النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

تحمل أعباء التحول السياسي بشجاعة وصبر

رابط مختصر
العدد 9352 الإثنين 17 نوفمبر 2014 الموافق 24 محرم 1437

عندما نتوقف عند الحراك السياسي الوطني وما يتسم به من ملامح نجد أن بعض خصائصه ترتبط بالثوابت الثقافية للمجتمع وبعضها الآخر بالقاعدة التي تستند إليها الجمعيات السياسية، وبعضها الآخر يرتبط بالتحولات الداخلية وبأداء السلطة السياسية، هذا فضلا عن البعد الإقليمي الحاضر الغائب دوما..كما يجب الاعتراف أن التحول السياسي الوطني ما يزال في طور التشكل الديمقراطي، ولم يبلغ بعد صورته النهائية، ولذلك فهو في أمس الحاجة إلى ترسيخ وتدعيم، حتى لا يصيبه الارتباك أو النكوص، قبل أن يصبح تحولا عميقا وراسخا، يشمل البنية السياسية والثقافة السياسية وآليات العمل السياسي القانوني، على غرار ما حدث في الدول الديمقراطية العريقة.. إننا ما نزال نعيش هذه المرحلة التمهيدية القائمة على التعددية السياسية والمشاركة السياسية وتوسيع مساحة الحرية، بما اوجد هامشا لا باس به للحراك السياسي المستقل والمعارض وهامشا واسعا لحرية الرأي والتعبير وتشكيل الجمعيات السياسية.. فمن الموضوعي الاعتراف بأن الجميع في طريق «تعلم الديمقراطية» «سلطة وجمعيات» وفي بعض الأحيان تتم هذه العملية وفق منطق التجربة والخطأ، بما يعني أننا ما نزال نتهجى دليل الديمقراطية في أحرفه الأولى، بما يحتاج المزيد من الترفق والصبر والتدرج في التقدم نحو تحقيق الديمقراطية في صورتها المنشودة، وهذا ما لا يفهمه أو لا يريد يقبله بعض السياسيين في المعارضة عندنا، من الذين يرفعون شعار: «الآن وليس غدا» أو « الديمقراطية الآن».!! بغض النظر عن طبيعة المرحلة وطاقة الواقع الاجتماعي-السياسي على الاحتمال، مع أن أكثر من نصف الجمعيات عندنا ما تزل ذات طابع طائفي ولم تنجح في تطبيق الديمقراطية «حتى الشكلية منها» داخل هياكلها التنظيمية. وهذا وجه أول من وجوه الخلل في هذه التجربة. والوجه الثاني لهذا الخلل أن الأحزاب السياسية ذات الطابع الوطني والمدني والتي يفترض بها قيادة الحراك السياسي الوطني، ما تزال هامشية وهشة إلى أبعد الحدود، وتأثيرها ما يزال محدودا، ولا تأثير له تقريبا على الصعيد الشعبي، وفي المقابل فإن الجمعيات الدينية-الطائفية، هي من يقود هذا الحراك، بالخلط بين السياسة والدين وبين الهيكلية الحزبية والهيكلية الطائفية لجمهور المنخرطين، بما يسبب حالة من الانقسام الدائم والمشاحنات التي تمتزج فيها السياسة بالدين وبالطائفية، فتصبح هذه الجمعيات مساهمة بشكل في تأخر وعي الجمهور، وانفصاله عن المنطق المدني، ومنطق المصلحة الوطنية. الوجه الثالث من أوجه الخلل أن الحياة «الحزبية» تعاني من التسلط الزعماتي ومحدودية تأثير الفكر الديمقراطي داخلها-فهي في اغلب الأحيان إعادة إنتاج للتركيبة السلطوية التي طالما كانت هذه الجمعيات تنتقدها خلال العقود الماضية-فالسياسيون والزعماء في الجمعيات الموجودة حاليا هم أنفسهم تقريبا منذ سنوات عديدة، يكرسون حضورهم الدائم في كل شيء، مع عجز بيِّن عن تجديد مناهجها الفكرية وخطابها السياسي وهيمنة شخصيات قيادية بعينها على مقدرات الجمعيات وتمسكها بمناصبها.. أما الخلل الرابع فيتمثل في تنامي النزعات العدمية لدى بعض الجمعيات التي لا ترى شيئا من حقائق الأمور، حتى وان أبرزها الزمن وأكّد على وجودها وحضورها ضمن المشهد السّياسي الوطني، بل إن أصحابها يميلون صراحة حتى إلى تقزيم الجمعيات الوطنية المسؤولة، التي تتحمل حاليا أعباء المرحلة الانتقالية بشجاعة، بعيدا عن أشكال المغامرة التي لا تقود إلا إلى أنكر الهزائم وأبشع الفواجع كما يعلمنا ذلك التاريخ الحديث، حتى كأن البعض لا يعتبر من دروس الماضي وكأن نرجسيّته تدفعه في مرضية غير مسبوقة إلى التضحية بكلّ وطني لإرضاء غروره وجمهوره الموتور، بدل ترشيده والعمل على تنميته سياسيا. إن السّمة الأكثر تعبيرا عن طبيعة الدولة هي التحديث المجتمعي، إن هذا التحديث بمعناه الشامل يفترض أن يشكل بمجموعه سقفا مشتركا بين الدولة وقوى المجتمع المختلفة، كما ان العمل الديمقراطي في مجتمع كمجتمعنا ما يزال في بداياته الديمقراطية، يجب أن ينهض على أساس برنامج وطني مشترك، ولنسمه القدر السياسي المشترك الذي لا يدخل ضمن الجدل السياسي في هذه المرحلة: مثل الثوابت الوطنية والحرية والتعددية والإصلاح والشفافية وحقوق الإنسان واحترام القانون ورفض العنف بكل أشكاله، ومشاركة المرأة في الحياة السياسية، والمحافظة على السلم الأهلي والتسامح والوحدة الوطنية...الخ.. وإذا وقفنا على المجال البرنامجي المشترك لدى مختلف القوى السياسية «عدا الاقصائيين في مختلف التيارات والجمعيات والاتجاهات» لوجدنا أنه يتمركز على تمسّك وثيق بمكاسب الدولة العصرية ومنظومة الحقوق المدنية المعززة بانجازات ملموسة على الأرض في مختلف المجالات وفي هذه الحالة تصبح العلاقة محكومة بنوع من الشراكة بين الطرفين داخل منظومة مرجعية، والسلطة بهذا المعنى لا تنحصر فقط في فكرة التغاير بل تدخل في مجال المشترك مع مختلف مكونات المجتمع السياسية والاجتماعية، وهي بهذا المعنى تمد يدها – أو يفترض أن تفعل ذلك- إلى كافة القوى الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تعمل ضمن الثوابت وتعمل على تعزيز الدولة العصرية المستنيرة المنتمية إلى العام الجديد.. وبهذا المعنى تستدعي العلاقة مع الشريك المختلف أو المؤتلف استعدادا لانفتاح وجرأة في العمل السياسي الذي يستهدف تحصين الجبهة الداخلية قبل كل شيء، وضمان إجماع وطني حول رفض الفوضى والعنف والخروج عن القانون، ولا شك أن مثل هذه الرؤية تجعل من الفهم الدقيق للاستحقاق السياسي وأولوياته مدخلا ضروريا لبناء العلاقة السياسية بين مختلف الأطراف التي تنظر إلى السياسة على أنها فن الممكن، بما يؤدي إلى بناء إطار عام للعمل الوطني ضمن الأدنى المشترك والذي يتطلب التقاء واسعا وتوحدا صلبا حول عناصره الكبرى، ضمن حوار مؤسسي محكوم بذات التوازنات التي أنتجتها دولة الحداثة من آليات انتخاب واستشارة ونقد بناء واحترام متبادل.. همس إن الشراكة داخل الاختلاف هي المطلوبة لإنجاح التجربة الديمقراطية ومنحها فرصة للنمو والتطور مما تستدعي الصبر والأناة والإصرار على التقدم نحو أفق الديمقراطية والمواطنة المتساوية..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها