النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11932 الأربعاء 8 ديسمبر 2021 الموافق 3 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    5:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

من مراسل إلى وزير.. رحلة الألف ميل

رابط مختصر
العدد 9392 الجمعة 26 ديسمبر 2014 الموافق 4 ربيع الأول 1436

لم يعد هناك في الدنيا من لم يسمع باسمه، لكن قصة كفاحه حتى بلغ ما بغله اليوم خافية على الكثيرين، وبها جوانب مضيئة يجب أن تروى بتفاصيلها الدقيقة. الرجل غير نادم إطلاقا على عدم حصوله على درجة الدكتوراه، ولا يدعي النبوغ، ويلتزم الكتمان وتجنب الأضواء والهروب من الصحافة لأنه يعرف أن أي تصريح يدلي به للصحافة سيهزّ أسواق العالم، ويفضل تركيز التعليم في أقصر فترة، ويعتبر السعادة أمرا نسبيا يبحث عنه المرء باستمرار وقد يتجسد في تحقيق النجاح في العمل أو رؤية الأبناء أصحاء أو القيام بانجاز. بدأ العمل في عام 1947 «وكان وقتها صبيا في سن الثانية عشرة يلبس ملابس رثة ويلف رأسه بغترة بيضاء» كمراسل ينقل الأوراق من مكتب إلى مكتب براتب يومي قدره ثلاثة ريالات، في الوقت الذي كان أقصى ما يتمناه هو أن يصبح طابعا على الآلة الكاتبة «تابيست» بسرعة فائقة، ثم ارتقى بطموحه فتمنى أن يتعلم الاختزال، ثم تضاعفت أمانيه مرة أخرى فطمح أن يكون جيولوجيا يجوب الصحاري، وهو اليوم لا يحن إلى العمل كساع لكنه في الوقت نفسه يحترم ويقدر من يمتهنونه. ومن جهة أخرى، هو من المؤمنين بأن الحظ يلعب دورا في صعود المرء، ويعتبر نفسه محظوظا لأنه وُجد في الوقت المناسب، وأن المجد يتحقق للإنسان بالجد والاجتهاد ووجود هدف واضح ومحدد، وأن الانسان البسيط حياته اسلم بدليل أن الذي يعمل في الصحراء لا يعاني من أمراض العصر التي يصاب بها من يعمل عملا لا يحبه أو يعمل تحت ضغوط قد يكون سببها منافسة الآخرين. وهو يعتقد أن حياة الصحراء تمنح الإنسان الصمود والصلابة، ويعترف بدور المرأة في حياة الرجل، ويقر بأن الحب ينمو في الحياة الزوجية بعد مجيء الأطفال، ويرى أن الشهرة لا قيمة لها ومجلبة للصداع، ويؤكد أنه استفاد من تجربته الوظيفية في تحقيق كل ما يتمناه المرء من خبرة ومعاش وحياة رغيدة، ويعتز بأنه من الجيل العصامي المخضرم الذي يستطيع التكيف مع كل الظروف والاحوال. أكثر ما يغيظه هو رؤية إنسان مقتدر ومتقاعس. أما أجمل الأماكن عنده فهو مكتبته الصغيرة، وأكثر الشخصيات التي يرى فيها مثلا أعلى هو الفاروق عمر بن الخطاب، وأكثر المحاسن الاجتماعية التي يجب الاحتفاظ بها هو الاعتزاز بالتاريخ والوطن والدين، وأكثر العيوب الاجتماعية التي يجب التخلص منها هو المغالاة في الظهور المادي، وأجمل النساء عنده هي تلك القادرة على تحقيق الوئام والمودة داخل اسرتها، وأجمل مناطق بلاده هي المنطقة الشرقية، والشيء الوحيد الذي لا كفاية منه هو الزمن لأن الانسان قد يكتفي بالمال والجاه ولكن الزمن ليس كافيا مهما طال العمر، وأكثر الأمور إزعاجا له هو أن يضطر لعمل أشياء غير مقتنع بها بسبب المتطلبات الاجتماعية، وأغلى ما يملكه هو علمه لأن التعليم ميزة، وأحب الأشياء إلى نفسه هو الاستمرار في التعلم، وأخيرا فإن الصداقة من منظوره الخاص هو أن يحب الانسان لصديقه ما يحبه لنفسه. تلك كانت شذرات من حديث صحفي مطول لجريدة الجزيرة السعودية مع الفتى البدوي الذي أبصر النور في عام 1935 في قرية العديلية بالقرب من بلدة الثقبة الملاصقة لمدينة الخبر في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، فكان ميلاده إيذانا بظهور شخصية عصامية مكافحة ستعركها التجارب وستطحنها مرارة العمل وشظف العيش قبل أن يصبح علما من أعلام بلادها يطارده الصحافيون ويتجمهرون حوله أينما حلّ، ونموذجا للحلم الذي يداعب خيال الآلاف من مواطنيه الشباب، ورجلا يتربع على عرش النفط في أكبر الدول المنتجة له، بفضل التزامه وعلمه وكفاءته وجدارته التي دفعته من القاع إلى القمة، وليس بسبب الواسطة او المحسوبية أو النسب والحسب والحظوة. إنه المهندس علي إبراهيم النعيمي «أبو رامي» الذي ولد في العديلية الواقعة في جنوب الثـُقبة لأسرة فقيرة كان ربها قد انفصل عن ربتها بسبب خلافاتهما مما اضطره للعيش مع أخواله والانتقال معهم في مناطق الكويت والاحساء من سن السادسة وحتى السابعة قبل أن يعود للعيش في كنف والده وأعمامه في العديلية، حيث تم إدخاله إلى الكتــّاب لحفظ القرآن، ومن ثم إلى مدرسة ابتدائية حكومية في الخبر. في تلك السن المبكرة يخطو الفتى الخجول علي النعيمي أولى خطواته نحو بلوغ قمم المجد! إذ يشير عليه أخوه الأكبر الذي كان قد توظف في شركة الزيت العربية الامريكية «أرامكو» أن يقتفي أثره ويلتحق بأرامكو كي يتسنى له التعلم في مدرسة الشركة التي كانت تُعرف بـ «مدرسة الجبل» نسبة إلى جبل أم الروس المجاور لمكان المدرسة. وهكذا بدأت رحلة النعيمي التعليمية الطويلة بالدراسة في مدرستين في آن واحد: في مدرسة الجبل النفطية صباحا لدراسة اللغة الانجليزية، وفي مدرسة الخبر الحكومية ظهرا لدراسة اللغة العربية والحساب والدين. ولعل ما ساعد الفتى الطموح هو أن المدرستين لم تكونا متشددتين في مواعيد الحضور والانتظام. وفي سياق ذكرياته عن يومه الأول في مدرسة الجبل في عام 1945 يقول النعيمي (بتصرف): «أول درس حضرته في مدرسة الجبل كان في اللغة الانجليزية، وكان هناك استاذ امريكي له لحية كثة حمراء، وكنتُ وقتها في سن التاسعة، وكان شيئا عجيبا بالنسبة لي أن أرى ذاك المعلم الامريكي يشير إلى السبورة، والجميع يصيح this is a fox (هذا ثعلب)، فرددتُ مثلهم لأن تلك كانت طريقة تعليم الانجليزية قديما». ويضيف متذكرا: «أمضيتُ في المدرسة سنتين لم أكن فيهما قد توظفتُ رسميا بعد في أرامكو، وكان هذا هو شأن معظم زملائي من أمثال مصطفى أبو أحمد وحسن علي الغامدي، وأحمد الهزاع، وعلي البلوشي». وتشاء الأقدار أن يتوفى أخوه الأكبر، فيضطر للعمل مكانه في أرامكو وهو في سن الحادية او الثانية عشرة كمراسل ينقل الاوراق والملفات بين المكاتب ويمسح أرضيتها وأسطحها، لكن دون الانقطاع عن دروسه وصفوفه في مدرسة الجبل، حيث كان يعمل أربع ساعات ويدرس مثلها يوميا طوال الفترة الممتدة من عام 1947 إلى عام 1956 إلى أنْ أتم مقررات مدرسة الجبل كلها بنجاح، الأمر الذي استحق معه أن يُبتعث من قبل أرامكو للمرة الأولى إلى الجامعة الأمريكية في بيروت في بعثة صيفية تجريبية كان هدفها الاطلاع على الحياة الجامعية فحسب. عاد النعيمي من بيروت وقد نمتْ طموحاته وتوسعتْ معلوماته عن أنماط العيش والحياة خارج حدود بلاده وزاد تصميمه على مواصلة التعليم مفضلا التخصص في علوم الجيولوجيا، فطلبتْ منه أرامكو أن يذهب إلى حقل نفطي ليختبر بنفسه عمل ومسؤوليات الجيولوجي ويتأكد إنْ كان ذلك هو العمل الذي يريده. وبالفعل شدّ النعيمي رحاله نحو إحدى آلات الحفر في أعماق الصحراء الموحشة حيث قضى سنتين من زهرة شبابه وهو يعمل كعنصر غريب وسط جيولوجيين امريكيين ينظف الرمل الخارج من الحقل النفطي ويقوم بفحصه ثم يقدمه لهم، وهو محرج من وضعه، ويحاول جاهدا التكيف مع تلك الأجواء. ويبدو أن العمل كجيولوجي استهواه بشدة بدليل أنه بعد انتهاء فترة عمله في الصحراء أفصح لرؤسائه في الظهران عن استعداده للذهاب إلى الخارج من أجل التخصص في هذا الحقل العلمي، الأمر الذي كان يتطلب الإعداد المسبق والحصول على شهادة ثانوية معترف بها. ولهذا السبب ابتعثته أرامكو أولا في عام 1956 إلى بيروت لاتمام الثانوية في الكلية الثانوية الدولية، ومن ثمّ رتبت له القبول في الجامعة الأشهر والأعرق في الشرق الأوسط وهي جامعة بيروت الامريكية التي أمضى النعيمي فيها سنتين فقط، نــُقل بعدهما إلى جامعة ليهاي في ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة، وهي الجامعة التي منحته درجة البكالوريوس في العلوم ـ تخصص جيولوجيا في عام 1962. لم يكتف النعيمي بما اكتسبه من خبرة جراء عمله في أرامكو كمراسل، فطابع على الآلة الكاتبة، فمحاسب فمختص بشؤون الموظفين، فمساعد جيولوجي. كما لم تشبع نهمه شهادة البكالوريوس في علم الجيولوجيا من جامعة مرموقة وما يرتبط بها من وظيفة وراتب كبير. كان الرجل يطمح إلى شيء أكبر يفيد به نفسه ووطنه ومواطنيه، فكان ذهابه مجددا في عام 1963 -بعد فترة قصيرة من اقترانه بابنة عمه- إلى الولايات المتحدة لنيل درجة الماجستير من جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا في الجيولوجيا الاقتصادية وعلم المياه الجوفية «الهيدرولوجيا»، وهو ما تحقق له في عام 1963 الذي شهد ايضا عودته إلى وطنه للعمل في وظيفة هيدرولوجي وجيولوجي بإدارة التنقيب حتى عام 1967. بعد ذلك، وتحديدا في عام 1969 تمت ترقيته إلى وظيفة ناظر لقسم الانتاج في بقيق. بعدها كرت سبحة ترقياته وصعوده، فمن نائب لرئيس أرامكو للإنتاج وحقن الماء في عام 1975 إلى رئيس لعمليات أرامكو في ما وراء البحار في عام 1977، فإلى نائب أول لرئيس أرامكو لشؤون عمليات الزيت في عام 1978. وأثناء سنواته تلك في تسلق السلم الإداري لم ينقطع النعيمي عن الدراسة. فقد التحق مثلا في عام 1974 بجامعة كولومبيا الامريكية العريق في نيويورك لدارسة علم الإدارة، وعاد مرة أخرى إلى الجامعة ذاتها في عام 1976 للتخصص في التخطيط الاستراتيجي. وفي عام 1979 أمضى ثلاثة أشهر في جامعة هارفارد ببوسطون بهدف التخصص في الإدارة العليا والتخطيط الاستراتيجي ومحاسبة الشركات. وطبقا لصحيفة الشرق الأوسط (29/5/2008) فإنه «طوال تلك الفترة، كان علي النعيمي هو نفسه الموظف الذي أرسى مع زملائه تقاليد العمل، وثقافة الإنتاج في شركة ارامكو التي تقوم على الانضباط والالتزام وتكوين ما يصطلح عليه بـ(ثقافة ارامكو)، هذه الثقافة التي تتجسد بشكل كامل في الوزير علي النعيمي، الذي ينطبق عليه بشكل واضح مبدأ (الجدارة) في العمل». وتضيف الصحيفة قائلة: «كان عصامياً، فليس في تاريخه الوظيفي مكان للواسطة، كما كان منضبطاً حتى ان موظفيه كانوا يشاهدونه بلباس الرياضة يجلس على مقاعد الانتظار في المركز الصحي بالظهران ينتظر دوره للدخول الى العيادة. وبالإضافة إلى الإصرار، فإن علي النعيمي الذي يحب العمل بروح الفريق، حاسم جداً في قراراته، ويقول بعض مستشاريه انه رغم ما يبدو عليه من تواضع وخجل فإنه (صاحب قرار)، على الرغم من انه يخضع معظم قراراته للنقاش والاستشارة». ومما لا شك فيه أن النعيمي، الذي كتبتْ صحيفة «نيويورك تايمز» الامريكية مقالا عن كفاحه وتدرجه قبل أكثر من أربعين عاما (24/2/1968)، احتك خلال رحلاته الدراسية المتكررة الى الخارج بمسؤولين كثر، وتعرف على ثقافات متعددة، واكتسبَ صداقات ومعارف جديدة، ساهمت جميعها في امتلاكه لشخصية قوية ورؤى حكيمة وسمعة حميدة. وهو ما نجد تجلياته في قيادته المدهشة لأرامكو حينما عيـّن في عام 1983 كأول رئيس سعودي لها، ثم في مناقشاته وحواراته وجهوده داخل أروقة منظمة الأوبك بعد أن صار وزيرا للبترول والثروة المعدنية في المملكة العربية السعودية ابتداء من عام 1995، إلى الحد الذي نال معه لقب «مايسترو أوبك» من قبل المحلل النفطي الكويتي كامل الحرمي لدوره المشهود في استقرار أسعار النفط. وفي هذا السياق تقول صحيفة الشرق الأوسط في «بروفايل» عن النعيمي (1/10/2014): «استطاع النعيمي أن ينتشل أسعار النفط من القاع في عام 1998 بعد مرور أشهر على نشوء الأزمة الآسيوية بمجهود أقل ما يوصف به أنه ماراثوني قام من خلاله باقناع 17 دولة منتجة للنفط من داخل أوبك وخارجها بخفض انتاجها لرفع الاسعار، فبدأ السعر في التحسن والصعود منذ بداية عام 1999» وتضيف الصحيفة مشيرة إلى النعيمي: «لا يستطيع أحد أنْ يقوم بما قام به في ذلك الوقت، لذا لقب بالمايسترو، وهو لقب يستحقه عن جدارة». ومما يتردد حول أسباب إصرار النعيمي على النجاح وبلوغ أعلى المناصب القيادية في عالم النفط قصة يـٌقال انها خلقتْ حافزا لدى الرجل لقهر المستحيل. وتتلخص القصة في أنّ النعيمي حينما كان فتى صغيرا للتو قد التحق بأرامكو قادته خطاه ذات يوم شديد الحرارة نحو المخيم الذي يستريح فيه الموظفون الامريكيون، ولفت انتباهه وجود الماء المثلج فمد يده لكأس من الفلين وبدأ بالشرب إرواء لعطشه. وفي تلك اللحظة لمحه المفتش، وطلب منه المغادرة فورا لأن المكان مخصص للمهندسين الامريكيين فقط وليس للعمال العرب، فسأله الفتى البدوي ذو الملابس الرثة باصرار «ومتى عساي أتمكن من دخول هذا المكان والاستمتاع بشرب الماء البارد؟» فكان جواب المفتش الامريكي: «إذا تعلمت وتدربت وأصبحت مهندسا». ومن المفارقات أن المفتش الامريكي ظل يعمل في أرامكو إلى أن تولى النعيمي منصب نائب رئيس الشركة. ويقال انه حينما جاء ذات مرة للنعيمي ليوقع له على إجازة، قال له «أرجو يا سيدي ألا تكون متأثرا حتى اليوم بحكاية طردي لك من المخيم»، فكانت إجابة النعيمي: «بالعكس! لقد أسديت لي خدمة كبيرة». ومن الامور التي لوحظتْ على النعيمي صراحته وواقعيته. فقد نشرتْ صحيفة الشرق الاوسط (1/10/2014) عنه قوله: «الشباب في ارامكو السعودية اليوم حاصلون على تعليم أفضل من التعليم الذي تعلمته. لو أردنا تطبيق مبادئ الجيولوجيا التي تعلمتها في الخمسينات والستينات فلن نجد برميلا واحدا من النفط اليوم». كما سجلتْ الصحيفة له قوله في مكان آخر: «إن السبب في تفوق جيلي هو الحياة الصعبة التي عاشوها، والتي ساهمت في جعلهم ناضجين في سن مبكرة. فعندما كنت في الثانية عشرة من عمري كان عندي هدف مهم وهو أن أجد دخلا أعيش عليه، بينما اليوم هناك من هم أكبر من هذا السن لا يشعرون بأهمية لقمة العيش والعمل». حصل النعيمي في عام 1995م، على درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة هاريوت – واط في إدنبره باسكتلندا تقديراً لإنجازاته في مجال إدارة وإنتاج الزيت والغاز من خلال عمله المميز في أرامكو السعودية. كما حصل على دكتوراه فخرية أخرى من جامعة ليهاي الأمريكية في ولاية بنسلفانيا، وذلك تقديراً لتميزه وجهوده الإيجابية في صناعة النفط على المستويين السعودي والعالمي. وفي كلمته التي ألقاها أمام عشرة آلاف طالب واستاذ في ستاد كرة القدم في جامعة ليهاي التي تخرج منها في عام 1962، تحدث النعيمي قائلا: «لقد قدمتُ لأول مرة إلى الولايات المتحدة من المملكة في عام 1959، حينما كان جون كينيدي رئيساً للولايات المتحدة، وكنا في زمن الحرب الباردة، وسباق الفضاء، والآمال العريضة، والمخاوف الواسعة، والتفاؤل، والفرص، والنجاحات، والإخفاقات». وأضاف: «كانت بلادي آنذاك فقيرة وغير متطورة، وكانت الولايات المتحدة بالفعل قوة رائدة على الساحة العالمية، ولم يكن هناك، صدقوا أو لا تصدقوا، إنترنت ولا فيسبوك ولا آيفون أو آي باد. ومع أن السوفييت والأمريكان كانوا يخططون لإرسال بعثاتهما إلى الفضاء، كان الوصول إلى الولايات المتحدة من المملكة يستغرق أربعة أيام بالطائرة، وهي الرحلة التي تستغرق اليوم 15 ساعة فقط». ثم تطرق النعيمي إلى تجربته الشخصية في العمل، وفي التغيير، والسعي الدائم إلى صناعة الفرق، فقال: «يسألني الناس عن حياتي المهنية الخاصة، عن رحلتي الطويلة والغريبة من صبي بدوي إلى خريج في ليهاي إلى رئيس تنفيذي لأكبر شركة نفط في العالم إلى وزير للبترول والثروة المعدنية في المملكة. وعندما أتحدث إلى الشباب أجدهم يبحثون عن سر وراء مسيرتي الناجحة، ولكني أخشى، أيها الخريجون، ألا يكون هناك أي سر. فالذكاء عامل مساعد بطبيعة الحال، وما كان لكم أن تتواجدوا هنا اليوم لو لم تكونوا أذكياء، ولكن الخيال أكثر أهمية من المعرفة كما قال ألبرت أينشتاين. فالمعرفة بحد ذاتها ليست مهمة، أما ما نصنعه بالمعرفة فهذا هو المهم». وأضاف "ان من الأهمية أيضا أن تكونوا من أصحاب الطموح وأن يكون لديكم الدافع والمثابرة والعزم. كما تحتاجون لأن تتحلوا بالمرونة وأن تظلوا مع ذلك متواضعين تتجنبون الحسد ولا تنسون أبداً من أتاحوا لكم الفرص، من معلميكم وأساتذتكم وأصدقائكم وعائلاتكم. وبعد الذكاء والطموح والنجاح يأتي العمل الجاد والحظ، وهذا في الحقيقة أمر واقع في حياتي. ولكن ما هو الحظ في حد ذاته؟ إنه العمل الجاد للوصول إلى وضع تمتلك فيه الخيارات. وعندما يتسنى لك ذلك، فإنك تستخدم ذكاءك لاتخاذ الخيار الصحيح». وجملة القول ان المهندس النعيمي اسم لامع وتجربة كفاح فذة وفريدة، وقصة إدارية مشوقة وناجحة. وإليه يُعزى الكثير من الانجازات التي ارتقت بشركة أرامكو إلى مصاف الشركات العالمية العملاقة. فقد ساهم في تعزيز برنامج «السعودة» من خلال تكثيف برامج التدريب والاهتمام بالفرد المنتج وتطوير أنظمة العمل، ورسخ ما يعرف بثقافة أرامكو التي صنعت موظفين واداريين على قدر كبير من الجدية والانضباط والالتزام في العمل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها