النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

الغارة الأخيرة على المثقفين

رابط مختصر
العدد 9398 الخميس 1 يناير 2015 الموافق 10 ربيع الأول 1436

إسحاق نيوتن هو عالم الطبيعيات البريطاني الذي حلل الضوء إلى ألوانه السبعة واكتشف قانون الطفو، وهو صاحب الصيحة المأثورة «وجدتها» التي انطلقت منه في اللحظة التي اكتشف فيها قانون الجاذبية الأرضية، وتحولت إلى عنوان لمقال غابت على صفحات جريدة «المصري اليوم» القاهرية ويوقعه باسم الرجل الذي اكتشف كل هذه القوانين، وأضاف إليها سمَّيه وخليفته قانونا جديدا في الأسبوع الماضى، هو قانون «المثقفين في الأرض!». أما الذي وجده «نيوتن 2014» فهو تعريف جديد وعصري لمعنى مصطلح «المثقفين» الذي يعد الفضل في نحته إلى المفكر المصري «سلامة موسى» منذ حوالى قرن، وقد توصل إليه خلال بحثه عن كلمة عربية تترجم مصطلح cultur فتوصل إلى لفظ «ثقافة» وأصله في معاجم اللغة العربية «ثقف الشيء أي هذبه وشذبه» والمثقف هو اسم الفاعل من هذا الفعل الشائن، الذي اكتشف «نيوتن المصري اليوم» أنه إحدى البلايا التي ابتليت بها مصر في تاريخها الحديث، التي عجز عن التوصل إلى تعريف واضح لها، فلا أحد - كما قال- يعرف لهذا المثقف مؤهلا محددا أو إنتاجا، لكن المعلومات الفلكلورية التي تجمعت لدى «نيوتن» كشفت له عن أن «المثقف» مصطلح يشير إلى مجموعة من البشر، بدأ كل منهم حياته بالتصعلك ليلا في شوارع وأزقة ومقاهي وسط القاهرة، يرتدي ملابس رثة ويترك شعره دون تهذيب أو تشذيب أو تثقيف، ويترك أظافره تنمو بشكل مقرف وتفوح منه روائح كريهة ولا تنطلق من فمه إلا ألفاظ مقرفة، تلعن كل مخلوقات الله الذي يكفر أساسا بوجوده، وتعكس حقده على كل شيء، حتى على أبيه وأمه وفي مرحلة تالية من سيرة حياته المقرفة، يرفع بعض الشعارات وينشر قصيدة شعر تسيئ إلى النظام الحاكم، وتقوده قدماه إلى أحد الأحزاب السياسية التي يقع مقرها في منطقة وسط المدينة، فيكلف الحزب أحد الأعضاء باحتوائه، فلا يكاد يكتب قصة قصيرة ماسخة، تنم عن نشأته حتى تقدم إلى التليفزيون ثم تتحول إلى مسلسل أو فيلم، لتظهر على صاحبنا علامات الثراء بعض الشيء وينتقل من السكن فى البدروم إلى السكن فوق السطوح ويبدأ في السكر والعربدة ويصبح زبونا دائما في حانات وسط البلد ويدرج آنذاك في جدول المثقفين. تلك هي الحقيقة - أو بمعنى أدق- الخرافة الفلكلورية التي وجدها نيوتن 2014 ليكمل بها اكتشافات سميه التي كانت أحد الأسس التي غيرت وجه البشرية وقامت عليها الحضارة الإنسانية المعاصرة، وهي خرافة لا تدعو للفرح باكتشافها ولا لإطلاق صيحة «وجدتها» التي يتخذها عنوانا لزاويته اليومية، لأنها متوفرة بكثرة في ثرثرات المقاهي والحانات ومشاهد أفلام الدرجة الثالثة، وهي تستند إلى مرويات مضحكة، تختصر تاريخ الثقافة المصرية والعربية اختصارا مخلا وتشوه نضال المثقفين المصريين والعرب وتصورهم - بلا تمييز- في صورة كائنات قذرة المظهر والجوهر لا تؤمن بدين ولا تلتزم بخلق ولا هم لها إلا نشر الحقد على الناجحين والأثرياء الذين فتح الله عليهم ورزقهم من حيث لا يعلمون، وهو نمط بشري كان ولا يزال يزحم المجتمعات البشرية، ولن يختفي منها إلا حين يسود العدل هذه المجتمعات. وعلى عكس ما يتصور «نيوتن 2014» فإن المثقفين ليسوا مصدره هذا الكائن البشري الحقود بل إنهم - أو بعضهم على الأقل - يسعون إلى تهذيب هذا الحقد وتشذيبه حتى لا يتحول إلى عنف أو حروب أهلية أو كونية تدمر الحضارة الإنسانية ويعملون على أن ينتقل من المستوى الشخصي إلى المستوى السياسي، عبر آليات ديمقراطية تقيم نظما تحقق الحرية والإخاء والمساواة بين البشر، وتأخذ من كل منهم حسب عمله وتعطي لكل منهم حسب جهده وتنطلق من اعتبارهم - كما قال الرسول - شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار. والذين دعوا ويدعون إلى هذا العدل الاجتماعي من المثقفين، لم يقتصروا يوما على أحلاس مقاهي وحانات وسط البلد وليسوا جميعا من أبناء الغسالات وشغالات البيوت والباعة الجائلين، بل كان ولا يزال - من بينهم أبناء بيوتات وعائلات عريقة وثرية وكان بعضهم ينتمون إلى آباء من أصحاب الملايين وأصحاب الضياع ممن يرتدون أفخم الملابس ويتعطرون بأغلى العطور ويرتادون أفخم الفنادق، ولكنهم كانوا أصحاب ضمائر حية جعلتهم يدركون أن من الصعب على الإنسان أن يبيت شبعانا وجاره جائعا.. وأن من اليسير على الإنسان - كما يقول نجيب محفوظ- أن يعيش في قمقم أنانيته، لكن من العسير عليه أن يسعد بذلك إذا كان إنسانا حقا. والخطأ في فهم مصطلح المثقفين يكمن في هذا التعميم الذي يتصور أصحابه أنهم شيء واحد في الشكل أو في الجوهر، كما ذهب إلى ذلك «نيوتن 2014» في حين هناك مستويات مختلفة لتعريف «المثقف» حسب المستوى الذي يستخدم فيه هذا التعريف، فعلماء الاجتماع - مثلا- يعتبرون كل صاحب خبرة مثقفا، فالجزار - عندهم- مثقف لأنه صاحب خبرة بأنواع اللحوم لا تتحقق إلا لمن يحترف هذه المهنة، وهو ما ينطبق على كل أصحاب الخبرة من خبير الجزارة إلى خبير تصميم الطائرات ومن خبير المخللات إلى الخبير الاستراتيجى. وعلماء الاجتماع يعتبرون المثقف هو من يبيع قوة عمله الذهنية.. من المحامى إلى المهندس ومن الطبيب إلى أستاذ الجامعة في مقابل من يبيع قوة عمله اليدوية كالعمال بمختلف طوائفهم، والمتخصصون في العلوم السياسية، يعتبرون كل صاحب رأي أو رؤية في الشأن العام وإدارة شئون الأوطان مثقفا، سواء كان ليبراليا يدعو لإطلاق الحرية بلا قيود لرأس المال، أو كان اشتراكيا يدعو إلى تقييد هذه الحرية بدرجات مختلفة أو فاشيا أو ثيوقراطيا. وهذا الخلط في فهم المصطلح هو المسؤول عن هذه الحملات الطائشة التي تُشَنّْ بين الحين والآخر على المثقفين ويصدر بعضها عمن يعتبرون - طبقا للمستويات المختلفة للتعريف - من طائفة المثقفين ومنهم «نيوتن 2014» نفسه فهو صحفي وكاتب يبيح قوة عمله الذهنية، وهو - كما يتضح من كتاباته - ينتمى إلى أحد التيارات الليبرالية ويدافع عن حرية رأس المال وعن الحريات العامة ولا أظن أنه قصد بما كتبه عن المثقفين نفسه أو أحدا من كتاب المقالات في الجريدة التي ينشر فيها مقاله اليومي، وهم جميعا من المثقفين، لكنهم ينتمون إلى مدارس فكرية وأدبية مختلفة ومتناقضة أحيانا ومع ذلك لا يفكر أحد في أن يفتش في سيرة الآخر، لكي يتأكد إذا كان قد بدأ حياته ليلا في مقاهي وحانات وسط البلد أو وأن يتخذ من ذلك إذا تبين أنه صحيح مبررا لتحليل الدوافع السيكلوجية للرأي الذي يختلف معه فيه، وليس من حق أحد سواء كان «نيوتن» الأول أو نيوتن الأخير أن يفترض أو يوحي بأن كل من يختلف معه في الرأي هو حاقد بدأ حياته حِلْسًا من أحلاس مقاهي القاهرة ومن أطفال الشوارع الخلفية لا يستحم ولا يحلق شعره أو يقلم أظافره وأن يتهم المثقفين جميعا وهو منهم بأنهم حاقدون ومخربون وأن يتهم فريقا منهم بالذات.. بأنهم من البلايا التى ابتليت بهم مصر. وقبل أن يندفع الصديق العزيز «نيوتن» فيكتب مقالا يرد به على مقالي هذا معلنا أنه وجد الحقيقة التائهة، وهي أنني كتبت هذا لأن أمي كانت غسالة، أؤكد أن المرحومة أمي كانت غسالة فعلا ولكنها كانت غسالة قطاع خاص، وليست غسالة قطاع عام تكتفي بغسل ملابسي أنا ووالدي وإخوتي. أما الذى دفع «نيوتن» إلى نسيان كل هذا الذي لا أشك في أنه يعرفه، فهو خبر أشيع بأن بعض المثقفين الذين التقى بهم الرئيس «عبد الفتاح السيسي» في الأسبوع الماضي طالبوه باتخاذ إجراءات استثنائية ضد بعض القنوات الفضائية وبعض الصحف الخاصة وهي واقعة نفاها كثيرون ممن حضروا اللقاء، وحتى لو صحت فهي مبرر لتفنيد هذا الرأي وتخطئته وليست مبررا لأن يكتب «نيوتن» ما كتب! أما الحقيقة التي ينبغى أن يتأكد منها الذين يشنون الغارة على المثقفين من بين المثقفين أنفسهم فهي أن كل ما حققته مصر من نهضة في أطوارها المختلفة منذ محمد علي إلى عبد الفتاح السيسي كان وراءها مثقفون! ورحم الله أبونا جميعا «رفاعة رافع الطهطاوي» الذي قال قبل قرنين من الزمان «ليكن الوطن محلا للسعادة المشتركة بيننا.. نبنيه بالحرية والعلم والمصْنع!»

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها