النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

أفق للمراجعة من أجل مساعدة المعارضة على تجاوز نفسها

رابط مختصر
العدد 9381 الأثنين 15 ديسمبر 2014 الموافق 23 صفر 1436

وبعد انتهاء الأزمة التي عاشتها البلاد بتداعياتها السياسية والأمنية، كان أمس ما يحتاجه الجميع هو مراجعة الوضع السياسي في اتجاه إيجاد حلول للتقدم إلى الأمام، خصوصا في ظل سقوط مشروع الانقلاب، واتضاح الصورة العامة للوضع، وهي أن الأغلبية الساحقة من الناس يرغبون صراحة في تعزيز الإصلاح والديمقراطية واتخاذ قرارات أكثر تقدما في اتجاه الوصول إلى حلول لحياتهم ومعاشهم في حدود إمكانيات الواقع وطاقة احتماله في المرحلة التاريخية الراهنة، بل إن أغلبية المواطنين صوتوا في هذا الاتجاه. وإذا كانت المعارضة هي الخاسر الأكبر مما حدث لسوء تدبيرها وضعف قراءتها للواقع واستشراف آفاقه، فإن عليها - إذا ما كانت جادة في المراجعة واستخلاص الدروس مما حدث - أن تتوقف عن الهياط والمياط واستجداء الخارج للتدخل في الشأن الخارجي وإعادة الاعتبار لما يعرف في جميع بلدان العالم وبين أوساط الأحزاب المحترمة «المراجعات الأيديولوجية والسياسية» في ضوء التجربة الأخيرة. إن الذين ورطوا البلاد والعباد في هذه الأزمة - اعتقادا بأنهم يحاولون الخروج بها نحو الأفضل - انسحبوا من كل ما هو مؤسسي وفضلوا اللجوء إلى الشارع، وهم اليوم يشتكون من «الحل الأمني» مع أنهم رفضوا وما زالوا يرفضون أي حل سياسي عقلاني تفاوضي، بعيدا عن المواجهة والإقصاء والتحدي، لقد انسحبوا مؤخرا من الانتخابات وقاطعوها وكانت فرصة لإنقاذهم من الورطة واسترجاع بعض من مصداقيتها السياسية التي أهدروها في جر الناس إلى مواجهة بائسة لا جدوى من ورائها، فكان انسحابهم من كل فضاء مؤسسي للحوار والتفاوض، وتفضيل رفع أصواتهم في الشوارع بدلا من الفضاء الطبيعي للحوار، خطأ كبيرا، حيث كان من الطبيعي أن يرتفع صوت الأمن عاليا في مواجهة الانفلات والفوضى والعنف، لأن الأولوية في هذه الحالة تكون - وفي جميع الأحوال وحتى في أرقى الديمقراطيات في العالم - هي للأمن والحفاظ على الحياة العامة والخاصة للمواطنين.. ومع ذلك أجدني مع مبدأ مساعدة المعارضة على تجاوز خطابها القائم على وضع شروط مسبقة لأي حل سياسي، بل ووضع سقف له تحت عنوان «الإصلاح الحقيقي»، لكن هذا الجهد المطلوب اليوم يجب ان يقابله من قبلها استعدادا لمواجهة الواقع والحقائق والمعادلات على الأرض بواقعية، والتوقف عن ركوب الغرور السياسي، وتحمل المسؤولية لا يكون بداية إلا بتشخيص الأخطاء وتحديد سبل معالجتها، تمهيدا لتجاوزها.. وأولى هذه الحقائق التي يجب ان تستوعبها المعارضة: أنه لا يجوز لأي طرف سياسي ان ينفرد بنفسه بتقرير ما يحتاجه الناس وما يريدونه ومستوى الإصلاحات التي تنفعهم وتفيدهم، وأنه لا يجوز لأي طرف سياسي ـ مهما كان كبيرا ومهما - ان يتحدث باسم الشعب وان يفعل ما يفعل باسمه وبالنيابة عنه، وأنه لا يجوز لأي كان ان يقود الناس والمجتمع إلى المواجهة العنيفة، مهما قيل عن السلمية اللفظية والشعاراتية، من أجل تحقيق أهداف سياسية، مهما كانت مشروعة. وثاني هذه الحقائق التي يتوجب استيعابها بجدية هي أن الطريق إلى الجماهير لا يمر بالضرورة عبر الطوائف، وقد جرب اليساريون والإسلاميون خلال نصف قرن من الزمان أو يزيد، تخطي الطائفة إلى الجماهير من خلال محاولة استقطابها، بعيداً عنها ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا في ذلك، لأن هنالك من يعجبه ويخدم مصلحته الضيقة وجود تخندق طائفي، فيعمل على تعزيزه، وتغذيته يوميا، بالمال والوقود الطائفي، وقد عاينا محاولة اليساريين والقوميين، وبكامل إرادتهم، التحالف مع الطائفية الدينية، لأهداف جمعت بينهم «تتراوح بين المطالب الإصلاحية إلى المطالبة بإسقاط النظام، إلى الإعلان عن الجمهورية!!»، ولكنهم لم ينجحوا بالرغم من شعاراتهم التزيينية، في إخفاء الحشد الطائفي، والشعار الطائفي، بالدمج بين الشعار السياسي والشعار الطائفي، واستغلال الجماهير وحشدها وفقا لمصفوفة الثقافة الطائفية التي يزدحم عليها المزدحمون ويتخطفها ذوو الأجندات، وقد أحيا هذا الفعل حشدا طائفيا موازيا في المقابل، في سياق ردود الأفعال وإحياء المخاوف العتيدة، بما خلق خندقا مقابلا، كان يمكن أن يتطورـ لا قدر الله - إلى ما لا يحمد عقباه، والتجربة العراقية ما تزال ماثلة وحية أمام أنظار الجميع، فالعصبيات الطائفية ضيقة الأفق محكومة بإدامة الانقسام في المجتمع، ومحكومة بإدامة الحرب الباردة بين الطوائف والتأثير سلبا على تعزيز مدنية الدولة على المدى البعيد، فما بالك ببناء الديمقراطية الحقيقية، فأقصى ما تنشده الأحزاب الطائفية هو إنزال الهزيمة بالطوائف الأخرى، أو نقل الهيمنة من طائفة إلى طائفة أخرى، ولذلك فإن الحل الحقيقي في التوقف عن تأسيس أي حزب على أساس طائفي وتعزيز ثقافة توحيد البنية الوطنية على أساس مدني صرف، في دولة يحقق فيها المواطن مواطنيته الكاملة. وثالث هذه الحقائق التي تحتاج إلى مراجعة جادة، هي الحاجة إلى التدرج في الإصلاح السياسي والقبول الحتمي بمبدأ الشراكة الوطنية والحلول التوافقية في مجتمع متنوع، والابتعاد تماما عن إدخال الخارج ضمن معادلة هذه الشراكة، مهما كانت الأسباب والمبررات. فإذا اقتنعت المعارضة بأن تكون هذه النقاط على جدول أولويات أعمالها في المرحلة المقبلة، تكون قد استفاقت من وهمها، واستخلصت الدرس، أما إذا ما استمرت في تكرار ذات الخطاب المعتاد المتمثل في إعادة إنتاج ثقافة الشكوى والإنكار والتنكر ورفض الحلول الوسطى، فإنها تكون قد أغلقت الباب أمام أي إمكانية لبقائها كقوة فاعلة ومؤثرة سياسيا في المستقبل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها