النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12098 الاثنين 23 مايو 2022 الموافق 22 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:48PM

كتاب الايام

ثقافة الضرب بالجزمة

رابط مختصر
العدد 9356 الخميس 20 نوفمبر 2014 الموافق 27 محرم 1437

بحثت في القاموس عن معنى كلمة «الجزمة» التى يشيع استخدامها فى العامية المصرية كمرادف لكلمة «الحذاء» وكنت أظن أن أصلها تركي أو فارسي ككثير من الألفاظ التي تشيع في لغة التخاطب بين العوام العرب، لكن القاموس أكد لي أنها كلمة عربية فصيحة بمعنى «الحذاء ذي الرقبة الطويلة» وهو معنى لا يختلف كثيرا عن المعنى الذي يستخدمه العوام، بصرف النظر عما إذا كان الحذاء برقبة طويلة أو دون رقبة وبرباط أو من دون رباط. أما الذي أذكره جيدا فهو أن جزمة «منتظر الزايدي» لم تكن برقبة، ولكنها كانت برباط، وقد دخلت تاريخ الأحذية - والسياسة- العربية، منذ حوالي ست سنوات، وصاحبها صحفي عراقي شاب، كان يحضر - بحكم المهنة - مؤتمرا صحفيا مشتركا جمع بين الرئيس الأمريكي السابق «جورج بوش الابن» ورئيس الوزراء العراقي السابق «نوري المالكي»، عقد فى بغداد في 14 ديسمبر 2008، حين فاجأ العالم كله الذى كان يتابع وقائع المؤتمر عبر شاشات التليفزيون، بقذف إحدى فردتي حذائه تجاه المنصة التي كان يقف خلفها رئيس الدنيا آنذاك «جورج بوش الابن» الذى تفاداها برشاقة ومال إلى الناحية الأخرى، فأصابت القذيفة العلم الأمريكي الذي كان مثبتا على الحائط خلف الرئيسين. وما كاد الرئيس «بوش» يعود إلى وضعه حتى تنبه إلى أن الهواء يحمل إليه فردة جزمة «منتظر» الأخرى، فاستطاع أن يتفاداها بالرشاقة نفسها، وطاشت كما طاشت سابقتها، كما طاشت - كذلك- اللعنات وألفاظ السباب التي أرفقها «منتظر» بكل فردة من حذائه ووجهها إلى الهدف نفسه مطالبا الرئيس الأمريكي وجيوشه بمغادرة بلاده ليعودوا من حيث جاءوا. وكان لا يزال يواصل قذفها حين أطبق حراس القاعة الأمريكيين والعراقيين عليه، فشلوا حركته بعد أن كسروا ذراعه وقادوه حافي القدمين إلى خارجها، بينما تحفظ فريق منهم على فردتي الحذاء، خشية أن تكونا محشوتين بالمتفجرات.. وفيما بعد أصبحا دليل الاتهام أمام المحكمة التي أدانته بتهمة إهانة رئيس دولة أجنبية أثناء زيارته للبلاد، وقضت بسجنه لمدة عام واحد. أيامها أقيمت الأفراح والليالى الملاح فى جميع أنحاء العالم العربى، وخرجت مظاهرات في كثير من العواصم العربية احتفاء بالنصر العظيم الذي حققه العرب فى واقعة «جزمة منتظر الزايدي» انطلقت أولاها من مدينة الصدر - إحدى ضواحي بغداد التي ينتمي إليها الحذاء وصاحبه، وظل عدد من الفضائيات العربية لأيام متصلة، يكرر بث اللقطات التى سجلت للواقعة كل عدة دقائق وأدرجتها بعضها ضمن التنويهات الثابتة التي تفصل بين برامجها وأضافتها أخرى إلى تترات نشرات الأخبار.. التي تذيعها كل نصف ساعة. واهتمت الصحف والبرامج السياسية المرئية والممسوعة برصد آراء المحللين السياسيين وأهل الفن ونجوم الرياضة، والمواطنين العاديين حول دلالة الواقعة، فأجمعوا كلهم على أنها تكشف عن روح الاحتقار والكراهية التى يكنها العرب والمسلمون للسياسة الأمريكية في عهد الرئيسين جورج بوش الأب والابن، مما أسفر عن تدمير واحتلال بلدين إسلاميين أحدهما آسيوي هو أفغانستان والثانى عربي هو العراق، وأكدوا أنها ستكون بداية لانتفاضات عربية ضد الهيمنة الأمريكية على المنطقة، واقترح أحدهم في حمىّ حماسه للنصر الذي حققه العرب فى غزوة «جزمة منتظر» إقامة تمثال ضخم لجزمة «منتظر الزايدي» في كل عاصمة عربية.. لكي تكون رمزا للمقاومة والصمود. بعد حوالى عام من ذلك التاريخ غادر «منتظر» السجن وغادر العراق كلها في رحلة نظمتها له بعض الهيئات العربية في المهاجر الأوروبية، كان من بينها العاصمة الفرنسية باريس، دعي خلالها إلى ندوة أقامها على شرفه «نادي الصحافة العربية» وخلالها فوجئ «منتظر» بصحفي عراقي آخر، اسمه «سيف الخياط» يوجه إليه فردتي حذائه واحدة بعد الأخرى مصحوبة كل مرَّة بعبارات سباب سياسية تتهمه بمساندة الفاشية وبالسعي للارتزاق منها. وفي تبريره لما فعل قال «سيف الخياط» إن «منتظر» كسر قلمه ورفع حذاءه فلم يعد صحفيا ولا يجوز تكريمه في ناد للصحافة، وإنه أراد أن يرد على الجزمة بجزمة مضادة، تطبيقا لقاعدة لكل فعل رد فعل مساو له في القيمة ومضاد في الاتجاه وقصد أن يجعل الضمير العربي يتذوق نكهة الأحذية مرة أخرى، أيا كان الفاعل وأيا كان المستهدف، وأن ما فعله بوش مع قبحه.. ورفضه له - ليس مبررا لقبح الفعل الذي قام به «منتظر» وهبط به برسالة الصحافة إلى الحضيض وحط من شأنها ولطخ سمعة الصحفي العربي والعراقي بوحل التخلف والهمجية، ومع أنه أكد أنه ليس فخورا بما قام به وعبر عن اعتذاره عنه إلا أنه في رأيه كان الطريق الوحيد الذي يقنع الشارع العربي، وينسف ثقافة رمي الأحذية! أما الذي ذكرني بهذه الواقعة وتداعياتها، فهو شيوع التهديد بالضرب بالجزمة، على ألسنة عدد من مقدمي - وضيوف- البرامج التليفزيونية، على الشاشات المصرية الخاصة، ففي ليلة واحدة من الأسبوع الماضى تابعت برنامجا عن القدس المحتلة يستعرض آثارها وتاريخها وما يعانيه أهلها من الاحتلال أنهاه صاحبه بدعوة العرب - مسلمين ومسيحيين - إلى زيارة الأماكن المقدسة بالمدينة مستندا إلى مبررات يمكن مناقشتها والرد عليها.. وختمها بقوله إنه سيزور القدس وسيدعو الجميع لزيارتها، مهددا من يعتبر ذلك تطبيعا محظورا للعلاقات مع إسرائيل، بأن يضربه بالجزمة في ميدان عام.. واستفزني ما سمعته لأنني من بين الذين اعتبروا ويعتبرون زيارة القدس تطبيعا والذين يتهددهم - بالتالي - هذا الضرب بالحذاء وهو ما دفعني للتفكير في أن ألقي بحذائي على وجه مقدم البرنامج الذي يطل علي عبر شاشة التليفزيون. ولأنني أجهل تماما ثقافة الضرب بالجزمة فقد فضلت أن أغير القناة. وما كدت أفعل حتى وجدت ضيفا على الشاشة الجديدة، يؤكد أن ما حدث في 25 يناير لم يكن ثورة بل مؤامرة ويهدد من يقول بغير ذلك بأن يضربه بالجزمة، فتركتها لغيرها- وهى قناة عربية- فوجدت من يؤكد أن ثورة 30 يونية هى انقلاب عسكري، ويتوعد من يصفها بغير ذلك بأن يضربه بالجزمة. ولما تكاثرت الأحذية التي تتهددني لففت فردتي حذائي في خريطة للوطن العربي واعلقها على حائط غرفتى وألقيت بها من النافذة!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها