب بالغثيان.. تتصفح الصحيفة فيصفعك الادعاء، تتصفح المجلة فيؤلمك الادعاء، وتستمع إلى الراديو فيحتاجك طوفان الثرثرة والحكمة المزيفة والأبوية المتعالية.. الجميع يتكلمون.. ويدعون.. يثرثرون.. يغنون على ليلاتهم... يعلموننا الوطنية والحرية والديمقراطية وكيف نحب ونكره. كل من هب ودب بات يعلمنا، يتطاول علينا، يتحدث عن الفلسفة والايدز وطبقة الأوزون وعقدة أوديب وأزمة تراجع أسعار النفط كلاما فارغا يغرقوننا به... ووسط هذا الركام من الهذيان وسهولة النشر والانتشار، وكثرة الكلام الفارغ، صار الفكر ضائعاً والإبداع تائهاً.. وامتلأت الساحات بالمتطفلين وإنصاف المثقفين والكتاب و تساوى الإبداع بالبطيخ.. وذلك وجه من وجوه مأساتنا.. ولكن – وبعيدا عن التعميم-وجب أن نتوقف قليلا عند الذين يكتبون كل يوم وليلة في كل مكان ومساحة، وعبر الفضاء الإلكتروني، فهنالك ثلاثة أصناف منهم على الأقل: - كتاب يكتبون للوطن ومن أجله. - وكتاب يكتبون لذواتهم الفردية أو الحزبية أو الطائفية. - وكتاب منافقون يشتغلون في الطبل والزمر والنفخ والكذب المنمق. وإذا كان الصنف الأول واضح الرؤية والفكرة وصادق اللغة والمنحى، تصل كلماته الى القلوب قبل العقول، وتترك أثرها عميقا في مجرى التاريخ، و وإذا كان الصنف الثاني مكشوفا تماما لاشتغاله في عالم النرجسية أو في مجال التطبيل الحزبي والطائفي بالخلط والخبط وحتى بالتدجيل والتزييف، فإن الصنف الثالث ( وهو المختص في شؤون النفاق العام والخاص) مقلق مرهق وخطر على الجميع: الوطن والحزب والطائفة والناس، لأنه زئبقي ، يستعصي عن التصنيف، ولأنه استمرأ اللعب على الحبال وأتقن فنون الأكاذيب والقدرة على الانتقال من موقع إلى آخر، كلما دعت المصلحة (مهما كان نوعها)، ولذلك يمكن لهذا الصنف أن يكتب عن الوطنية، وهو في موقع الخيانة، وعن الشفافية وهو موقع الشبهة، وعن القومية وهو في موقع الانعزال، وعن الوحدة وهو في موقع التفتيت، وعن القيم وهو في موقع الفساد، وعن الإيمان وهو في موقع الكفر، وقد يلجأ إلى المديح المجاني المفضوح المكشوف أو حتى مدفوع الاجر دون عناء كبير ودون وجع ضمير، وقد تزيد جرعة النفاق عنده عن الحد المعقول والمقبول في دليل المنافقين والنفاق، ليتحول إلى الدجل والاحتيال، في لعبة استدرار العواطف، أو استدراج الناس إلى مواقع الهزيمة والخسران، وذلك لان النفاق في أبسط معانيه، محاولة مكشوفة للكذب ،على حساب الكلمة الصادقة المهدورة كرامتها، والبحث باستمرار عما يمكن للوطن أن يقدمه لهم، لا ما يجب أن يُقدم له. هؤلاء غالبا ما ينسون أو يتناسون أن الوطن أعظم من أن يكون حفنة تراب، وهو بالتأكيد أعظم من أن يكون مغنما من المغانم العابرة، وهو أعظم من أن يكون خارطة جغرافية أو كتاب تاريخ، لأنه باختصار كرامة وحرية وبيت وعائلة ومجموعة حقوق وواجبات، وهو بالتالي انتماء وارتواء وقناعة راسخة، في العقل والقلب، وبدون ذلك لا يعود الوطن وطناً، بل يصبح حفنة من تراب، لا تساوي شيئاً، ومجموعة ذكريات لا تسد جوعاً، أو تروي عطشاً، بل قد يصبح جحيما لا يطاق. ولذلك فإن الوطن في حاجة إلى من يكتب عن «الوطن» بروح الوطن والمواطنة وبمنطق الوطن وبمصلحة الوطن، وبلغة الناس الطيبين الذين يكدحون كل يوم لأجل أن يستمر الوطن في التاريخ وفي الحياة ويستمر إنسان الوطن في الوجود فاعلا حيا.. ويحتاج الوطن بالتالي إلى عزل هذه الكائنات المنافقة الكريهة الزئبقية التي تسرق مشاعر الناس وأحلامهم وتتاجر بها، لأنها تحتقرها ولا تحترمها. كما يحتاج الوطن إلى الكاتب الذي يسمى الأسماء بأسمائها وكما يمليها عليه الضمير الحي، ينقد عندما يحتاج المقام للنقد، ويثنى ويشيد في موقع الإشادة والثناء، وينير العقول والدروب للناس بقول الحقيقة، لا يهادن ، لا يتاجر بالعواطف ، بالدين أو بالسياسة . إن الوطن باختصار يحتاج إلى صنف واحد من الكتاب، وهو الصنف الذي يحتضن أشواق الناس وأحلامهم بصدق وتعاطف، ولا يستعرض مفاتنه في حفلات الزار، ولا يرقص حواجبه لهواة التسكع على أرصفة الكلمة الرخيصة. همس فعل «كتب» يضعنا مباشرةً إزاء فعل «كبت» وإزاء التَساؤل حول اللاوعي اللغوي العربي الذي جعل الفرق بين المفردتين مجرد بعثرة حروف؛ فالكتابة لحظة استرجاع من ناحية، وتملك من ناحية أخرى, وافتكاك وتهريب إلى الخارج لما تستبطنه الذات، كما أن الكتابة تضعنا إزاء الأسلوب, باعتباره حقل استعادة لكل ما كان من جراحات ومدارات وتهويمات وتقلبات وذكرى.. لم نعد مثلما كان شعراء الرومانسية قبل نحو قرن أو من الزمان أو أكثر إلى ريشة ودواة وأعين امرأة وكتيبة أعداء وبعض التراب لإنشاء بيت أو قبر أو منفى من خلال الكلمات, أو لنكتب ونعلق مكاتيبنا على شواهد قبورنا، ونموت شهداء كالأمم القديمة، أو كالنسور التي تنتحر من على قمم الجبال، لحظة انكسار أجنحتها، ولكننا أصبحنا نكتب لتغطية ضمائرنا المستترة أو للتغطية على حقيقة ذواتهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها