النسخة الورقية
العدد 11028 الأربعاء 19 يونيو 2019 الموافق 16 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

مذكـــــرات مســــــتر همفـــــر

رابط مختصر
العدد 9384 الخميس 18 ديسمبر 2014 الموافق 26 صفر 1436

«أوفدتني وزارة المستعمرات ومعي تسعة معاونين آخرين سنة 1710 إلى كل من مصر والعراق وطهران والحجاز والأستانة بعد أن تلقينا تدريباً واسعاً في سبل المخابرات والجاسوسية، وتشمل دراسة لغات تلك البلاد ودين الإسلام وحفظ الكثير من القرآن والحديث النبوي». هذا النص ورد في مقدمة الفصل الثاني من كتاب «مذكرات مستر همفر: الجاسوس البريطاني في البلاد الإسلامية» من تأليف أحد عملاء الإمبراطورية البريطانية في القرن الثامن عشر، الذين جندوا لإحكام السيطرة البريطانية على الشرق الأوسط. وكما يرد في النسخة المترجمة من الكتاب «لقد تأكد للساسة البريطانيين أن العائق الوحيد للاستعمار البريطاني في هذه المنطقة الحيوية في طريق الهند هو دين الإسلام، وأن السبيل الوحيد لإخضاع تلك الشعوب والتغلب عليها هو تمزيق الإسلام من الداخل وبث الفتن بين المذاهب المختلفة وأهم من هذا هو تحريف المبادئ والقيم التي قام عليها هذا الدين «. هذا الكتاب الذي لا تتجاوز عدد صفحاته 130 صفحة من القطع الصغير، يستحق القراءة اليوم، بعد مضي ما يزيد على قرنين منذ أن أرسل همفر باحثا عن موطئ قدم للاستعمار البريطاني في المنطقة من خلال استخدام الدين الإسلامي «مطية» لتحقيق هذا الغرض. فمما يقوله همفر «إلا أننا لم نكن نثق بالنتائج «المقصود بالنتائج هنا المعاهدات التي وقعتها مع الدولة العثمانية حينها» وذلك لعدة أسباب أهمها: 1. قوة الإسلام في نفوس أبنائه، فإن الرجل المسلم يلقى قيادة الإسلام بكل صلابة حتى أنك ترى الإسلام في نفس المسلم بمنزلة المسيحية في نفوس القساوسة والرهبان.... 2. لم نكن نأمن من تحرك الوعي في نفوس «آل عثمان: المقصود هنا الدولة العثمانية» وحكام فارس، بما يوجب فشل خططنا الرامية إلى السيطرة. 3. كنا شديدي القلق من علماء المسلمين: فعلماء الأزهر، وعلماء العراق، وعلماء فارس، كانوا أمنة سد أمام آمالنا. ثم يمضي همفر في رواية مذكراته في المنطقة، حيث يرى كيف تتقن المخابرات الغربية اختراق المجتمعات التي تنوي اخضاعها لسيطرتها، فيقول «ومن الحلة ذهبت إلى النجف في زي تاجر من تجار أذربيجان والتقيت برجال الدين وأخذت أراودهم، وحضرت مجالس دروسهم، واعجبت بهم أيما إعجاب». ويستمر همفر قائلا « قال لي ممثل الوزارة «المقصود هنا البريطانية» في بغداد ألا أتردد عليه وأن استأجر غرفة في أحد الخانات المطلة على نهر دجلة لكيلا تثار حولي شبهة». وبشأن أساليب المخابرات الغربية في خططها لفهم ذهنية مواطني المناطق التي تسعى للسيطرة عليها، يقول همفر ثم أخذ «الوزير البريطاني» بيدي وأدخلني إحدى غرف الوزارة... إن هؤلاء الخمسة «رجال كانوا في تلك الغرفة» يمثلون أولئك الأصليين. صنعناهم على أمثلتهم لنرى كيف يفكر أولئك الخمسة، فإننا نزود هؤلاء بالمعلومات التي تصلنا من الأستانة وطهران والنجف، وهؤلاء يجعلون من أنفسهم بمنزلة أولئك الخمسة الأصلاء، ثم يجيبوننا عن كل ما نسألهم. وقد لا حظنا أن نتائج تفكير هؤلاء الخمسة تطابق سبعين في المائة تفكير أولئك الأصليين». الأهمية المعاصرة لهذا الكراس الصغير، هو ما تشهده المنطقة العربية من نهوض للتيارات الدينية، وعلى وجه الخصوص الإسلامية منها، المتطرفة التي تحاول أن تنفي الآخرين، ليس بالطرق السلمية، وإنما بأكثر أساليب المواجهة عنفا، يصل إلى المستوى البربري. وما نشهده اليوم في ساحات عربية مثل العراق وسوريا، بل وحتى بعض دول الخليج العربي، لا يخرج عن نطاق ما كانت تقوم به وكالات الاستخبارات الغربية في القرون الماضية، لكن بعد أن اكتسبت السمات المعاصرة، وعرفت التطور الذي تحتاجه كي تأتي منسجمة مع واقع العصر المعاش. فالظواهر غير الإنسانية التي رافقت بروز التيارات الدينية السياسية المتطرفة ليست بعيدة عن أصابع الاستخبارات الغربية. ولكي نكون أكثر دقة، فما نتحدث عنه هنا ليس التيارات الإسلامية المعتدلة، التي تسعى للتغيير من منطلقات دينية سمحة، قابلة للتعايش مع الآخر، وترفض نفيه، وإنما تلك التي دأبت على نفي الآخر، ولا تتردد في تصفيته. وربما تشكل الظاهرة التونسية، إن قدر لها الاستمرار إحدى العلامات البارزة على طريق ممارسات الإسلام السياسي المعتدلة، التي تستحق التوقف عندها، وقراءتها بشكل موضوعي بعيدا عن أي شكل من أشكال التشنج الإيدلوجي. على نحو مواز لهذه الظاهرة، وهي مساعي الغرب لاختراق البلدان الساعي للسيطرة على مقدراتها، هناك اختراقات من نمط آخر، تختلف عن الاختراق الديني، وتأخذ أشكالا متخفية مثل المنظمات الإنسانية وتلك التي تدعي برامجها مساعدة الدول النامية، لكن معظمها، كي لا نبالغ فنقول جميعها، مرتبطة بشكل أو بآخر بالمؤسسات الاستخباراتية الغربية. فهي تتخفى تحت أردية إنسانية متنوعة كي تتمكن من اختراق المجتمعات التي تبحث دولها «دول تلك المنظمات» عن وسيلة للنفاذ إلى تلك الدول النامية من أجل فرض سيطرتها عليها، إما لأسباب اقتصادية، او أخرى ذات طابع جيو-سياسي. مرة أخرى هنا يجب توخي الحذر وعدم المغالاة في تصنيف جميع تلك المنظمات في خانة النفوذ الاستخباراتي، لكن المطلوب توخي الحذر عند التعامل معها، او الاستفادة من الخدمات التي تقدمها. هذه المقاربة هي التي تضفي على الكتاب أهميته المعاصرة، وتجعل من الحوادث التاريخية دروسا نستقي منها تجاربنا الغنية في التعامل مع الأصدقاء والأعداء على حد سواء. بقيت ملاحظة لا بد من إيرادها، وهي أن المترجم ارتأى لأسباب لم يوضحها عدم الإفصاح عن اسمه، واكتفي بمجموعة من الحروف هي «م. ع. خ»، أما الناشر فهي «دار الفنون للطباعة والنشر والتوزيع، في لبنان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها