النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

المثقفون بين نصف الكوب الفارغ.. ونصفه الملآن

رابط مختصر
العدد 9377 الخميس 11 ديسمبر 2014 الموافق 19 صفر 1436

لا أدري ما السبب المباشر، الذي دفع «د. جلال أمين» لكى يطرح على نفسه ويشغل غيره بالبحث عن إجابة لسؤال يقول «متى بدأ الظلم في حياتنا الثقافية؟» على أن طرح الأسئلة أمر مشروع في كل زمان ومكان، إن لم يكن من باب التاريخ.. فمن باب السياسة.. وهما بابان متداخلان لا بد وأن يقود أحدهما للآخر. وفي محاولته للإجابة عن هذا السؤال يذهب «د. جلال» إلى أن أحدا لا يستطيع أن يزعم أن حياتنا الثقافية قبل ثورة 1952، كانت خالية من الظلم أو أن ذلك ممكن في أي بلد أو أي عصر، أما الحقيقة التي انتهى إليها بحثه عن إجابة لسؤاله، فهي أن ظلم المثقفين قبل سنة 1952، كان أقل منه بعدها. وفي المقارنة بين العهدين، لم يجد «د. جلال» من بين شواهد لحلم المثقفين في عهد ما قبل يوليو، سوى مثال واحد هو اعتراض القصر الملكي -عام 1947- على منح «د. طه حسين» جائزة «الملك فؤاد» في الآداب بسبب تأليفه كتاب «المعذبون في الأرض» الذي يندد فيه بحالة الفقراء في مصر، وهو ما أغضب الملك «فاروق» ولكن هذا الغضب لم يمنع «طه حسين» -بعد ثلاث سنوات- من اعتلاء منصب وزير المعارف، حين أجريت انتخابات حرة نزيهة أسفرت عن تشكيل حكومة وفدية برئاسة «مصطفى النحاس» وهو ما دفعه للجزم بأن المناخ الديمقراطي الذي ساد مصر في مرحلة ما بين الحربين العالميتين ساعد على وجود مناخ ثقافي راق، لا تتكاثر فيه حالات الظلم للمثقفين، كما حدث عندما زادت درجة الاستبداد واشتدت قبضة الحكم الشمولي التي أدت إلى تفشي الفساد في حياتنا الثقافية.. وهو ما وجد «د. جلال» شواهد لا تحصى عليه، من بينها تعيين أديب وضابط في الجيش هو يوسف السباعي، أمينا عاما للمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، كان معاديا لليسار، وكارها له، فاتخذ من اليساريين هدفا لقراراته خلال الفترة الطويلة التي قضاها في هذا المنصب وحملة الاعتقالات التي تعرض لها اليساريون في الفترة ما بين عامي 1959 و1964 وتأميم الصحف ليتحول المثقفون إلى ما يشبه الموظفين الحكوميين فيتعرض بعضهم، للمنع من الكتابة أو للفصل من أعمالهم لمجرد أنهم عبروا عن آراء تختلف مع سياسات الحكم. وكما دخل اليساريون المعتقلات دون سبب واضح، فقد خرجوا منها ليتولوا -دون سبب كذلك- شؤون الثقافة ويترأسوا الأنشطة التي تعمل في مجالات النشر والمسرح والسينما وإصدار المجلات الثقافية. ومع أن «د. جلال أمين» يعترف بأنهم أدوا خدمات جليلة في كل هذه المجالات، إلا أنهم أضافوا إلى شمولية نظام الحكم الشمولية التي تتسم بها أفكارهم، فاعتبروا أن كل من ليس معهم فهو ضدهم وشككوا في وطنية ونزاهة كل من يتخذ موقفا معاديا من أفكارهم، مما أدى إلى ظلم نقدي طال قامات ثقافية وإبداعية كبرى منها «نجيب محفوظ» و«توفيق الحكيم» واضطر عددا من كبار المفكرين الاقتصادييين الذين كانوا يعترضون على سياسة توسيع تدخل الدولة في شؤون الاقتصاد إلى الهجرة للعمل فى الخارج. تلك مقارنة تبدو من حيث الشكل حقيقية، ولكنها -من حيث الجوهر- تكتفي برؤية نصف الكوب الملآن في حقبة ما قبل يوليو 1952، وتقتصر على رؤية نصف الكوب الفارغ في عهد ما بعد يوليو.. وتتجاهل حقائق تاريخية لا سبيل لإنكارها، فليس صحيحا أن مصر قد سادها -خلال مرحلة ما بين الحربين- أو بمعنى أدق ما بين الثورتين (1919 - 1952) مناخ ديمقراطي ساعد على وجود مناخ ثقافي راق.. إذ الحقيقة أنها لم تتمتع بهذه الحريات الديمقراطية -سوى خلال ما يقرب من ست سنوات هي التي تولى الحكم خلالها «حزب الوفد» الذي كان يحوز تأييد أغلبية المصريين آنذاك بينما شهدت مصر خلالها ثلاثة انقلابات تعطل في ظلها الدستور، في أعوام 1925 و1928 وبين عامى 1930 و1936 وعرفت بعدها أسلوب تزوير الانتخابات العامة لصالح أحزاب الأقليات السياسية التي لا تمثل الشعب، التي حكمت بين عامى 1938 و1942 وعامى 1942 و1950. وخلال تلك الفترة الديمقراطية عانى المثقفون خاصة المشتغلين منهم بالشأن السياسي اشكالا من الاضطهاد شملت تقديم بعضهم للمحاكمات وإغلاق عشرات الصحف بقرارات إدارية ومصادرة الكتب، وفصل موظفي الحكومة فدخل «عباس محمود العقاد» و«محمد التابعي» و«توفيق دياب» ورسام الكاريكاتير «رخا» السجون بعد إدانتهم بالعيب في الذات الملكية وفصل «طه حسين» من الجامعة لأنه -حين كان عميدا لكلية الآداب- أقام حفل شاي جمع فيه بين الطلبة والطالبات، وأغلق وزير المعارف -الذي كان يتولى شؤون الثقافة أيامها- معهد التمثيل حفاظا على ما يسميه الأخلاق العامة. ولم يكن الأمر قاصرا على الوزارات التي عطلت الدستور أو ألغته، بل شمل كذلك التيارات السياسية الليبرالية، فتخلى «سعد زغلول» عن «طه حسين» أثناء أزمة كتاب «في الشعر الجاهلي» الذي اتهمه المحافظون آنذاك بأنه يشكك في العقيدة الدينية، وقال: «ليس الذي شك قائدا أو زعيما حتى نحفل بما قال.. وماذا علينا إذا لم تفهم البقر؟».. وفي أثناء أزمة كتاب «الإسلام وأصول الحكم» الذي ألفه «علي عبدالرازق» وافق سعد زغلول على أن يجري حديثا صحفيا مع «د. محمد حسين هيكل» -رئيس جريدة السياسة- يؤيد فيه ما ذهب إليه المؤلف في كتابه، لكنه تراجع عن موقفه واعتذر بأن هذه مسألة حساسة لدى العوام.. وأنه يفضل عدم الخوض فيها. ولو أن د. جلال أمين حرص على أن ينظر لنصف الكوب الملآن ونصف الكوب الفارغ في كلا العهدين اللذين يقارن بينهما، لما فات عليه أن عهد ما بعد يوليو، هو الذي جعل من الخدمة الثقافية، إحدى الخدمات العامة التي تقدمها الدولة للمواطنين شأنها في ذلك شأن الخدمات الصحية والاجتماعية والزراعية، وأنه أنشأ لهذا الغرض نماذج من المشروعات والمؤسسات اجتذبت إليها دولا عربية أخرى، شملت إنشاء معاهد لتعليم الفنون والاعتناء بالمتاحف وإنقاذ وترميم الآثار ودعم إصدار الصحف والمجلات الثقافية وإنشاء مكتبات عامة في عواصم الأقاليم وفرق للمسرح والفنون الشعبية وإنتاج أفلام سينمائية راقية ودفع أسعار الكتب ومنح التفرغ للإبداع الأدبي والفنى، وإنشاء قصور وبيوت للثقافة في الريف والمدن الصغيرة.... إلخ. ولو أنه استخدم التعريف الضيق والشائع للثقافة والمثقفين، باعتبارهم مبدعي الأنواع الأدبية والفنية، لنتوقف أمام ظاهرة لفتت أنظار آخرين، هي ذلك التناقض بين شمولية نظام عبدالناصر وتقييد الحريات العامة في عهده، وهو اتجاه كان سائدا في كل الأنظمة التي أقيمت في البلاد التي نالت استقلالها بين الحربين وبعدهما، وبين الحقيقة التي لا يستطيع أحد أن ينكرها، وهو أن الإبداع الأدبي والفني قد تمتعا في عهد عبدالناصر بحرية واسعة، على عكس الفكر والتنظيم السياسي اللذين تعرضا لأشكال من الحصار، ففي هذا العهد ازدهر المسرح المصري وأضيفت إليه أسماء لامعة، شكلت فيما بينها مدرسة جديدة خلصته من ظاهرة الترجمة والتمصير، ولمعت أسماء «نعمات عاشور» و«ألفريد فرج» و«يوسف إدريس» و«رشاد رشدي» و«سعد الدين وهبة» وغيرهم، وتخلص الأداء المسرحي من المبالغة والخطابة، ولمعت أسماء كبيرة في مجال الإخراج المسرحي، وتطور المسرح الشعري بفضل تجارب «عبدالرحمن الشرقاوي» و«صلاح عبدالصبور» و«معين بسيسو» وتجدد الشعر، وازدهرت الرواية والقصة القصيرة، وتبلور تيار الواقعية النقدية والواقعية الجديدة في الإبداع والنقد، وهو ما حدث في مجالات أخرى مثل الفنون التشكيلية والموسيقى والأغاني، وتمتع المبدعون في كل هذه الأنواع بحرية سمحت لنجيب محفوظ بأن يكتب وأن ينشر على صفحات «الأهرام» -الجريدة الرسمية للدولة- روايات مثل «اللص والكلاب» و«السمان واالخريف» و«ميرامار» و«ثرثرة فوق النيل»، وليوسف إدريس أن يكتب «الفرافير» و«العيب»، وتوفيق الحكيم أن يكتب «السلطان الحائر» و«بنك القلق»، ولعبدالرحمن الشرقاوي أن يكتب «الفتى مهران»، ونشرت هذه الروايات أو مثلت على مسرح الدولة، على الرغم من أنها جميعا كانت تنطوي على نقد واضح وزاعق لسياسات العهد الشمولي! فكيف حدث هذا.. وما هو السر في ازدهار الإبداع وحريته في عهد عبدالناصر الشمولي؟ ذلك سؤال لم يطرحه د. جلال أمين، ولم يجب بالتالي عنه، وهو يحتاج إلى وقفة قبل أن نعود إليه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها