النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

بناء جبهة مستقلة للقوى التقدمية

رابط مختصر
العدد 9395 الأثنين 29 ديسمبر 2014 الموافق 7 ربيع الأول 1436

استكمالا لما بدأناه في المقالين السابقين بشأن أزمة اليسار، وحتى لا نبقى في حدود النقد والتشخص، نحاول في هذا المقال الختامي تلمس بعض أهم المداخل نحو تجاوز هذه الازمة. والحقيقة أن موضوع استعادة اليسار البحريني لدوره التقدمي ولفاعليته الفكرية والثقافية كقوة نقد واقتراح لا يحتاج، الى ما يشبه إعادة اختراع العجلة من جديدة، فهنالك تجارب يسارية عربية نجحت عمليا في الخروج من عنق الزجاجة، وبالرغم من كون هذه التجارب ليست وصفة جاهزة للتصدير والتطبيق الحرفي، فإنه بالإمكان استلهامها، والاستفادة من دروسها، ومنها تجربة اليسار في تونس والذي نجح خلال سنوات قليلة في تحقيق أمرين جوهريين: - الأمر الأول: على الصعيد الفكري قام بمراجعات أساسية، أخرجته من أوهام الايدولوجيا وقربته من الشعب، بتبني ما يسمى بالديمقراطية الاجتماعية، وهي عبارة عن مزاوجة فعالة وواقعية بين مقتضيات الحياة الديمقراطية وأولوية العدالة الاجتماعية، فأصبح قادرا على إعادة الاعتبار لموضوعات محورية مثل: العدالة الاجتماعية-مدنية الدولة -الحريات العامة والخاصة - حرية المرأة...). بما مهد لوضع تعريف جديد لليسار ولأولويات وظيفته الاجتماعية والسياسية، تتناسب مع حاجة الوطن لوجود يسار ديمقراطي اجتماعي، يعترف باستحالة استمراره في صيغته القديمة، يسار يجيب عن سؤال يتعلق بكيفية إعادة بناء نفسه، بعيدا عن النسخة القديمة التي كان عمودها الفقري سؤال العدالة الاجتماعية، أي ما يتعلق بتوزيع الثروة وإزالة الفوارق الطبقية، واستغلال الإنسان للإنسان، حيث أثبتت تجربة قرن من الاشتراكية المحققة وقرنين من الماركسية، أن الأولوية في حياة البشر هي دائما لسؤال الحرية ثم يليها سؤال العدالة، على أهميته. - الامر الثاني: يرتبط بالجانب السياسي، إذ رفض اليسار تماما أي تحالف أو تنسيق مباشر مع الإسلام السياسي، وأحزابه مهما تعددت أسماؤها، ولم يهادنها بأي شكل من الاشكال، بل خاض معه منازلات فكرية وسياسية سلمية، عرت برنامج الإسلام السياسي وكشفت حقيقة خطابه المخاتل ومفارقاته، أمام جمهور» المؤمنين». ويعود هذا النجاح يعود الى أمرين مهمين: - أولا: شجاعة قوى اليسار في ظل التطورات والمتغيرات المحلية والدولية، في مواجهة الأخطاء والمعضلات النظرية والتنظيمية، وإعادة تركيبها بما يتوافق مع الواقع الجديد، هذه الحيوية الفكرية جعلت هذه القوى حية بين أوساط الشباب، وفي أوساط القوى العاملة، والنخب المثقفة والفاعلين الاجتماعيين، ولم تهتم بالشعبوية وبحشد الالاف المؤلفة من الناس في الشارع، وانما فضلت العمل من داخل مؤسسات المجتمع المدني اكثر من اعتمادها على الحشد في الشارع. - ثانيا: القدرة على بناء وحدة اليسار ضمن أفق ديمقراطي وطني تقدمي، بتأسيس جبهة للقوى التقدمية الديمقراطية، مؤلفة من عدة أحزاب يسارية او ذات توجه يساري، كانت في السابق متصارعة، إلى درجة العداء، مع تحديد برنامج جبهوي متناغم مع متطلبات المرحلة السياسية، وحاجات الناس. صحيح أن الظروف الموضوعية مختلفة نسبيا، بين تجربة اليسار في تونس وتجربة اليسار في البحرين، الا ان هذا الاختلاف ليس جوهريا، فالإشكالات متشابهة في جوانب عديدة، ففي حين كانت قوى اليسار في البحرين تذوي وتتوارى عن الأنظار محتمية بجمهور الإسلام السياسي، ومضطرة للتوقف عن أي مواجهة فكرية أو سياسية أو إعلامية مع قوى الإسلام السياسي، وذلك في الوقت الذي كانت فيه القوى التقدمية في أماكن أخرى تحقق إنجازات تنظيمية وسياسية ملموسة، جعلت اليسار في تونس على سبيل المثال يحتل المركز الرابع في الانتخابات التشريعية، من بين اكثر من مائة حزب شاركت في هذه الانتخابات، وجعلت مرشحه للرئاسة يحتل المركز الرابع من بين 27 مرشحا. ولذلك فإننا عندما نحاول فهم الإشكاليات التي تواجه اليسار البحريني يتضح لنا أنه يعاني من أزمة متفاقمة، أدت إلى خسارته لـ»مناعاته» وهويته، نتيجة التحاقه التدريجي بالليبرالية الاقتصادية على صعيد المنظور الاقتصادي الاجتماعي، وفقدانه العميق للمعايير السياسية اليسارية، بالتحالف مع التيار الديني الطائفي بدلا من بناء جبهة للقوى التقدمية، وبدت التنازلات التي قدمها نتيجة لتحالفه، أقرب إلى الانعطاف الأيديولوجي منها إلى تكتيكات طارئة، جعلت اليسار يتوقف عن كونه يسارا ليجد ملاذا آمنا مع الجماعات الإسلامية، التي لم تعد مجرد جماعات محافظة تناضل من أجل الايمان والتقوى، بل أصبحت إطارا سياسيا طامحا الى السلطة، وبناء نموذجه الديني للدولة، ضمن رؤية تشكل إطارا للمحافظة وخزانا للأفكار المعادية للحداثة والتقدم والحرية. ومن المؤسف ان هذا اليسار-مع ادراكه لهذه الحقيقية-فضل الارتباط بهذه القوى لقناعته بانها قادرة على إحداث التغيير، وتحريك واستقطاب الجماهير، ولكن ما هو مضمون هذا التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فانه ليس مهما على ما يبدو، وبدلا من شن الحرب على الطائفية والطائفيين، وقع في أحضان المشروع الطائفي، بما أدى إلى إحراق هذا التيار وإبرازه في صورة المتورط في صفقة سياسية انتهازية مكشوفة. إن أمام اليسار في البحرين اليوم- إذا أراد أن يستعيد هويته وقدرته على الفعل الحر المستقل- أن يقر من غير تردد، بأن البحث عن العدالة والحرية يقتضي بالضرورة وحدة قوى اليسار وامتلاك القدرة على وضع برنامج جبهوي مدروس وعقلاني ومتوازن قادر على تحويل اليسار المستقل عن الإسلام السياسي الى قوة فكرية وسياسية مؤثرة، وبإمكانه – بما يمتلكه من طاقات فكرية ونخب سياسية محترمة وذات وزن فكري ونضالي- أن يتحول الى قوة فاعلة قادرة على التأثير والاقتراح، محورها النضال من اجل الحرية ( وهنا سيجد نفسه في تناقض جوهري مع الإسلام السياسي بكافة اشكاله لأنه لا يحتمل ولا يطيق الحرية) وكذلك النضال من أجل بناء دولة مدنية، دولة المواطنة المتساوية والحرية والقانون والدستور، لا دولة الفقهاء المقدسين الذين يتحكمون في رقاب الناس، وفي خيارات المجتمع وتوجهات الدولة. إن الفرصة ما تزال قائمة لإخراج اليسار من أزمته الخانقة، ولكن تبقى الإرادة، هل هي موجودة؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها