النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

قارئة عقل البقر!

رابط مختصر
العدد 8970 الخميس 31 أكتوبر 2013 الموافق 26 ذو الحجة 1434

عيناها كعدسة الكاميرا.. عقلها الذاكرة المليئة بالصور التي تفكر بواسطتها عبر ربطها ببعضها البعض. أنها المرأة المصابة بمرض التوحد «تمبل جراندين» وهي العالمة في علوم الحيوان، وإحدى أهم الشخصيات تأثيراً! عقل «تمبل» عقلٌ استثنائي إذ أنها لا تفكر باللغة كما يفكر الإنسان الطبيعي، وإنما تفكر بالصورة. ولتقريب ذلك، تعتبر اللغة الأداة التي يفكر بها الإنسان الطبيعي، وعبرها يمكنه استيعاب وفهم الأشياء. أو كما يقول هانز غادامير «إننا دائماً وأبداً محاطون بلغتنا لمعرفة أنفسنا ومعرفة العالم» إلا أن «تمبل» تلتقط الصورة، وعبر دمج الصور مع بعضها بعمليات عقلية، تستطيع أن تفعل ما يفعله الآخرون باللغة. لكن هي ليست كالآخرين، أنها استثنائيةٌ بعلقها وبتصرفاتها، فهي مثلاً لا تفهم الناس من حولها، وكانت دائماً ما تشعر باستغراب إزاء ما يتناولونه من موضوعات وأحاديث! لم تدرك «تمبل» تعابير الوجه أو الإيماءات التي يقوم بها الإنسان تعبيراً عن حزنه أو فرحه، كانت تجد في البقاء بين قطعان الأبقار سعادةً لا يمكنها الوصول إليها بالبقاء مع المجموعات البشرية، سواء في المدرسة أو الجامعة، أو في الحياة عامة! أن مسألة التفكير، وكيف يفكر الإنسان مسألة لطالما تجادل فيها الفلاسفة والمختصون بالمعرفة «الإبستمولوجيا»، إلا أن تمبل الاستثنائية لا تدخل ضمن جدال التفكير واللغة، قد تشملها مجالات آخرى من الجدالات المتعلقة بالتفكير، إلا أنها خارجة عن ثنائية التفكير باللغة! عندما تسمع «تمبل» كلمةٍ فأن صوراً مركبة شاهدتها سابقاً تحضرُ في ذهنها، وعلى أساسها تفكر. كما تستطيع أن تستحضر هذه الصور وقتما تريد.. فلو أنها نظرت لصفحةٍ من كتاب فإن باستطاعتها إعادة قراءة هذه الصفحة من جديد رغم غلق الكتاب! وللتوسع عن حياة «تمبل» يمكن للقارئ مشاهدة الأفلام الوثائقية التي تتناول هذه العالمة التي أضحت اليوم إحدى أشهر العلماء في علوم الحيوانات، كما يمكن للقارئ العودة للفيلم الذي أُنتج عنها في العام 2010، بالإضافة للإنترنت. تحيلنا حالة «تمبل» إلى قدرة الإنسان بصورة عامة على التكيف مع حالته، وفي الغالب طالما حصل هذا الإنسان على رعاية ـ وهذا ما تعترف تمبل بوجوده في حالتها- يمكن لهُ أن يظهر قدراتها الاستثنائية حتى وإن تصورنا بأنها قدرات بلهاء، أو لا معنى لها. ومن حالة «تمبل» إلى حالةٍ آخرى لوجود بشر مختلفين، يمتلكون قدرات لا يمتلكها البشرُ عامةً، وهي حالة «دانيال كيش» الإنسان الكفيف الذي يرى بنفس الآلية التي يرى بها الخفاش. عندما استؤصلت عيني كيش وهو بعد رضيع، لم يبق على حالته، إذ لجأ إلى إصدار طقطقة بلسانه، ثم أصبح «كيش» كالخفاش؛ لا يرى بعينيه وإنما بصدى صوته، أو الموجات الصوتية العائدة بفعل اصطدامها بالأشياء، يقول في حواره مع «مجلة ناشيونال جيوجرافيك» حول كيفية تحديده المواقع: «تنتج موجات صوتية مع كل طقطقة لسان. ثم يرتد رجع صدى هذه الموجات من جميع الأسطح المحيطة فتلتقطها أذناي في شكل أصداء خافتة. بعدها، يقوم دماغي بمعالجة هذه الأصداء ليحولها إلى صور متحركة». وبهذه الآلية يستطيع «كيش» أن يفعل أشيئاً لا يمكن للكفيف فعلها، كأن يسوق دراجته الهوائية وسط شارع مزدحم! أن قدرة العقل البشري مذهلة، حتى العقل الذي نعتبرهُ شاداً عن الطبيعة السائدة هو عقلٌ مذهل... فهذا العقل الكائن في مساحة سانتي مترات، استطاع أن يضع نظرياتٍ لهذا الكون الذي لا نعرف لهُ حدوداً، استطاع أن يبتكر أساطير وخرافات، علوم، وفنون، فلسفة، ومعرفة.. قد نختلف في طبيعة ما ينتجه هذا العقل، إلا أننا نتفق على كونه ـ من الناحية المبدئية - شيئاً مذهلاً بحق! عودةٍ لـ «تمبل» من جديد. فقد استطاعت بفضل طريقة تفكيرها الصورية، وبعبقريتها الملفتة أن تبتكر العديد من الأشياء، وأن تُصمم المراعي التي تتوافق وطبيعة الحيوانات ـ بالتحديد البقر- بحيثُ تُؤمَنَ لها هدوءاً وطمأنينة حتى وهي تقادُ إلى الموت! كانت «تمبل» تتقمص الحيوان لفهم سلوكياته، تعيش الدور الذي يقوم به بالفعل! تحلل صوته، تدرسه جيداً، تراه بصورٍ لا يراها -أو يغفل عنها - الإنسان الطبيعي. وعلى ذلك جاء العنوان «قارئة عقل البقر»...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها