النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

هم من المثقفين الذين لحقهم ظلم عبدالناصر؟

رابط مختصر
العدد 9391 الخميس 25 ديسمبر 2014 الموافق 3 ربيع الأول 1436

لم تكن مشكلة «عبدالناصر» مع المبدعين من المثقفين إذ لم نسمع -خلال عهده- أن أحدا من هذا الفريق منهم قد تعرض لذلك الظلم الذي افترض د. جلال أمين أنه طالهم في ظل شمولية نظامه وشمولية اليسار الذي تحالف معه خاصة في أواخر عهده، فاعتقل أو قدم للمحاكمة بسبب إبداعه الأدبي والفني، سواء كان قصيدة شعر أو مجموعة قصص قصيرة أو رواية أو فيلما كتب له السيناريو أو لوحة رسمها. ولم نسمع أن الحكومة في عهده صادرت أي مصنف من مصنفات هذه الألوان من إبداع المثقفين، إلا فى أضيق الحدود التي يمكن تعدادها على سبيل الحصر، كان من بينها اعتقال الشاعر «أحمد فؤاد نجم» وزميله وملحن أشعاره الفنان الشيخ «إمام عيسي» بسبب أشعارهما الناقدة للنظام بقسوة، بسبب مسؤوليته عن هزيمة 1967، خاصة قصيدة وأغنية «خبطنا تحت بطاطنا/ يا محلا عودة ضباطنا من خط النار» التي ما كاد «عبدالناصر» يستمع إليها حتى أمر باعتقالهما استنادا لحالة وقانون الطوارئ، إذ اعتبرها تشهيرا بالقوات المسلحة، يهبط بروحها المعنوية إلى الحضيض في وقت كان يعلق كل آماله عليها في إزالة آثار عدوان -أو هزيمة- يونيو وفي استرداد الأرض المحتلة. وكان ذلك ما حدث أيضا، مع الشاعر «محمود الماحي» بسبب تأليفه لقصيدة «تسخالطوبو.. تسخالطوبو/ كشفت كل عيوبه» التي شخص فيها ما اعتبره الأمراض التي لحقت بنظام عبدالناصر وشخصه وأدت إلى الهزيمة وإلى المرض ودفعته للسفر عام 1968 إلى مدينة تسخالطوبو السوفييتية، لكي يعالج -بالمياه المعدنية من إصابته- بتصلب في شرايين الساق. أما الأعمال الإبداعية الأخرى التي صودرت في عهده، فإن المسؤولية عن مصادرتها لا تقع على عاتق النظام بالدرجة الأولى، لكن على عاتق الطرف الثالث الذي لم يعن «د. جلال أمين» بالبحث عنه أو تحديد دوره فيما أصاب المثقفين المبدعين من ظلم في عهد «عبد الناصر» وهو التيار المحافظ والرجعي في المجتمع الذي كان يشكل قوة ضغط تسعى لابتزاز النظام، كان يقودها المثقفون المنتمون إليه، متسترين بادعاء الدفاع عن المقدسات الدينية والتصدي لمن يسيئون إليها من الاشتراكيين والملاحدة. وكان من بين تلك الإبداعات رواية «صنع الله إبراهيم» الأولى «تلك الرائحة» التي صودرت طبعتها الأولى بدعوى تجاوزها الخطوط الحمراء فيما يتعلق بالآداب العامة وكتاب «الله والإنسان» الذي ألفه «د. مصطفى محمود» ودراسة «د. لويس عوض» التي نشرت بعنوان «في فقه اللغة العربية» وقد اتهمهما المحافظون بالمساس بالمقدسات الدينية الإسلامية، ومن أشهر هذه الأعمال رواية «أولاد حارتنا» التي اتهمها المحافظون بأنها تجسد سيرة الأنبياء والتي تحركت المطالبة بوقف نشرها مسلسلة على صفحات «الأهرام» من اثنين من أقطاب جماعة «الإخوان المسلمين» هما الشيخان «محمد الغزالي» و«سيد سابق» اللذان كانا يعملان آنذاك بوزارة الأوقاف، بعد أن انحازا إلى الثورة أثناء الخلاف داخل الجماعة حول الموقف من مجلس قيادة الثورة، وعلى الرغم من ضغوطهما الكبيرة لوقف نشر الرواية، فقد أصر «محمد حسنين هيكل» على مواصلة نشرها مسلسلة على صفحات «الأهرام» حتى اكتملت. وجرى الاتفاق -مع نجيب نفسه- على ألا ينشرها فى كتاب داخل مصر، وظلت محظورة إلى أن نشرت منذ أعوام قليلة بمقدمة كتبها لها المفكر الإسلامي «د. أحمد كمال أبوالمجد». وصحيح أن عددا من المبدعين البارزين أو الذين كانوا شبانا آنذاك، قد اعتقلوا وقدموا للمحاكمة فى عهد «عبدالناصر» كان من بينهم روائيون وشعراء ونقاد وموسيقيون وفنانون تشكيليون مثل «عبدالرحمن الخميسي» و«يوسف إدريس» و«محمود السعدني» و«صلاح حافظ» و«ألفريد فرج» و«فؤاد حداد» و«محسن الخياط» و«كمال عمار» و«لويس عوض» و«محمود أمين العالم» و«عبد العظيم أنيس» وإبراهيم فتحي» و«داود عزيز» و«حسن فؤاد» و«وليم إسحاق» و«سعد عبدالوهاب».. إلخ.. إلا أن هؤلاء قد اعتقلوا، أو حوكموا أمام مجالس عسكرية- لأسباب لا تتعلق بإبداعاتهم الأدبية أو الفنية، لكن لأنهم كانوا أعضاء في تنظيمات يسارية سرية معارضة للحكم، وأحيانا مؤيدة له. وهنا نأتي إلى جوهر «الظلم» -بتعبير «د. جلال أمين».. الذي أصاب المثقفين في عهد «عبدالناصر» والذي اقتصر على مصادرة حرية الفكر والتنظيم السياسي، ولم يطل حرية الإبداع الأدبي والفني إلاّ في حدود ضيقة واتخذ من هذه الشريحة من المثقفين، بالمعنى الأكثر اتساعا للمصطلح، التي تتبنى رؤى سياسية وأيديولوجية معادية أو مختلفة مع رؤى العهد الناصري وتسعى لتحقيقها عبر إنشاء وإدارة والاشتراك فى عضوية تنظيمات سياسية، هدفا لعدوان نظامه ومطارداته التى وصلت، على يد أجهزة الأمن المقتدرة التى أسسها، إلى حد التعذيب والقتل. ما يلفت النظر في موقف نظام «عبدالناصر» من هؤلاء أن عداءه كان ينصب بالأساس على فكرة التنظيم الحزبى سواء كان هذا التنظيم يساريا أو يمينيا أو كان يمارس معارضته له بأسلوب سلمي، أو بوسائل عنيفة وأنه كان يتوجه بالدرجة الأولى نحو القوى السياسية التى برز دورها على الساحة السياسية المصرية بعد الحرب العالمية الثانية ومهدت الأرض أمام نجاح ثورة 23 يوليو، وبالذات الشيوعيين والإخوان المسلمين على ما بينهما من اختلاف في الرؤى وفي أسلوب المعارضة. صحيح أن «عبد الناصر» كان ينظر فى بداية الثورة بحساسية بالغة تجاه حزب الوفد وزعامة «مصطفى النحاس» ويسعى لتحطيم شعبية الحزب وزعامة رئيسه، إلا أن الشعبية الجارفة التى حققتها ثورة يوليو بقيادته ووصلت إلى ذروتها بعد قرار تأميم قناة السويس أقنعته بأن «الوفد» وغيره من الأحزاب التقليدية أصبحت نْمورا من ورق، وأن الخطر الذى يتعرض له نظامه يأتى من المنافسين الجدد على وراثة شعبية الوفد فاتجهت ضرباته نحو هؤلاء، وكان الهدف هو تحطيم كل شكل من أشكال التنظيم المستقل عن هذا النظام سواء كان حزبا أو جماعة أو نقابة وسواء كان مؤيدا له أو معارضا. ومن الإنصاف لكل الأطراف أن نقول إن الجيل الذى كان ينتمي إليه عبدالناصر والذي ولد على مشارف ثورة 1919 وأثناءها وبعدها، لم يكن بعيدا عن هذه الرؤية وأن الذين كانوا يعارضونه لم يكونوا يختلفون عنه كثيرا، إذ كانوا مثله قد تأثروا بغواية الصعود السريع الذي حققته الفاشية والنازية والأتاتوركية والستالينية، التي تمكنت كلها خلال سنوات قليلة من إعادة بناء بلادها التي لحقت بها الهزيمة في الحرب العالمية الأولى بفضل تخليها عن الديمقراطية التقليدية، وعن التعددية الحزبية التي ساد الاعتقاد الخاطئ أيامها أنها تبدد طاقة الشعوب وتفتت وحدتها الوطنية وتعرقل جهدها لإعادة بناء أوطان استنزفها الاستعمار وحال دون تقدمها.. وهي رؤية لم تكن تقتصر على «عبدالناصر» دون معارضيه من الشيوعيين والإخوان المسلمين، بل كانت تشمل كل القوى الثورية الجديدة في العالم العربي آنذاك من الشيوعيين إلى الإخوان المسلمين، ومن حزب البعث-الذي كان د. جلال أمين نفسه أحد قيادات فرعه القطري في مصر- إلى الحزب القومي السوري ومن حزب الكتائب إلى حزب النجادة. وإذا كان من الظلم لهذه الحقبة من تاريخ الوطن أن ننكر عليها كل إنجاز حققته وأن نكتفي برؤية نصف الكوب الفارغ، فمن الظلم للحقيقة التاريخية أن ننكر كذلك أن هذا الأسلوب في الحكم هو الذي انتهى بتحطيم النظم التي اتبعته ومن بينها النظام الناصري وهو الذي قادنا إلى ما نحن فيه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها