النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

التاريخ باعتباره استحضاراً للثارات القديمة!

رابط مختصر
العدد 9376 الأربعاء 10 ديسمبر 2014 الموافق 18 صفر 1436

وحدها النظرة التاريخية في بعدها الإنساني، لا في نسخها الأكثر عزلة، يمكنها ان تعيد الاعتبار لعالم التضامن والتآخي والتعاون بين الشعوب، بين بني البشر في لحظة تجردهم من الطوائف والعقائد الدينية والسياسية، والإبقاء على ما هو إنساني جامع منها، ووحدها هذه النظرة يمكنها أن توصل الفكر الإسلامي والمسلمين إلى مواجهة تحديات الحداثة والعصر باستثمار العلاقات الكونية الجديدة والمتاحة أمامهم اليوم لتحقيق النهضة المتعثرة لأكثر من قرنين، بدءا بالقبول بالإنجازات التحررية الحداثية التي حققتها الإنسانية كمشترك عام «وإن كان في لحظة غربية فقد شاركت فيه جميع الحضارات» بعيداً عن الاستمرار في تضخيم المخيال المتعلق بالاحتماء بالذاكرة وأحداث التاريخ المؤلمة والحروب والمواجهات القديمة التي أسالت انهارا من الدماء والانتهاكات وأكداسا من الكراهية المركبة والمتبادلة، والعزلة والانكفاء على الذات، واعتبار الدين أيديولوجية قتال دائمة ضد الأعداء «التاريخيين والدينيين والطائفيين والكفار» على نمط ثقافة القاعدة والنصرة وداعش وعصائب الحق وأحزاب «الله» والجماعات المتوحشة الطائفية في العراق والتي أدى توحشها ولا إنسانيتها إلى ولادة التطرف المضاد، دون أن ننسى المبشرين بولاية الفقيه الدولية الذين استجلبوا من التاريخ ذاكرة الحروب لمواجهة شركائهم في الوطن او في الإنسانية وتهديدهم بالويل والثبور، لان هذه المنظومة إذا تم تشغيلها تفضي حتما الى استحضار الحروب الطاحنة وبناء العداوات بلا نهاية، والدخول بالتالي في دوامة الاقتتال المعنوي والمادي والتي يغذيها على نطاق آخر سياسة الهيمنة والعدوان والانتهاك المنهجية الممارسة في السياسة الغربية تجاه العرب خاصة والمسلمين عامة، وما تولده هذه السياسة الغاشمة من إحساس متزايد بالضعف والإهانة والتخلف والإحباط، وما تفرزه من رد فعل يتراوح بين ثقافة العزلة والتوحش، أو الهروب إلى الخلف والاحتماء بالماضي والخرافات، وبين العنف الوحشي الذي لا يبقي ولا يذر!! هذه المعادلة، بالرغم من بداهتها ووضوحها، لا تتم قراءتها على هذا النحو من قبل الغرب، أو من قبل غلاة الإسلام السياسي، فالأول يفسر تصاعد أحداث العنف، بما في ذلك أحداث 11 سبتمبر، بأنها نتيجة طبيعية للعوامل الداخلية الخاصة بالإسلام وبطبيعة الأنظمة العربية ذاتها القائمة على الاستبداد والتحجر وانعدام الحرية، والطرف الثاني يرى في الأحداث ذاتها جولة جديدة من منازلات الحق ضد الباطل، كما عبر عنه بن لادن والظواهري، في حين كان من الأفضل القول إن هذه المنازعات تستند في مجملها إلى سوء الفهم والجهل المزروع في التقاليد التاريخية والقيم التي يتم استدعاؤها لإحياء شرعيات عفا عنها الزمن، وتصور للتاريخ كمجرد استحضار للثارات القديمة، كما ان هذه الحالة من والإقصاء المتبادل وفقد التسامح لا تتيحان الفرصة للأصوات القادرة على فتح الطريق أمام آفاق جديدة للفكر وللمعرفة وللعمل التاريخي المشترك لإنهاء هذا الاستقطاب وهذه الحرب المفتوحة، منذ قرون. إن هذا التاريخ المشترك الذي يفترض أن تجري حوله المفاوضات والحوارات الحضارية بين الدول - الشعوب، تعني تأسيس سياسة مشتركة تستهدف عن طريق الإعلام والقيم والثقافية والتربوية، تقديم الإجابات التي تحظى بالصدقية والمصداقية في كل ما يتعلق بالمشكلات التي قسمت منذ قرون ما يسمى بالوعي الحضاري والقومي والوطني والديني للشعوب، والذي كرسته عدد من المقاربات المتبادلة للعداء والمنحازة والقابلة للتوظيف الأيديولوجي الفوري في كل أوان ضد «العدو» الذي تم تشكيله منذ زمن بعيد في المخيال المتبادل «على نمط الحروب الصليبية المتبادلة».. نظريا يبدو التدين عاملا معززا للتسامح والتضامن بين بني البشر، ولكن واقعيا تحول هذا التدين إلى أداة يتم استغلالها لتعزيز الفوارق والتمييز والكراهية بين الناس، ولا أدل على ذلك من ان اغلب الحروب التي شهدتها البشرية في العصور الوسطى او في العصر الحديث قد لبست لباسا دينيا او طائفيا.. والمشكلة عندنا تتمثل في تنامي الخطاب الديني الطائفي المشحون بالأفكار والتصورات والرؤى والبرامج السياسية «الدينية» للتيارات والجماعات الدينية والتي تصنف اليوم ضمن تيارات الإسلام السياسي التي وسمت العقدين الأخيرين من حياتنا بسمات التطرف وتبرير العنف في إطار رد الفعل على التدخل الخارجي في بلاد المسلمين، ونتيجة لفقر البيئة الثقافية والفكرية وتفشي الإحباط بين الجماهير، او كوسيلة من وسائل الاستيلاء على السلطة، فساد لفترة تفسير متشدد للنص الديني، يدور حول فكرتي التكفير او التغيير بالقوة، فخلقت لنا الأولى القاعدة والثانية خلقت أحزابا دينية طائفية تدخل معترك السياسة للاستيلاء على السلطة باستخدام لغة الديمقراطية، لتتمكن من الاندراج ضمن الحراك السياسي المدني، واستخدام القوة والعنف في ذات الوقت تجسيما لفكرة التغيير بالقوة «للأخذ على يد الظالم» على حد تعبير قيادات هذه الجماعات، وهذا ما يفسر وجود مثل هذه المفارقة التي يعاني منها قسم كبير من شبابنا المتدين، بالجمع بين البعد الديني السمح، وبين ممارسة العنف والكراهية في أبشع أشكالها، بسبب الشحن بثقافة الكراهية واستحضار رموزها وجلبها من أعماق التاريخ، حيث يتم تربية هؤلاء الشباب على العداء الشديد للدولة وكراهية الآخرين، حتى إن كانوا شركاء في الوطن. ولذلك نرى أن فكرا نقديا حداثيا متوازنا وعقلانيا مسلحا بأدوات وإمكانيات العقل الضرورية يمكنه إعطاء معنى جديد ومهام جديدة لهذا التاريخ المشترك والمتحرر من المواجهة الحادة المستندة إلى الذاكرة المثخنة بالدماء والكراهية والتي يراد لها الاشتغال الدائم على خط الكراهية. جملة مفيدة: «الناس صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق» – الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها