النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

قائدة الثورة ضد العباءة و«البوشية»

رابط مختصر
العدد 9378 الجمعة 12 ديسمبر 2014 الموافق 20 صفر 1436

هي صاحبة تجربة تمتد لنحو نصف قرن، قدمت خلالها عطاءات لا حدود لها في قيادة الحركة الطلابية والحركة النسائية والعمل التطوعي وقطاع الاعلام، حتى لقبتها صحافة بلدها الكويت بـ «صاحبة العالم متسع الأبعاد»، وأسبغ عليها البعض لقب «وزيرة بلا حقيبة»، وقال عنها فريق ثالث بأنها «رمز نسائي مستقل وصاحبة تجربة فريدة ومتميزة»، ووصفها فريق رابع بـ«الناطق الرسمي باسم المرأة من المطبخ إلى عالم السياسة» وذلك كناية عما قامت به في حياتها من إنجازات لجهة تغيير مجتمعها نحو الأفضل وترسيخ قيم الحداثة والتنوير فيه وكسر التابوهات الاجتماعية المعيقة. قالت لصحيفة الأنباء الكويتية (12/5/2013) في مقابلة أجرتها معها دانيا شومان: «كنت أول من رفض مسمى برامج نسائية أو برامج للمرأة وقدمتُ برامج للأسرة لأنني أوصل رسائلي التوعوية والمعلومات للاثنين للرجل والمرأة كونهما يشكلان نواة المجتمع»، مضيفة: «كنتُ أول مذيعة تقدم باللهجة الكويتية، وحرصتُ على أنْ تكون لهجة مبسطة، لا لهجة إمرأة مثقفة تحاول تقديم المعلومات للمستعمين، فنجحتُ أيما نجاح». وهذا النجاح، الذي لم تكن تتوقعه يوما، عائد لكونها عملتْ دائما بشكل تطوعي بحسب قولها. حينما كانت في المرحلة الثانوية، كانت من المتفوقات في مادتي الرياضيات واللغة العربية، لكنه لم يكن في خططها أي توجه معين حول مستقبلها بعد الثانوية، خصوصا وأنه لم تكن هناك جامعات في بلدها وقتذاك. وفي هذا السياق تتذكر أن أول مرة سُئلت فيها عما ستفعل بعد التخرج كان السؤال صادما ومحيرا لها ولم تجد إجابة ترد بها على من سألتها وهي مدرسة اللغة العربية، سوى أنها لا تريد أن تعمل في التدريس، الأمر الذي جعل مدرستها تنظر لها نظرة عتاب لأنها من دون قصد قللتْ من مهنة التدريس. والمفارقة أنها امتهنت التعليم بمفهومه الواسع طوال حياتها عبر مد مستمعيها وقرائها وصديقاتها بالمعلومات والارتقاء بحصيلتهم الثقافية من خلال نشاطاتها في المجالات التي عملتْ بها. إنها إبنة الكويت البارة الإعلامية والكاتبة القديرة السيدة فاطمة حسين عيسى القناعي (أم حسام) الشهيرة باسميها الأولين: فاطمة حسين، والتي لم يحالفها الحظ لتدخل سوق العمل مبكرا مثل نظيراتها، بسبب زواجها مباشرة بعد التخرج من الثانوية، لكنها كانت ضمن أول مجموعة صغيرة من الفتيات أرسلتها الحكومة الكويتية في 1956 إلى الخارج للدراسة الجامعية (كانت وجهة البعثة هي جامعة القاهرة، وكانت تضم إضافة إلى فاطمة حسين كلا من: نورة الفلاح، شيخة العنجري، نورية الحميضي، ليلى حسين، نجيبة جمعة، وفضة الخالد). وهذه المجموعة من الفتيات هي التي فتحت الأبواب واسعة أمام الكويتيات للدراسة الجامعية فيما بعد في مختلف الأقطار. ومن حسن حظ فاطمة حسين كما صرحت أن والدها لم يقف عقبة في طريقها لأن آباء ذلك الزمن كانوا أكثر تجاوبا مع سفر بناتهم إلى الخارج للتحصيل العلمي من بعض آباء اليوم. في القاهرة، التي لم تكن فاطمة حسين تعرف عنها سوى ما قرأته في الروايات الرومانسية لإحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي وقصائد صالح جودت، كان خيارها الأول هو دراسة الرياضيات بسبب تفوقها في هذه المادة وحبها لها، فدخلت أولا كلية التجارة لدراسة المحاسبة، لكنها سرعان ما هجرتها إلى كلية الآداب لدراسة الصحافة، بعدما شعرت بصعوبة مواد كلية التجارة. وفي مقابلة قديمة أجرتها معها ماجدة سليمان ونشرتها صحيفة الأنباء الكويتية (8/11/2007) أفصحتْ فاطمة عن مدى حبها للمدينة التي شهدت ذكرياتها الجامعية ومدى تألمها لما وصل إليه حالها فقالت (بتصرف) «أنا منزعجة.. القاهرة حبيبة لقلبي وقريبة مني كثيرا، لكني امتنع عن الذهاب إليها إلا لسبب طارىء، لأني أحزن حزنا عميقا عندما أراها. فالقاهرة التي أعرفها كانت أجمل من باريس ولندن.. كانت مدينة الجمال والنيل الأزرق الذي يسلب العقل، ولم يكن بها ازدحام أو غبار أو أوساخ أو مباني مهترئة أو فوضى الإعلانات». وفي مقابلتها مع صحيفة الأنباء (12/5/ 2013) ردت بتواضع جم على سؤال حول ما حققته من نجاحات فقالت (بتصرف): «الناس تراني ناجحة في عدة أشياء، لكن أعتقد أن أهم ما كان يميزني تمتعي بقدر من الشجاعة، فمثلا حينما التحقت بإذاعة الكويت قلتُ لهم نحن لدينا عدد هائل من إخواننا وأخواتنا العرب، وهناك عدد من الكويتيين فلماذا تكون الاذاعة كلها باللغة العربية؟ وقلتُ لهم بما أنني سأستلم برنامجا خاصا بالمرأة فإني أريد أنْ أتكلم مع المستمعات كما لو أنني أتكلم معهن في شاي الضحى، وقد تم لي ذلك». وعليه قدمت الإذاعة الكويتية لأول مرة مذيعة تتحدث باللهجة الدارجة، لكنها لم تكن لهجة غارقة في شعبيتها وإنما لغة إمرأة متعلمة ومثقفة تقدم المعلومة بصورة سهلة وقابلة للهضم. استمرتْ فاطمة في هذا العمل الاذاعي لبعض الوقت محققة صيتا وشهرة بسبب إنكبابها على تقديم كل ما هو جديد ويلبي حاجات الأسرة (المرأة والرجل معا) وذلك بفضل قراءاتها المتعددة في الكتب والمجلات الأجنبية وشغفها بالبحث والتنقيب وتفاعلها وصراحتها مع المستمعين والمستمعات، لكنها آثرتْ أن تهجر العمل الإذاعي حينما تبين لها أن الإذاعة الكويتية تريد منها حصر برنامجها في مواضيع تربية الأطفال والطبخ. بعدها انتقلتْ إلى التلفزيون ظنا منها أن الأخير سوف يكون خير بديل للإذاعة لجهة تقديم برنامج راق للأسرة كلها بمعنى عدم حصر مواضيعه في النسائيات، فحوربتْ هناك أيضا، لتهجر الإعلام المسموع والمرئي وتنتقل للعمل في الإدارة السياسية بوزارة الخارجية كمدير لمكتب أمير الكويت الأسبق الشيخ صباح السالم الصباح. وفي الخارجية لم تبق طويلا أيضا وقدمتْ استقالتها لمّا شعرتْ بوجود تمييز ضد بنات جنسها في التعيينات والرواتب والانتدابات، وقد حاول الكثيرون مثل وكيل وزارة الخارجية وقتذاك عبدالرحمن العتيقي ثنيها عن الاستقالة، لكنها أصرتْ عليها لأنها كما صرحتْ وكانت وقتها حاملا بإبنتها الدكتورة ندى المطوع «أخاف أن أنجب بنتا تعايرني يوما أنني جلستُ أعمل في مكان يفرق بين الرجل والمرأة». وبتركها للخارجية عادت مجددا للعمل بالتلفزيون في 1963 لتقديم برنامج «دنيا الأسرة»، فتم تعيينها رئيسة قسم، وبهذا كانت أول إمرأة كويتية تعين في منصب قيادي إعلامي. وهكذا يتبين لنا أنّ فاطمة صاحبة تاريخ حافل بترك الوظائف والانتقال إلى أخرى رغم النجاحات التي حققتها في كل واحدة. وحينما سُئلت عن هذا الأمر ردتْ بقناعة مفادها أن التغيير ضروري، وأنه كلما غيرتَ مهنتك كلما أعطاك ذلك دما جديدا، مضيفة ما معناه أنها لم تترك العمل وإنما توقفتْ عن عمل لتؤدي عملا آخر أكثر جودة وتأثيرا. لكن فاطمة تعترف اليوم وقد تجاوزتْ سن الخامسة والسبعين أنها أخطأتْ كثيرا بالانسحاب بدلا من الصمود والمواجهة أثناء المنعطفات الصعبة في مسيرتها العملية، لذا نراها تقول: «أتمنى على كل امرأة ألا تنسحب، وتحارب لتصل لأن وصولها يعني وصول كل امرأة، وهناك من يفرح بانسحابنا فلا تعطيهم الفرصة، لانك برأيهم مصدر ألم». وفي هذا السياق تتذكر فاطمة قصتين فتقول(بتصرف): «أذكر أنه في أول مجلس وطني للثقافة والفنون والآداب تم ترشيحي لأكون عضوا فرفض الوزير وقال انني لا أصلح وتم تعيين إحدى الأخوات رحمها الله، لكن عندما علمتُ بما قاله الوزير، التزمتُ السكوت وكان يجب عليّ انْ أتكلم ولا انسحبْ، ولكن في ذلك الوقت كان خوفي على الشخص الذي ابلغني بما حدث فكانت تلك النتيجة. كما أذكر أن وزارة الاعلام طلبوا مني أن اتسلم القناة الثانية الانجليزية وكنتُ المرشحة الوحيدة لإدارة القناة فاشترطتُ عليهم انْ يمنحوني درجة وكيل مساعد وكان تفكيري يومها ان انصف المرأة واخرجها من الكادر لكنهم رفضوا، وبالتالي أنا رفضتُ تسلم ادارة القناة، لأنّ القصة ليست منصبا فحسب أنما أريد انْ أكون في مكان أعطي المرأة الكويتية حقها وأفتح بابا لها». ومما يجدر بنا ذكره هنا، قبل الانتقال إلى جوانب أخرى من سيرة هذه المرأة الخليجية الجريئة، أنها أثناء عملها في الاذاعة والتلفزيون، لم تكن تتقاضى أجرا، وإنما كانت متطوعة تنال مجرد مكافأة بدأت بعشرة دنانير وانتهت بخمسين دينارا. كما أنها في فترة عملها في تلفزيون الكويت في الستينات قامت بطلب من الأخير بتدريب بعض الفتيات من أجل خلق جيل واع بكيفية تقديم البرامج التلفزيونية دون رهبة من الكاميرا والأضواء. أما أثناء عملها في الاذاعة في الخمسينات أي قبل استقلال الكويت فقد سافرتْ إلى نيويورك مع زوجها لمدة سنتين، وقدمتْ من تلك المدينة، التي ابهرتها ووجدتْ فيها إجابة لكل سؤال، وأحبتْ مسارحها ومتاحفها وفنونها الموسيقية، 13 حلقة إذاعية تروي فيها يومياتها ومشاهداتها. وبعد حصول الكويت على استقلالها في مطلع الستينات طُلب منها السفر مجددا إلى أمريكا لتمثيل بلدها في مؤتمر دولي للسلام والحرية بمدينة سان فرانسيسكو. وعن تجربتها في ذلك المحفل العالمي قالتْ «العالم كله كان موجودا ولم يكن هناك من الدول العربية سوى لبنان ومصر فقط، واعتليتُ المنبر وأنا أمام آلاف الناس وكنتُ يومها ارتجف وقدمتُ نفسي وقلتُ لهم انني من بلد عربي صغير جنوب العراق شرق السعودية يُسمى الكويت لأن البعض وقتها لم يكن يعرفُ الكويت وكان يعتبرها ولاية ضمن الولايات المتحدة الامريكية، أما من كان يعرفها فكان يظنُ أنها مجرد صحراء ونفط لذا قلتُ لهم العبارة المتداولة حتى اليوم وهي: نحن لسنا مجرد برميل من النفط.. نحن شعب كشعوب العالم فتح بابه للتعليم ولديه طموحات». ولفاطمة خمسة مؤلفات أبرزها كتاب بعنوان «اوراق فاطمه حسين»، وهو كتاب ماتع تحكي فيه قصه حياتها منذ ولادتها في بيت العائله الكبير في 1937 لأب ثري كان يقضي معظم أوقاته في الهند من أجل التجارة، ثم حكاية ارتباطها، بعد قصة حب، بالمرحوم سليمان المطوع الذي تحدثت عنه بفخر قائلة إنه «شخصية متميزة ومعروفة في المجتمع، يقدمني بفخر واعتزاز على أنني شريكة حياته، وهذا شيء نادر جدا من الرجل العربي.. لم يكن يجبرني على شيء، وكانت لدينا قناعة تامة بأن نكون شركاء في كل شيء سواء ماديا أو معنويا أو تربويا. ولله الحمد أنا أعيش مع رجل بكل معنى الكلمة..لم يرفع يده ولم يتلفظ يوما بألفاظ سيئة. هو إنسان متحضر ومثقف ومعه عرفتُ أنّ الحياة الزوجية من أجمل علاقات الكون والجمال. وإذا كانت فاطمة حسين محظوظة فإنها محظوظة بهذا الرجل الذي شكل زواجي منه نقطة تحول جذرية في حياتي». وتروي في الكتاب أيضا قصة سفرها الي مصر للدراسه حيث كانت تجربتها الاولى في الاختلاط والرحلات الجماعية ومواكبة الحياة الثقافية والعمل السياسي من خلال الانخراط في حركة القوميين العرب، ثم قصة سفرها لامريكا لتكمله دراستها العالية، ورحلتها الي الهند، ونضالها السياسي في سبيل حقوق المراة السياسيه ببلدها، وحكايتها مع الاذاعة والتلفزيون وما شاب عملها فيهما من منغصات بسبب رغبتها في ترك بصمتها الخاصة على ما كانت تقوم به، ثم حكاية انضمامها إلى جريدة الوطن كمديرة للتحرير في 1991 وما واجهته في هذا المنصب من مصاعب بسبب ترؤسها لأساتذة في الفن الصحفي من أبناء البلد « المعتد بنفسه إلى حد الغرور والممتعض من أن تترأسه امرأة»، ثم قصة تأسيسها لمجلة سمرة في 1992 التي أرادتها حاضنة لكل خبراتها المتراكمة، لكنها إضطرت بعد خمسة أعوام من النجاح أن تهجر المجلة والعمل الصحفي بسبب فجيعتها في إبنها الشاب سامي قبل أن تعود إلى الصحافة في 1997 من خلال عضويتها في مجلس إدارة جمعية الصحفيين الكويتية. وفي الكتاب أيضا قصة نضالها السري مع خلايا المقاومه أيام الإحتلال العراقي القاسية وما كانت تعانية من قهر وصدمة وهلع، ثم قصة هروبها إلى السعودية بعد انكشاف دورها المقاوم، وأخيرا قصة دخولها المعترك التجاري عبر افتتاح محلات للذهب والفضة وورشة لتصميم المجوهرات «لأن العائد من العمل الاعلامي لا يكفي للوفاء بالتزاماتها المعيشية بحسب قولها». وتشتهر فاطمة في تاريخ الكويت الاجتماعي بأنها أول من نادت بالسفور، بل وقادتْ مجموعة من زميلاتها في مدرستها الثانوية في 1953 إلى عمل جريء ضد التقاليد الدارجة، عُرف لاحقا باسم «ثورة الخمار». ولم يكن هذا العمل، الذي بسببه أطلق البعض عليها إسم «هدى شعراوي الكويت»، سوى إقدامهن على حرق «بوشياتهن»، إعلانا منهن على أنّ تلك الملابس ليست من الدين في شيء وإنما أتتْ بها التقاليد والأعراف الاجتماعية التي يجب أنْ تتبدل مع ما كانت تشهده الكويت وقتذاك من تغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية بفضل اكتشاف النفط وتصديره. وحول هذا الموضوع، دعونا نسمع القصة من بطلتها، التي عاشت بعمق تجربة امرأة «على خط التماس ما بين الحداثة والتقاليد». تقول فاطمة: «الخمار غطاء الوجه هذا هل يعقل ان يبقي عثرة؟ تبادلتُ النظرات أنا وصديقاتي في ثانوية (القبلة) ثم عقدنا العزم على حرق الخمار..واين؟ في ساحه المدرسه! لم تكن أي من مدرساتنا يعرفن ما عزمنا عليه. ماهي إلا ساعة ونصف حتى دق جرس الفرصة، وخرجتْ جميع الطالبات من صفوفهن فأخذنا ركنا قصيا وكل واحدة منا تخفي خمارها تحت إبطها وضعناها على الارض واشعلنا النار فيها وبدأنا نضحك. وكانت الطالبات متحلقات حولنا باستغراب ودهشة وتشجيع بالتصفيق. وسرعان ما تساقطت الخمارات واحدا تلو الاخر، النار تلتهما كلها.. وهكذا خرجنا من المدرسه بلا غطاء الوجه.وصلت السيارة التي تنقلنا الى بيوتنا.. وما زلتُ اذكر تلك اللحظة الحرجة. كيف لي أنْ أخطو خطوة واحدة بالخارج وأنا سافرة الوجه؟ سحبتُ عباءتي من الجانبين حتى أخفي وجهي والخوف يتملكني مما ساواجه بالبيت رغم ارتياحي الجزئي من غياب والدي بالهند وأنّ المسؤول عن البيت الآن هو اخي الكبير وكان طيبا رحوما سهل التعامل، اضافة الى أن ليلى ابنته شريكتي بحرق الخمار..عند الوصول الى البيت أخبرنا الاهل الذين ثاروا علينا وساد هرج ومرج وألزمونا بلبسه مرة اخرى حتى انهم اشتروا لنا خمارات جديدة. وهكذا فشلتْ المحاولة الاولى التي جرتْ عام 1372هجري ولكنها كانت الجولة الاولى فقط». تقارن فاطمة بين حالها وحال زميلاتها أثناء تواجدهن في الوطن وفي مكان الدراسة بالقاهرة فتقول منتقدة بلغة ساخرة: «نحن نلبس العباءة كتقليد اعمى اعتدنا عليه.. خلعناها في مصر ولم نفقد احتشامنا لا مظهرا ولا جوهرا وأهلنا في الوطن يعلمون ذلك! نصعد الى الطائره فنطوي العباءة، ونهبط مصر من دونها. ونصعد الطائرة من مصر الى الكويت فنلبس العباءة في الطائرة لنهبط بها بالكويت.. هنا رجال وهناك رجال مالفرق؟؟؟ ولماذا لا نمارس ذلك في بلادنا ما دمنا نمارسه بالخارج؟». وتضيف: «بدأنا نتساءل عن قيمة العباءة وقيمه الخمار الذي كنا نلبسه وننزعه في كل مرة نغادر فيها الكويت او نعود.. قررنا نحن الثلاث أنا وشيخة العنجري وليلي محمد حسين ان نخلع الخمار والعباية للأبد. وهكذا نزلنا مطار الكويت بدونهما..أما الباقيات فقد قررن نزع الخمار أولا ثم العباءة». ولكن يا ترى كيف استقبل الاهالي بناتهن وهن سافرات الوجوه ومكشوفات الشعر وبدون عباءة..!!!! تجيب فاطمه فتقول: «بالصمت الرهيب !!..غريب كيف أعطانا الصمت الرهيب تلك القوة أمام ذلك السيل العارم من الانتقاد الحاد. اليوم وأنا أنظر لذلك الصمت أتساءل كيف انصاع أهلنا أخيرا لارادتنا وتقبلونا فلا أجد في ذهني سوى هذين السببين:الاول هو أنّ كويت الخمسينيات كانت كويت المتغيرات والمستحدثات والنقلة الحضارية التي رافقت ظهور النفط وكان يعم المجتمع حس بأهمية اللحاق بالركب، ولذلك فكل شئ ماعدا سوء الخلق مرحب به. والسبب الثاني هو أنّ التعليم خلق فجوة بيننا وبين أمهاتنا جعلتْ الأم تشعر بضعفها أمام بنتها وصارتْ تفاخر بتلك الفتاة الجامعية مما جعل الأم تأخذ دور المدافعة عن البنت مادام ضمن الاعراف المتعارف عليها.. ولم تلحق الضرر بنفسها أو أسرتها». وحينما تم مواجهتها بآية الحجاب، وأنّ مفهوم الحرية ملتبس لديها وتبالغ فيه كان ردها (بتصرف): «أنا إنسانة حرة.. أعيش الحرية بالمفهوم الحضاري وليس البوهيمي.. الحرية تفترض شفافية في العلاقات واحترام الانسان للآخر.. أنا أنظر للقيم الاسلامية كعمود فقري وليس كمظاهر.. الحجاب لا يجمل ولايقبح، لكنهم يعتقدون أن إخفاء الشعر جزء من الفرض. أنا درستُ القرآن من زاوية بلاغة اللغة وتفسير المستنيرين من رجال الدين مثل محمد عبده والأفغاني وعرفتُ أن المفروض في المرأة المسلمة أنْ تكون محتشمة، والحشمة تختلف من زمان إلى زمان.. هل أرضى اليوم أنْ تتحجب ابنتي، ثم تعمل مكياج وكأنها ذاهبة إلى سهرة.. هل أرضى بحجاب والملابس كلها ضيقة وجينز وإستريش. عندما تخلينا عن العباءة فعلنا ذلك لأنها تخفي الطيب والخبيث معا، فعندما تسير الواحدة بدون عباءة فإنه بالامكان معرفة المحتشمة من المنحرفة، لكنها حينما تسير منقبة ومحجبة ورائحة عطرها يصل إلى آخر الشارع لا يمكن التمييز. إن ديني أسمى من المظاهر، ولا يسيء إليه إلا حصره في المظاهر وابتعاده عن الجوهر».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها