النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

لوعة الرحيل وتعاسة الفراق

رابط مختصر
العدد 9365 السبت 29 نوفمبر 2014 الموافق 7 صفر 1437

ما أصعب الرحيل، فلوعته مرة، ويأخذ كل السعادة معه، ويغيب المرح والابتسامة، ونشعر بان الحياة أبت ان تمنحنا لحظة فرح نحس بها ونعيشها، حتي يصبح هذا الحلم كابوسا، وتضيع الآماني، وكأن قدرنا ان يسكن الحزن فينا وتصبح التعاسة طريقنا. فالرحيل ما أصعبه رغم انه حق علينا فهو رحيل من نحب من دنيانا، خاصة لو كان جدا أو جدة، أباً أو أماً، زوجة أو زوجا، وحتي الأصدقاء، فيصيبنا بالألم والحزن لأن مصيبتنا هنا كبيرة.. لماذا؟.. لأننا نتذكر أيام بذكراهم أيام الصبا وكم كانت أياما جميلة، كلها سعادة، نتذكر حبهم وعطفهم وأحضانهم الدافئة. نعم، أنه رحيل صعب بحق. فالحلم الجميل، هذا البيت الصغير، ضاع، راح، تكسر، تغير، وضاقت بنا الديار، وتكوينا الوحدة بنارها، فراح أولئك الذين كانوا يمسحون دموعنا، والذين كنا نرتمي في أحضانهم ونشكي لهم همومنا وأوجاعنا ويخففونها عنا، بل يحملنها عنا، راح حلم السنين، ذهب وبقي القلب وحيدا فقد طعم الحياة التي أصبحت مرارا، فراح أولئك الذين منحونا حبهم وعطفهم وحنانهم، وكانوا يشعرون بجراحنا ويصبروا قلوبنا علي قسوة الحياة، فأصبحت الحياة أشد قسوة. راح أولئك الذين كانوا يردون لنا بصائرنا وقلوبنا إذا تهنا، كانوا يسمعوننا بحق ويتألمون لو قلنا «الآه»، راحوا وتركوا لنا الدار وحيدة، لا أحد يسمع أنيننا وشكوانا وأهاتنا، ذهبوا وتركوا لنا الأحزان تأكلنا، أنه حقا الرحيل ما أصعبه. لا أريد أن أبدوا حزينا، ولكن هذه هي الحياة، أو هكذا تكون، تبدأ وتنتهي، ولنقل عليها خطا مستقيما او ملتويا او حتي دائرة، فلها نقطة بداية ومولد، حتي تصل لنهاية ورحيل. ولكن ورغم هذا الفراق والرحيل، يجب ان نبحث عن حلم جديد، لا أقصد حلما يبدد الحزن، لأن الحزن رغم أنه يبدأ كبيرا الي ان يقل تدريجيا، فهو صعب أن نتركه يعيش معنا طول ما بقي لنا من عمر، وعلينا ان ننظر الي الحياة بروح جديدة كلها أمل وابتسامة. وإذا تجاوزنا مرارة رحيل الجد، الجدة، الأب، الأم، الزوج، الزوجة، أو حتي الأصدقاء، الى الحديث عن فراق الأحبة، فهنا يكون الفراق صعبا أيضا، ولكننا نسعي الي أن نعثر على من ينزع سهم الوجع من القلوب، فمن سقط عليه النهوض مرة أخري، ومن فارق حبا، لن تنتهي أحلامه وأيامه ولياليه، فالحب مثل نبع المياه الصافي لا ينضب أبدا معينه. ويقول البعض أن الفراق من أمراض الحب، وأن الإنسان قادر على تجاوز تجاربه العاطفية التي انتهت بالفراق مع مرور الوقت، وأنه قادر على نسيان ما قد يصيبه من انتكاسات نفسية في فترة لا تتجاوز ستة أشهر.. وبغض النظر عما اذا كان هذا صحيحا ام خطأ، فالأهم هو ان مرضي الحب وخصوصا الذين يعانون من فراق الحبيب ليس لهم علاج في اعتقادي إلا إذا وقعوا وعاشوا حبا جديدا، وبدون هذا فمآلهم هو الاكتئاب والحزن. ويضيف الأطباء وسيلة خلاص أخري يقولها العرب من قديم الأزل، وهي ان الزمن هو أفضل طبيب للجراح، فهو كفيل بان ينسي الإنسان همومه وأوجاعه، سواء أكان يعاني فراقا بسبب الحب او وفاة عزيز لديه من الأسرة او الأصدقاء، وثمة أبحاث علمية تؤكد ان عواطف ومشاعر الإنسان الذي يمر بمرحلة انتكاسة عاطفية، تكون مضطربة وتتحول من اليأس إلى العجز ومنه إلى القلق، إلا ان أعنف التجارب وأقساها على القلب تزول في النهاية . لكن حتى يحدث ذلك، فإن أفضل علاج لجراح القلب يكمن في حب جديد او الاندماج مع الأصدقاء. ولكن قد تظل بعض التراكمات تشغل بال من افتقد حبيبه، ويصعب على هؤلاء تمضية الوقت بسهولة مثل أيام الحب والسعادة، فيشعرون برغبة في الانتحار، وبعضهم ينزوي في ركن بعيد منطويا منعزلا عن الدنيا بعد ان افتقد الحبيبة. وهنا يجب علينا الحديث عن أهمية الصديق او الجار او القريب في وقت الشدة، فوجودهم بجانب من رحل عنه عزيز او فقد حبيبه وممن يعانون من انتكاسة عاطفية، له دور كبير في تجاوز المحن والآلام، ومن الضروري ألا يتركه أصدقاؤه فريسة الإنزواء والبكاء على الأطلال.. وعلي كل هؤلاء ارشاد الملتاع في عزيز عليه او حب، الى الطريق الصواب لتجاوز آلام الفراق وعذاباته، أيا كان هذا الفراق، سواء لأم وأب وأخ وأخت، او لفراق شخص عزيز من الأسرة او صديق غالي، فكلها أحاسيس مؤلمة بالفراق والشعور بعدم رؤية هؤلاء مرة أخري. ونصحيتنا لممن يعانون أوجاع الرحيل او الفراق، هي ان الحياة يجب ان تسير ولابد من تجاوز الحالات نفسية مهما كان الحزن علي فراق الأحباب، وانه من الطبيعي ان يعود المرء الى حياته الطبيعية ولو بعد حين مهما كانت الحالة النفسية سيئة بسبب الحداد على غياب الغاليين او تغلب الذكريات الحزينة على المحب الذي فارقه حبيبه وهكذا. كل إنسان يعيش سعادة الحب ويفرح به، ثم يحزن لذهاب الحب او وداع حبيبه وتحطم الأمل بداخله، ثم يعثر على حب جديد يعيد له حياته، وهكذا تسير الحياة، حب وحرمان وسعادة وفراق وحزن وابتسامة ودموع، انه القلب يسعد ويشقي، يحرم صاحبه من أجمل ابتسامة، ثم يعيش مجددا أحلى فرحة مع أجمل حب. فالحياة ليست كلها نهارا وضوء، فمعها الليل وظلامه، فالنور موجود والظلمة ايضا يتناوبان معا، وهكذا الإنسان، يعيش حياته عاشقا ومفارقا، فرحا ومعذبا. وهكذا الحياة، فهي مثل حياة الطير، فهناك من يحبسه في قفصه ليغرد له وحده، ثم يأتي إنسان ليفك أسر هذا الطير الحزين الذي غرد واسعد صاحبه على حساب سعادته وحريته هو. والحياة ستمر وستأتي بالجديد، بحب، بنظرة من عيون كحيلة تشتاق لنظرة حب واشتياق وسعادة، بشفاه تبتسم وتسرد روايات الحب والعشق وكلمات الاغاني والفرح، ليد تمتد لمنح الحب والدفء لليد الأخرى التي تنتظر. وقد نعترف باننا نعيش الحياتين معا، مهمومين، مجروحين، معذبين، ثم تتبدل أيامنا الي حب وهناء وسرور، من أوقات عذاب وحزن، الى لحظات فرح وعشق. من مأساة الفراق وأحزانه، الي حكاية حب نعيشها بكل تفاصيلها، من مأساة الى حياة سعيدة، وقالوا قديما ان الفَجر والفَرج توأمان، فالفجر: انتقال من ظلام إلى نور، والفرج: انتقال من ضيق إلى سعة. وحتي لا تطول عذاباتنا وآلامنا، فلا يجب ان نترك جرحا لحبيب إذا تركناه يوما، فمن أعطانا قلبه لا يستحق أبدا أن نغرس سهما فيه، فالمرأة عندما تنجرح او تشاهد الخيانة او الهجران من شريك حياتها، تتألم ويصيبها جرح وتظل تبحث عن الظلام لتشتكي حالها. ونراها تضحك بين الناس وفي قلبها خنجر، وتخرج كلمات مخنوقة من لسانها كأنها تائهة او مكسورة وهي تعيش وحيدة، وتراها قوية بين الناس. وعندما تذهب الى النوم تحتضن وسادتها التي أصبحت لها أما وصديقة، هي تبكي كبكاء نار وبركان، بكاء يشعل ما في الوجدان، مقهورة في داخلها، تصرخ وتتألم كأنها متشردة، لا تعرف أين الطريق، كمن أصبحت يتيمة بلا وطن، تعيش حياة بلا روح. كل ما تتذوقه مر، وكل ما تأكله لا تشعر بطعمه، حياة ما مثلها من حياة، عذاب، خناجر من كل مكان، ولا تجد من يرحمها، ولا يفهمها سوي النفس التي بداخلها. ويبقي لنا الشعر، حيث يصف الشاعر الفراق بكلمات رقيقة رغم شدة الوجد ونار البعاد: بكـــــــــــــيت وهل بكاء القلب يجـــــــدي؟.. فراق احبــــــــــتي وحنيـــــــــــن وجدي!! فما معنـــــــــى الحيــــــــــاه اذافتــــــرقنا؟؟ وهل يجــــــــــدي النحيـــــــــب فلست ادري!! فلا التــــــــــــذكار يرحمني فــأنســــــــــى ولا الأشواق تتـــــــــــــركني لنـــــــــــــومي فراق أحبــــــــــــــتي كم هزّ وجـــــــــــدي وحـــتى لقــــائـهـم سأظــــــــل أبــكــــــي أما الشاعر الكبير أحمد رامي فقد رد علي هذا في أغنيته الرائعة «رق الحبيب» التي شدت بها أم كلثوم، ويصور فيها لحظات تجاوز البعاد بين حبيبين، ويقول فيها: رق الحبيب وواعدني وكان له مدة غايب عني حرمت عيني الليل من النوم لأجل النهار ما ييجي يطمني صعب علي أنام أحسن أشوف في المنام غير اللي يتمناه قلبي سهرت استناه وأسمع كلامي معاه وأشوف خياله قاعد جنبي .. ربنا يديم الحب وسعادة الحب ويذهب عنا ألامه وأوجاع الرحيل والفراق..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها