النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11928 السبت 4 ديسمبر 2021 الموافق 29 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:06PM

كتاب الايام

الملياردير الذي بدأ براتب قدره 250 روبية (1 من 2)

رابط مختصر
العدد 9364 الجمعة 28 نوفمبر 2014 الموافق 6 صفر 1437

هو رجل عصامي بدأ حياته موظفاً صغيراً في شركة جيولوجية أمريكية كانت تعمل في مجال المسح البترولي في إمارة دبي. حيث تقدم للشركة المذكورة للعمل كمترجم في فترة الصيف، على الرغم من أنه لم يكن يحمل أي شهادة بل لم يكن يجيد الانجليزية بطريقة صحيحة، وذلك حينما كان عمره لا يتجاوز الرابعة عشرة. وحينما اكتشفت الشركة أنه لا يعرف من الانجليزية سوى ثلاث او اربع كلمات وظفته كمساعد، وأثناء ذلك تعلم التصوير وتحميض الأفلام في غرفة مظلمة إضافة إلى مهارات أخرى، الأمر الذي دفع الشركة إلى رفع راتبه من 250 إلى 300 روبية هندية، علما بأن رئيسه المباشر ديفيد الامريكي من أصل عربي كان يعطي المبلغ لأهله خوفا من أن يتصرف صاحبه فيه بطريقة لا تخدم أسرته المحتاجة إلى كل روبية للوفاء بالتزاماتها تجاه أفرادها الكثر. فإضافة إلى والده، الذي كان طواشاً بسيطاً ورجلاً عفوياً محترماً بين الناس وشاعراً وأديباً وقارئاً للقرآن وحافظاً لقصائد المتنبي وأحمد شوقي، ووالدته التي كانت ربة بيت صارمة وصاحبة شخصية قوية ومسيطرة ومحبة لزوجها وأولادها، كان هناك ستة أبناء وأربع بنات. ولهذا كانت العائلة بحاجة إلى معيل يكد ويعمل ليسد رمقها ويمنعها من السؤال. وللسبب نفسه لم يكن راتب الـ 300 روبية كافيا، فكان صاحبنا يبحث عن عمل أكثر أجراً إلى أن اقترح عليه صديق والده «محمد سعيد الملا» أن يعمل معه في العلاقات العامة في شركة للمقاولات كان ينوي إنشاءها في أبوظبي والعين. في هذه الشركة عمل الرجل لمدة ثلاث سنوات شاقة لكنها كانت معينا له لكي يتعلم ويتعرف على الناس ويكسب الخبرة في كيفية مواجهة المشاكل والتحديات اليومية. وطبقا لما رواه بنفسه في حوار أجراه معه تلفزيون دبي ضمن برنامج «وجوه عربية» ثم قامت صحيفة البيان بنشر تفاصيله فإنه كان يستيقظ كل يوم قبل صلاة الفجر ثم يقود سيارة من نوع «لاندروفر» من دبي إلى أبوظبي، متوقفا في منتصف الطريق لأداء الصلاة قبل معاودة السير. ويضيف أنه في تلك الأيام: «كانت المياه تغمر نصف السيارة فتصل إلى حواف نوافذها» ولأن خاله كان مستشارا للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان ــ حاكم أبوظبي وقتذاك ــ ومسئولا عن دار ضيافته فقد كان الرجل يرتاح في الدار بعض الوقت قبل أن ينطلق منها إلى الدوائر الحكومية لمباشرة عمله اليومي. كان هذا في الماضي، أما اليوم فإن الرجل صار مليارديراً يـُشار إليه بالبنان، وبات معروفا على المستويات الخليجية والعربية والاقليمية والدولية، ووصلت شهرته إلى الآفاق كنموذج للانسان الخليجي المكافح، بل صارت قصته تحاكي قصة مسقط رأسه دبي، فكما تحولت الأخيرة على نحو يشبه المعجزة من قرية صغيرة صحراوية خالية من الشوارع إلى مدينة عصرية مستقبلية صاعدة يطمح الكثيرون إلى العيش فيها، انتقل هو من حياة الجوع والفقر والحاجة وركوب الجمال والحمير، إلى عالم الثراء والمال وحياة المشاهير والانتقال بواسطة الطائرات واليخوت الخاصة. إنه ابن منطقة «الشندغة» في إمارة دبي رجل الأعمال والانجازات الباهرة «خلف بن أحمد بن محمد الحبتور (أبوراشد) الذي عاصر حقبة الحماية البريطانية لمشيخات الساحل المتصالح وما تخلله من فقر وعوز وأمية وحرمان، وعاصر فترة المد القومي الناصري وما أججته في النفوس من آمال بمستقبل عربي واعد من المحيط إلى الخليج، ثم عاصر حقبة رحيل البريطانيين عن المنطقة وإرهاصات قيام الكيان الوحدوي بين إمارات الساحل السبع بقيادة المغفور لهما الشيخين زايد بن سلطان آل نهيان ورفيق دربه راشد بن سعيد آل مكتوم، وعاصر النهضة المباركة التي تعيشها دولة الامارات اليوم على مختلف الصعد. في تلك السنوات ــ بحسب ما ذكره في الحوار التلفزيوني المشار إليه ــ بدأ الحبتور دراسته في «مدرسة الشعب» في بر دبي (الشندغة)، لكنه قبل ذلك انتقل وعائلته إلى جزيرة الليه في الشارقة. وفي هذا السياق يقول: «كنا ننتقل بالعبرة (المركب) أو على الجمال، ثم انتقلنا وعمري أربع سنوات من الشارقة إلى الشندغة، لكني لم أعش في الشندغة كثيرا لأننا انتقلنا إلى جميرا، وللأسف ما يحز في النفس الآن أنني لم أعد أحن إلى الشندغة، المنطقة التي ولدت فيها، لأنها لم تعد كذلك. فقد ضاعت معالمها ولا أعرف من ساهم بذلك». لكن كيف بدأت رحلة الألف ميل نحو الثراء عند خلف الحبتور، الذي لم يكن يتوقع يوما أنْ يمتلك نفوذا في أوساط المال والأعمال وبين رجالات الأسرة الحاكمة، وأن تضعه مجلة عالمية شهيرة مثل «فوربس» ضمن قائمتها السنوية الثامنة عشرة لأغنى أغنياء العالم بثروة قدرتها المجلة بملياري دولار، بينما قدرها هو بأكثر من ضعف هذا المبلغ؟ إجابة هذا السؤال وغيره من الأسئلة نجدها مفصلة في كتاب صدر عن سيرته الذاتية، من إصدارات دار موتيفيت للنشر ولقي ترحيبا وصدى واسعين من مجتمع المال والاعمال ومحبي قراءة كتب السيرة الذاتية، بل ونال جائزة أفضل كتاب دولي في الأعمال والاقتصاد في معرض الشارقة الدولي للكتاب في عام 2013. في هذا الكتاب الذي يبدأ بعبارة كتبها صاحبه ونصها «أطلقتُ صرختي الأولى عام 1949 منادياً بكل جوارحي أنني أتيت إلى العالم.. عالم ما عاد موجودا الآن. ربما صرختُ لأنني لست من الأشخاص الذين يجبرون على الذهاب إلى أي مكان بهدوء». ومما قاله أبوراشد في حفل تدشين الكتاب في الشارقة إن جذور آل حبتور تبقى لغزاً محيراً، مضيفا أنه ربما بامكان الأخوة في اليمن إجلاء الغموض، الأمر الذي يشير إلى فرضية نزوح أجداد الرجل من اليمن إلى إمارات الساحل في سالف الأزمان خصوصا وأن في اليمن عائلات تحمل الاسم ذاته. كما نجد اجابة السؤال مختصرة في أحاديث ومقابلات صحفية كثيرة. ففي مقابلة أجراها معه سامي الريامي لصالح صحيفة «الإمارات اليوم» (25/10/2013) تحدث الحبتور عن مرحلة طفولته فقال: »ولدتُ في عام 1949، وحين كنت طفلاً كنتُ أرى (البرستي) التقليدي الذي عشنا فيه قصراً كبيراً، لكنه في الواقع كان صغيراً جداً ويعج بثلاثة راشدين، وطفل حديث الولادة، وأنا الصبي الصغير، أما الأثاث فكان عبارة عن سرير واحد لم ينم عليه أحد يوماً، لأننا كنا نفضل الاستلقاء على البطانيات أو الفرشات الرقيقة التي كنا نعيد طيّها وترتيبها صباح كل يوم على السرير، أما المفروشات الأخرى في المنزل فتألفتْ من سجادة من الصوف مصنوعة يدوياً، ووسائد كنا نتكئ عليها لنتبادل الأحاديث، وصينية مستديرة نجتمع حولها لتناول الطعام بأيدينا، كما جرتْ العادة. لم تكن هناك نوافذ في منزلنا فلم نكن بحاجة إليها، فالفتحات بين سعف النخيل أدخلت علينا ما يكفي من الشمس والهواء. وفي ليالي الشتاء الباردة، كان أبي يشعل الفحم في وعاء فخاري، وأحياناً كانت رياح الشمال العاتية تدفع بأمواج عالية نحو اليابسة، فيطوف بنا منزلنا، ونتبلل من رأسنا حتى أخمص قدمينا، وعندما تهبُ العواصف الرملية، كنا نرفع (غترتنا) حتى تغطي أنوفنا وأفواهنا، ونقبع مكاننا لا حول لنا ولا قوة، نشاهد الرمال تغرق مقتنياتنا بطبقاتها الصفراء. أما في فصل الصيف، فلم يألُ والدي جهداً في توفير أسلوب التبريد الرائج آنذاك، لذا عمد إلى إحداث فتحة في سقف (البرستي) تعرف بـ (البارجيل) لتوجيه الهواء البارد إلى أسفل»، موضحاً أنه حين يقارن الأمس باليوم يشعر بحجم الدلال والرفاهية التي يمر بها الناس اليوم، حيث يأبون إلا أن يملأوا براداتهم بقوارير المياه الغازية من نوع «بيريه» و«فولفيك» المستخرجة من جوف الواحات البركانية الفرنسية الخضراء، واستطرد الحبتور قائلاً: «تنتابني رغبة جامحة بالضحك، حين أفكر في مدى هوَسي بصحتي الآن!» وعقد الحبتور، الذي يعتبر لندن وجهته المفضلة للسفر والراحة، في تلك المقابلة مقارنة بين الماضي والحاضر فقال: «الكثير يصعب عليه التفكير في حجم السعادة التي كان ينعم بها الناس في ذلك الزمن، لأن الجميع كان في السفينة نفسها يعيشون حياة بسيطة خالية من التعقيدات، ولم يكونوا يشعرون بأنهم محرومون»، ثم أردف قائلا: «إن العائلات الثرية كانت تؤمّن مآدب الغداء والعشاء للمسافرين، وتوفر الطعام والمال للمحتاجين، كما تنعّمت قلة قليلة من الناس بتكييف الهواء أو ببرادات تعمل بـ (الكاز)، أما الذين افتخروا بقيادة سيارة فكانوا أقل بكثير، وكان مؤسس دبي الحديثة، المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، قد استورد سيارة (فورد) من البحرين أواخر ثلاثينات القرن العشرين، لكنه لم يتحمس لقيادتها فعلياً إلا بعد أن نفق جواده المفضل». وبالعودة إلى قصة الحبتور مع «محمد سعيد الملا» الذي يعتبره معلمه الأكبر وصاحب الفضل الأول عليه يتبين أن الأخير كان متمسكا به، غير أنّ الحبتور على الرغم من وصول راتبه إلى 1500 درهم وحصوله على خبرات من العمل مع الملا آثر أن يترك وظيفته لدى الأخير مع تعهد منه بألا يعمل في المقاولات التي كان قد تعلم أسرارها. وكان تبريره أنه لا يستطيع العمل كموظف طوال حياته. خطوة الحبتور التالية كانت الاقتراض من أجل العمل في التجارة. وهنا يحدثنا عن هذا المنعطف في حياته والخسارة التي لحقتْ به فيقول: «ذهبتُ إلى أخي محمد وكان يعمل في تجارة الذهب في الهند مع الملا أيضاً وطلبتُ منه أن يقرضني مالا لأنني مللتْ الوظيفة وأريد أن أعمل بالتجارة، فأعطاني 50 ألفا، وأتوقع أنّ العملة كانت ريالا. تاجرتُ بالثلاجات والغسالات دون أنْ أعرفْ بهذه التجارة، وجاء أصحابي .. واحد أخذ ثلاجة وآخر غسالة ولم يعطوني ثمنها فذهبتْ التجارة وذهب رأس المال». ثم يضيف قائلا (ننقل بتصرف مما جاء في حواره التلفزيوني المنشور نصه في صحيفة البيان): «ذهبتُ واستأجرتُ مكتباً في ديرة عند رجل فاضل اسمه راشد اليتيم وقلتُ له لا يوجد لدي مالا لأدفعه لك، فقال خذ شقة مؤلفة من غرفتين. عمل معي شاب فلسطيني توفي الآن حيث قلتُ له لا يوجد راتب عندي لأعطيك فوافق.. وكذلك مهندس مصري أخبرته أنني مبتدئ من الصفر فوافق أيضا على العمل، ويبدو أنه كان عندهما أمل بنجاحي. بعد أنْ أخذتُ الشقة وأسستُ مكتبا، لم أجد للأسف عملا، فذهبتُ إلى جمعة الماجد الذي كان يبني وقتها فيلا لشخص من أقاربه. قلتُ أريد أنْ أبني. قال خذ الفيلا ، فعملتُ عليها 24 ساعة يوميا حتى انتهيتُ منها ولكن للأسف لم تحقق ربحاً». ويستطر في السياق ذاته فيقول: «بدأتُ مشروعا آخر لبناء سينما بلازا في بر دبي لعبد الوهاب كلداري، قلتُ له أبو أحمد سمعتُ أنك ستبني سينما قال نعم، أولست تعمل مع سعيد الملا فقلتُ له لا أنا تركتُ العمل عنده وأعمل لحسابي، ولكن أنا لا أملك مالاً ولا أعطيك ضماناً بنكياً. بدأتُ العمل وكانت بداية موفقة وبدأتْ الأمور تسير إلى الأحسن رغم المنافسة وعدم التكافؤ لأنه في ذلك الوقت كانت الشركات الانجليزية هي المسيطرة. بعدها ذهبتُ إلى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وقلتُ له يا طويل العمر أريد أنْ أعمل في بناء المشافي، أعطني فرصة لأثبت أنني أحسن من الانجليزي فوافق وقال أعطوا لخلف. دخلتُ في المناقصة وبعدها أخذتُ مشافي دبي كلها والمشاريع الكبرى وكان لدعم المغفور له الشيخ راشد الأثر الكبير، ومن ذلك الوقت وأنا أبني معظم مشاريع دبي الكبيرة». وهكذا تأسستْ في مايو 1970، أي قبل سنة واحدة من قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، شركة الحبتور الهندسية، والتي تطورت مع الزمن لتصبح مجموعة الحبتور حاليا والتي قررتْ التصدي للقيام بمشاريع عمرانية ضخمة، فأصبحتْ من بين أوائل الشركات التي نمتْ وتوسعتْ انشطتها تحت علم الدولة الاتحادية. ومن يعرف الحبتور، لا بد أنه يعرف أن الرجل صاحب أيادٍ بيضاء في مجال البر والاحسان منذ عقود. ففي مارس 2013 أطلق «مؤسسة خلف أحمد الحبتور للأعمال الخيرية» كأداة للتغيير وتحسين الأوضاع الصحية والمادية للكثيرين حول العالم وتنمية مجتمعاتهم ومساعدة المعسرين منهم، علما بأنه خصص نسبة 20 بالمائة من إيرادات مجموعة الحبتور لتمويل هذه المؤسسة عدا عن أموال الزكاة التي يدفعها كمسلم. وفي مارس 2014 قامت المؤسسة بتوقيع اتفاقية مع المركز الألباني للفكر والحضارة الاسلامية لبناء مسجد ومركز اجتماعي وثقافي في قرية آشكافانا الألبانية. وفي مايو 2013 تبرع الحبتور بمبلغ عشرة ملايين جنيه مصري مساهمة منه في «صندوق دعم مصر» الذي أسسه رجال أعمال مصريون بدعم من البنك المركزي المصري.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها