النسخة الورقية
العدد 11181 الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 الموافق 22 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

كآبة جماعية في أوساط اليسار

رابط مختصر
العدد 9390 الأربعاء 24 ديسمبر 2014 الموافق 2 ربيع الأول 1436

تبرر قوى اليسار تورطها في الحلف الطائفي غير المقدس بما تسميه بـ» إغلاق أبواب الحوار أمامها من قبل السلطة» في حين أكدت التجربة خلال الأعوام الأربعة الماضية، أن قوى المعارضة- في اتجاهها العام- هي من كان يتهرب من حوارات التوافق، لأنها كانت تريد بدلا من ذلك تفاوضا سياسيا، لتسليم السلطة برعاية دولية (على النمط اليمني مثلا)، أو تقاسمها على اقل تقديرا، وأما عدا ذلك فقد كان مجرد ألاعيب لغوية وسياسية، تداري بها الهدف الثابت الذي لم يبتعد جوهريا عن أولية إسقاط النظام، ولذلك كان من الطبيعي- والحال هذه - أن تدافع الأطراف التي تشعر بكونها مهددة عن مصالحها، بما أوتيت من قوة. ونتيجة لهذا الخيار السياسي الذي شارك فيه اليسار بتحالفه مع قوى الإسلام السياسي تم فتح باب المواجهة على مصراعيه، خصوصا أن هذا التحالف قد جاء استناد إلى منطق (التنسيق) بين القوى المعارضة في الملفات الوطنية، حيث وجد اليسار نفسه غير قادر على المناورة او تحقيق أي توافقات مع السلطة نتيجة لهذا التموقع، في الوقت الذي كان فيه الباب مفتوحا للتنسيق معها في الملفات الوطنية الكبرى- بما في ذلك الملف السياسي- إضافة إلى كون السلطة كانت تؤسس من خلال البرامج والممارسة على الأرض، لدولة مدنية بمساحة واسعة من الحريات وبأفق ديمقراطي قابل للتطوير، بما كان سيعني- على هذا المستوى- أن التنسيق مع السلطة هو موقف تقدمي بالمعيار التاريخي وبالمفهوم الماركسي ذاته، لجهة تحقيق الأهداف الوطنية الرئيسية، في بناء الدولة المدنية وتعزيز الحريات العامة والخاصة، والمشاركة السياسية والتعددية الحزبية، والعدالة الاجتماعية، دون أن يفقد اليسار- حتى في حال هذا التعاون- هويته أو حريته، ولا قدرته على أن يكون مستقلا وقوة اقتراح ونقد مؤثرة في الحياة السياسية وحتى في قرارات السلطة. وحتى إذا استبعدنا فكرة التنسيق مع السلطة لاعتبارات وخيارات سياسية وأيديولوجية تخص قوى اليسار، فقد كان الأولى أن يكون هذا التنسيق قائما بين القوى الديمقراطية التقدمية ذاتها، وليس مع نقيضها الأيديولوجي والسياسي، وخصوصا أن الجامع بينها كبير لجهة مدنية الدولة والدفاع عن الحريات العامة والخاصة على الأقل، وقواسم أخرى مشتركة لا نظنها تخفى على أحد من اليساريين، وفي مقدمتها ما أشار إليه بيان المحتجين من المنبر التقدمي الديمقراطي، مثل التمايز عن الإسلام السياسي، والتمسك بالدولة المدنية التي لا يمكن أن تبنى تحت راية الولي الفقيه وسواها، وإنما على أسس الحداثة والتقدم والمواطنة الدستورية المتساوية، وضرورة فصل الدين عن السياسة، وتحييد دور العبادة عن الاستخدامات السياسية والحزبية بكافة صورها، وصون حقوق المرأة وحمايتها بالتشريعات الضامنة، وفي مقدمتها قانون موحد عصري عادل للأحوال الشخصية، واحترام الحريات الشخصية وانماط المعيشة المختلفة التي عرف بها المجتمع البحريني عبر مسار تاريخي طويل. وهنا يطرح السؤال الاشكالي نفسه بقوة: لماذا أفشل بعض اليساريين وبشكل لا هوادة فيه، بناء أي تحالف للقوى اليسارية في مقابل سرعة وسهولة انزلاقهم الى متاهة وورطة التحالف مع قوى الطائفية ؟؟ مع ان الطبيعي والبدهي هو التحالف مع القوى الشبيهةـ وحتى وان لم يحقق نتائج فورية على صعيد الانجاز السياسي والانتخابي، فإنها بالتأكيد كان يمكن تحقق انجازات نوعية على الصعيدين السياسي والفكري والمبدئي، بما يعزز الثقافة الديمقراطية والدفاع عن الحريات العامة والفردية وتعزيز دولة القانون والمساءلة، وهنالك بلا شك ملفات أخرى لو كانت طرحت ضمن هذا الأفق كانت ستحظى باهتمام ومصداقية لدى المواطنين ولدى السلطة نفسها، وكان سيكون تأثير وجود تيار وطني ديمقراطي تقدمي حقيقي، قويا وفاعلا وحاسما في مواجهة التخلف والرجعية والطائفية التي تقسم المجتمع وتشتت جهوده في المجالات كافة، والتي من مظاهرها المؤلمة تغلغل الطائفية في المجتمع. إن التحالفات غير المبدئية مع الإسلام السياسي (الطائفي على وجهة الخصوص) هي وراء الموت الأخير لليسار، لأنها قادت الى مواقع غريبة عنه وعن تاريخه، بالتعايش مع منطق مناف تمام لمبادئ اليسار بأي صورة من الصور، خصوصا في ظل التسخير الكليّ للواجهة الحزبية للترويج لمثل هذه التحالفات والدفاع عن التجاوزات، مما قد يحيل إلى نوع من الانحدار نحو سوء التدبير على الصعيدين الفكري والسياسي، فقد يكون من البديهيّ أن مبدأ الحرية، يتيح لكلّ القوى تقديم آرائها بالشكل الحزبي والإعلامي الذي يناسبها، لكن يجب أن لا ننسى أن الإعلام الحرّ في حدّ ذاته، نبتة تحديثية بلورتها العلمنة وأخصبتها الديمقراطية، وفي هذه الحالة تبدو ثوبا غير مناسب للقوى الطائفية التي تمارس عنف المعتقد، بما ينتجه من تعبيرات طائفية فاتكة بالنسيج المجتمعي.. ضمن أنسجة مهترئة من الخطابات والشعارات المخادعة، في حين كان إنجاح المشروع الإصلاحي في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة، يعد خطوة متقدمة بالشكل والمضمون لفتح أفق نحو ديمقراطية توافقية ومشاركة سياسية قيمة، وبذلك يكون الموقف الديمقراطي-التقدمي انسجاما مع التوجه الإصلاحي، لا دفعا به نحو النكوص والتراجع خاصة وان التحالف مع قوى الإسلامي السياسي- كما رأيناه في الواقع- لا ينتج إلى الانعطاف نحو خيارات محافظة، تقوي الاتجاه نحو النكوص الفكري والسياسي والاجتماعي عن المواقع والمكاسب التي تحققت في ظل الدولة الوطنية..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها