النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

لعبة الحرب القومية.. هيّا بنا نتشاجر

رابط مختصر
العدد 9363 الخميس 27 نوفمبر 2014 الموافق 3 صفر 1437

لم يفاجئني قرار القمة الخليجية الطارئة الذي صدر يوم الأحد الماضي بإنهاء الخلافات داخل مجلس التعاون الخليجي، وعودة سفراء كل من السعودية والإمارات والبحرين إلى قطر، إيذانا ببدء صفحة جديدة لدفع مسيرة العمل المشترك.. ولم يدهشني البيانان المتبادلان بين الديوان الملكي السعودي ورئاسة الجمهورية المصرية اللذان صدرا يوم الأربعاء الماضي، وعكسا حرص الرياض على أن تبلغ القاهرة بأن «الموقعين على اتفاق الرياض التكميلي أكدوا جميعا الوقوف إلى جانب مصر والتطلع إلى مرحلة جديدة من الإجماع والتوافق».. مناشدة إياها - شعبا وقيادة - السعي لإنجاح هذه الخطوة في مسيرة التضامن العربي، لتكون كعهدها دائما عونا ودعما لجهود العمل المشترك، وحرص القاهرة على أن تؤكد ترحيبها بالبيان السعودي، وتقديرها لدعوة التضامن العربي، باعتبارها «خطوة كبيرة في مسيرة العمل المشترك» مجددة عهدها بأنها «ستظل - كما كانت دائما - بيتا للعرب». وليس في ذلك كلّه، على أهمية ما يدعو إلى الشعور بالمفاجأة أو بالدهشة، فهكذا كان العرب، وهكذا سيظلون، فهم يختلفون في الصباح ويتصالحون في المساء والعكس، وقد يمتد الخلاف بينهم لشهور وربما لسنوات، إلى أن يواجههم خطر مشترك، ينبههم إلى الحقيقة التي قد تغيب عنهم أو عن بعضهم في سورة الغضب وحُمىَّ الخلاف، وهي أن بينهم مصالح مشتركة على رأسها أن أمن كل منهم يرتبط بأمن الآخر، واستقرار كل دولة من دولهم يرتبط باستقرار الأخرى، وهي مصالح إذا أمكن التضحية بها لفترة ما، وتحمل نتائج ذلك، فليس باستطاعة أي منهم أن يهدرها إلى الأبد وإلا كان معنى ذلك أن يهدر وجوده. ونظرة عابرة إلى التاريخ العربى المعاصر، تكشف عن عشرات الخلافات بين العرب وبعضهم البعض، بل إن الدول العربية الحديثة والمعاصرة التي تأسست بعضها فى أعقاب الحرب العالمية الأولى واسترد الآخر استقلاله بعد الحرب العالمية الثانية، قد نشأت في ظروف جعلت تحالفات كل منها الدولية في سعيها للاستقلال تختلف عن الأخرى، بل وتتناقض معها، ففي أثناء الحرب العالمية الأولى تحالف الشريف حسين - أمير مكة - مع البريطانيين والفرنسيين الذين وعدوه بإنشاء مملكة عربية مستقلة فى المشرق العربي لكي يتولى حكمها، إذا وقف إلى جانبهم وأعلن ثورته ضد الأتراك - الذين كانوا أصحاب السيادة الاسمية على البلاد العربية - وحلفائهم من الألمان، في الوقت الذي كانت فيه الحركة الوطنية المصرية - بقيادة محمد فريد - تتوجه بنضالها ضد الإنجليز وتتحالف مع الألمان وتتمسك بالسيادة التركية الاسمية على مصر، في مواجهة الاحتلال البريطانى لها.. وما كادت الحرب الأولى تنتهي، حتى اكتشف الشريف حسين أن الحلفاء كانوا يخدعونه وأنهم وقعوا اتفاق «سايكس/ بيكو» من خلف ظهره، ليتقاسموا بينهم البلاد التي وعدوه بمنحها الاستقلال وبتعيينه ملكا لها، وأنهم منحوا الصهاينة وعدا بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين.. ليتسع الخلاف بين الحركات القومية والوطنية العربية، لأن كلا منها كان يقاوم استعمارا مختلفا، ويعتمد - أساسا - على التناقض بين المستعمرين في الحصول على استقلاله، ويضطر إلى التحالف مع بعضهم ضد البعض الآخر. وكانت قضية فلسطين هي التى نبهت العرب، إلى أن أمنهم القومي في خطر، وهي التى وحدت بينهم في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ودفعت الدول العربية السبع التى كانت مستقلة أو شبه مستقلة آنذاك، لتخوض حرب 1948، لتكون هزيمتهم فيها أمام العصابات الصهيونية، سببا فى الفُرقة بينهم، بعد أن تبادلوا الاتهام بالمسؤولية عن هذه الهزيمة التى قادت إلى سلسلة من الثورات والانتفاضات والانقلابات التى قادتها الجيوش التي شاركت فيها، ولحقت بها هزيمة لم تكن تستحقها. وفي ظل الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، عاد الصراع الدولي ليلعب دوره كعامل أساسي، في إثارة الخلافات العربية/ العربية: اختلف العرب حول حلف بغداد ومشروع ايزنهاور والحلف الإسلامى، وتوزعوا بين معسكر ثوري ومعسكر تقليدي، وتبادلت أنظمة الحكم في الدولة الوطنية العربية، الاتهام بتدبير الانقلابات والاغتيالات وفي تفكيك الوحدات أو إجهاض مشروعات الوحدة قبل أن تكتمل.. حتى بدا أحيانا أنهم قد انتهوا إلى طريق مسدود، خاصة حين وصلت هذه الخلافات إلى حد الحرب والحرب الأهلية وحشود وتحرشات الحدود. لكن العرب كانوا يعودون كل مرة ليتوحدوا، لأنهم تعبوا من الخلافات أو أدركوا عبثها أو تنبهوا فجأة إلى أن بعضها يصرفهم عن مواجهة الأخطار الحقيقية التي تواجههم، وانصرفوا عن التصدي لأعدائهم الحقيقيين بما بينهم من خلافات وهكذا، وبعد عامين من صدور الميثاق الوطنى لعام 1962 الذي أعلن فيه الرئيس عبد الناصر أن الأوان للانتقال من سياسة «وحدة الصف» إلى سياسة «وحدة الهدف» وأن على ما كان يعرف آنذاك ب« الدول العربية التقدمية» أن تتوحد في مواجهة «الدول العربية الرجعية»، قرر فجأة العودة إلى سياسة «وحدة الصف» ودعا في 1964 إلى عقد مؤتمر قمة عربي لمواجهة محاولات إسرائيل لتحويل مجرى نهر الأردن. وأيامها كانت الخلافات بين عدد من الدول العربية على أشدها، حتى وصلت إلى حرب فعلية في «اليمن» بين القاهرة والرياض، ومع ذلك فقد استجاب الجميع لدعوة عبد الناصر، وعقدت اجتماعات - على هامش القمة - لتصفية الأجواء بين المختلفين، وبعد عدَّة اجتماعات عادت «ريمة لعادتها القديمة»، واستأنفت العرب لعبتهم القومية المفضلة التي يحصلون فيها وحدها على كأس العالم.. لعبة «هيا بنا نتشاجر»! وربما كان من الصعب أن يحصي أحد عدد المرَّات التى نشبت فيها خلافات عربية بين دولة وأخرى أو بين مجموعتين من الدول العربية ثم انتهت فجأة، كما بدأت فجأة، أو أن يتوقف لتحليل أسبابها، التي قد تكون شديدة الجدية وتتصل بالفعل بتناقض فى المصالح أو بتدخل فظ وغير مبرر في الشؤون الداخلية لأحد الأطراف، وقد تكون شديدة الهزلية، كالخلاف الذى حدث بين مصر والجزائر منذ عدة سنوات، بسبب مباراة كرة قدم.. أو عادت تتسبب فى خلافات مع المغرب أو كانت، بسبب عبارة طائشة وردت على لسان أحد مقدمي البرامج التليفزيونية. ما لفت نظري في وثائق المصالحة الخليجية - القطرية، التى قد تقود إلى مصالحة قطرية - مصرية، أن بيان الديوان الملكي السعودى، حرص على أن يؤكد أن اتفاق الرياض التكميلي قد وضع إطارا شاملا لوحدة الصف، حفاظا على المصالح العليا للشعوب التى تقضي ب«أن تكون وسائل الإعلام معنية لتحقيق الخير ودافعة للشر»، وهونفسه ما حرص بيان الرئاسة المصرية على أن يشدد عليه، معبرًا عن الثقة الكاملة بأن «قادة الرأى والفكر والإعلام العربى سيتخذون منحى إيجابيا جادا وبناء لدعم وتعزيز وترسيخ هذا الاتفاق.. وتوفير المناخ الملائم لرأب الصدع ونبذ الفرقة والانقسام». وهكذا وضع الجميع فأس المسؤولية عما حدث - كالعادة - فى عنق الإعلام، وهى إحدى القواعد الثابتة للعبة العرب القومية «هيا بنا نتشاجر»!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها