النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

صفحات من كتاب «ظلم عبد الناصر للمثقفين»

رابط مختصر
العدد 9384 الخميس 18 ديسمبر 2014 الموافق 26 صفر 1436

لم تضق شمولية نظام حكم عبد الناصر بحرية الإبداع الفني والأدبي، كما ذهب إلى ذلك «د. جلال أمين» حين طرح سؤال: متى بدأ ظلم المثقفين؟ ولم يحتفظ لنا التاريخ الأدبي والفني لعهده الشمولى بواقعة سحب فيها فيلم سينمائى - بعد بدء عرضه الأول بثلاثة أيام لأسباب سياسية - لكن ذلك حدث في العهد السابق على الشمولية الناصرية، الذي يجزم «د. جلال أمين» في إجابته عن السؤال الذي طرحه، أن المثقفين لم يظلموا خلاله إلا قليلا. حدث ذلك، حين سحب فيلم «لاشين» - الذى كتبه وأخرجه المخرج الألمانى «فرينز كرامب» وأنتجه ستوديو مصر عام 1938 - وكان وراء قرار «رقابة الأشرطة السينماتوغرافية» بوقف عرض الفيلم، خشيتها أن يربط المشاهدون بين وقائعه وبين الانقلاب السياسي الذي تصادف أن وقع قبل أسابيع من عرضه، وأسفر عن إقالة حكومة «حزب الوفد» برئاسة «مصطفى النحاس»، التي كانت تحوز تأييد الأغلبية في مجلس النواب وعن تعطيل انعقاد المجلس ثم حله، وتكليف زعيم الأقلية «محمد محمود باشا» بتشكيل الحكومة، لأن هذه الوقائع التي تجري خلال العصر المملوكي، تدور حول سلطان ضعيف الشخصية تحول إلى ألعوبة فى يد رئيس وزرائه الفاسد الذي يتاجر بأقوات الشعب وضرب عرض الحائط بنصائح المخلصين من رجال الحاشية واستجاب بسذاجة لدسائس رئيس الوزراء، فأقصاهم عن مواقعهم ووضعهم في السجون، لتتراكم المظالم وتنتهي بثورة الشعب ضد السلطان ورئيس وزرائه، وتحرير المخلصين من رجال الحاشية، لكي يتولوا حكم البلاد.. وبعد شهور من سحب الفيلم، جرى خلالها إدخال تعديلات على وقائعه، حتى لا يفهم أحد أن السلطان هو الملك «فاروق» وأن الذي كشف فساد «مصطفى النحاس» هو «محمد محمود»، لتؤكد هذه التعديلات أن السلطان وقف إلى جوار الشعب، وأنه هو الذي عزل رئيس الوزراء الفاسد بالتعاون مع المخلصين من رجال الحاشية، ليعود الفيلم بعدها إلى دور العرض السينمائى. ومن مآثر هذا العهد غير الشمولى التى لم يحرص «د. جلال أمين» على رصدها، في حمى اهتمامه بنصف الكوب الفارغ كما فعل مع عهد عبد الناصر، ما تعرض له فيلم «من فات قديمه تاه»، وهو فيلم أنتجه أحد الأثرياء الذين كانوا ينتمون إلى إحدى العائلات التي ارتبطت بأحد أحزاب الأقليات السياسية المعادية للوفد، وتدور أحداثه حول رجل فقير من أسرة متواضعة، يصعد عبر الاشتغال بالسياسة والتظاهر بالنضال من أجل الوطن إلى قمة الهرم الاجتماعي، ويتولى منصبا مرموقا، فينسى ماضيه ويتحول إلى رمز للفساد والاستبداد ويضطهد معارضيه، وما كاد صنّاع هذا الفيلم ينتهون من تجهيزه للعرض فى بداية عام 1942، حتى أقيمت حكومة الأقليات السياسية التي كانت تتولى الحكم، وعاد الزعيم الوفدي «مصطفى النحاس» لرئاسة الوزراء فى أعقاب حادث 4 فبراير 1942.. فأعادت الرقابة مشاهدة الفيلم، لتكتشف أنه يتضمن وقائع ومشابهات تؤكد أنه يتضمن إسقاطات سياسية، على سيرة ومسيرة مصطفى النحاس السياسية، فحذفت أجزاء كبيرة منه، افتقدت وقائعه بعدها للترابط، فعجز جمهور المشاهدين عن فهم حوادثه، ولم يكمل أسبوع عرضه الأول إلا بصعوبة، ولم يعرض في دور عرض الدرجة الثانية أو الثالثة واختفى إلى الأبد، حتى من موسوعات الأفلام! الواقعة القريبة من ذلك التى حدثت فى عهد «عبد الناصر» الشمولي، تتعلق بفيلم «الله معنا»، وهو أول فيلم مصري يتناول وقائع ثورة 23 يوليو، كتب قصته «إحسان عبد القدوس» وأخرجه «أحمد بدر خان» - وتدور أحداثه حول قضية الأسلحة الفاسدة، التي لعب «إحسان» دورا في تفجيرها قبل الثورة، ويربط بينها وبين تشكيل تنظيم الضباط الأحرار، وقبل أن ينتهى تصوير الفيلم اختفى اللواء «محمد نجيب» - الذي كانت شخصيته تلعب دورا محوريا فى أحداثه واختير لتمثيل دوره الفنان الراحل زكي طليمات - من صدارة المشهد السياسى بعد الصراع الشهير الذي وقع بينه وبين أعضاء مجلس قيادة الثورة، مما دفع «ستديو مصر» الذي أنتج الفيلم إلى وقف تصوير وإعادة كتابة السيناريو، بحيث تحذف شخصية «محمد نجيب» حتى ينسجم مع الواقع السياسى الذي أسفرت عنه أحداث مارس 1954.. دون أن تتدخل الرقابة.. أو تصادر شمولية الثورة عرض الفيلم. وعلى العكس من ذلك فإن كتاب «ظلم المثقفين فى عهد عبد الناصر «الشمولى» يحتفظ لنا بوقائع تدخل فيها بنفسه، لكي يرفع ظلما أوقعته الأجهزة التابعة لدولته على أفلام سينمائية وأعمال إبداعية، كان من بينها اعتراض الرقابة على عرض فيلم «شيء من الخوف» - الذي كتبه «ثروت أباظة» وأخرجه حسين كمال عام 1969 - لأنه كان يصور شخصية الطاغية «عتريس» الذى يحكم إحدى القرى بالحديد والنار ويظلم أهلها، مما دفعهم للثورة عليه وتحديه بقيادة «فؤادة» صديقة طفولته، التى أحبت فيه البراءة، ورفضت أن تتزوجه على الرغم من حبها له، قبل أن يسترد إنسانيته وقاومت جبروته، لأنه تزوجها دون موافقتها، وطلب «عبد الناصر» أن يشاهد الفيلم بعد أن قيل له إنه منع من العرض لأنه يتضمن إسقاطا على نظام الحكم وأنه هو المقصود بشخصية «عتريس» وما كاد يراه، حتى أمر بعرضه قائلا: لو كنت أنا عتريس فى رأي الرقابة فإنني أستحق أكثر من هذا. وحتى تكتمل الصورة، وتصبح ذات دلالة، فلا أحد يستطيع أن يغفل عن صفحات كتاب «ظلم شمولية عهد عبد الناصر للمثقفين» طبقا للمعايير التى اتبعها «د. جلال أمين»، واقعة سحب فيلم «شمشون ولبلب» الذى - قام ببطولته «شكوكو» و«سراج منير» وأخرجه المخرج المجري الأصل سيف الدين شوكت - من دور العرض بعد أيام من عرضه، لولا أن الحقائق التاريخية التي تقول إن الذي اعترض على الفيلم هو حاخام اليهود المصريين آنذاك «حاييم ناحوم أفندي» لأن الاسم الذي أطلق على بطل الفيلم هو اسم أحد أنبياء بني إسرائيل، ولأنه أطلق على شخصية شريرة تتسم بالغباء والحماقة وتثير سخرية المتفرجين، وهي مشكلة تطلب البحث عن حل لها عدَّة شهور، جرت خلالها عملية مونتاج قاسية لشريط الصوت، ليحل اسم «عنتر» محل اسم «شمشون» في كل جمل الحوار التى ورد فيها الاسم، ليعرض الفيلم بعد أن تغير اسمه إلى «عنتر ولبلب». ولو أن «د. جلال أمين» وجد في صفحات الجريدة التي نشرت مقاله متسعه، لأضاف إلى صفحات كتاب «ظلم شمولية عبد الناصر للمثقفين» واقعة سحب فيلم «ليلة القدر» - الذى كتبه وأنتجه وأخرجه وقام ببطولته أمام الفنانة ماجدة الفنان حسين صدقي - من دور العرض بعد أيام من بدء عرضه في أواخر عام 1952، وهو فيلم تدور أحداثه حول زواج أحد رجال الدين الإسلامى بفتاة مسيحية اجتذبتها إليه أخلاقه الطيبة وتدينه السمح، فتركت دينها واعتنقت الإسلام، فثارت أسرتها وسعت لفض هذا الزواج، لكن الحقائق التاريخية تقول إن الذي اعترض على الفيلم هو بطريرك الأقباط بضغط عدد من رجال الدين المسيحي من مختلف الطوائف، حذروا من أثرة السلبي على الوحدة الوطنية، لأن الأحداث تدور فى سياق المقارنة بين الأديان، وتصور المسيحيين بأنهم لا يتمسكون بالأخلاق، وهي مشكلة جرى حلها بتعديل عدد من مشاهد الفيلم، ليعود بعد عامين إلى دور السينما باسم جديد هو «الشيخ حسن». تلك صفحات لا تؤكد فقط أن «د. جلال أمين» قد تجنى على عهد عبد الناصر، حين نسب إليه أنه أفرط فى ظلم المثقفين، دون أن يميز بين الظلم الذى وقع في هذا العهد بالفعل على المشتغلين منهم بالفكر السياسي والاجتماعي والتنظيم الحزبي، وبين الظلم الذي لم يقع - إلا في حالات نادرة - على المبدعين منهم في مجالات الآداب والفنون.. بينما تمتعوا بحرية واسعة في نقد الحكم.. حتى تحولت المسارح - خاصة في الستينات - إلى ما يشبه هايد بارك يمارس فيها المثقفون متعة نقد النظام الذي يحكم، أما الذي فات عليه أن يبحث عنه، في حمى حرصه على النظر إلى نصف الكوب الفارغ في العلاقة بين عبد الناصر والمثقفين، فهذا الدور الذي لعبه هذا الفريق من الشموليين الرجعيين، في ظلم «عبد الناصر» وفى ظلم المثقفين الذين كانوا يؤمنون بأنه كان يقود مصر إلى مستقبل أفضل، على الرغم من أي خلاف معه، وكان من بينهم «د. جلال أمين» نفسه! وتلك قصة أخرى.. ربما تكون أخيرة!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها