النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12184 الأربعاء 17 أغسطس 2022 الموافق 19 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:13PM
  • العشاء
    7:43PM

كتاب الايام

حي بن يقظان.. قصة إنسان

رابط مختصر
العدد 8948 الأربعاء 9 أكتوبر 2013 الموافق 4 ذو الحجة 1434

أن يولد إنسان دونما توافر شرطي الوجود؛ الذكر والأنثى... أن يعيش في غابةٍ بين الحيوانات، ولا يرى - على مدى أكثر من خمسة عقود - ملامح أي بشري. أن يفكر هذا الإنسان - قد يكون بشكلٍ طوباوي - ويتوصل إلى معرفة واجب الوجود، أو الله، دونما مُرسل أو رسالة!... ذلك هو حيُ بن يقظان. قيل بأن «ابن يقظان» هذا، وجد بالتوالد الذاتي، أي أنهُ كان في جزيرةٍ هي أفضل بقاع الأرض. وعبر مراحل متعددة جاء إلى الوجود دونما أبٍ أو أم. إلا أن آخرين قالوا بأن هذا لا يمكن، وافترضوا صورةً أخرى لتعليل وجوده؛ كصورة إلقاء النبي موسى في اليم! ما يهم أن هذا الطفل الوحيد في تلك الجزيرة التي تسمى بـ «الوقواق» تربى على أثداء ظبية، وعلى رعايتها وحمايتها، واستطاع أن يكبر بسلام. وأن يتقن لغة الحيوان. ولم يكن هذا الإنسي كأبناء عمومته من الحيوانات، فبدأ بعد أن بلغ سبع سنين يلاحظ الاختلاف بينه وبينها، بدءاً بالصوف والوبر الذي يكسو أجسادها بينما هو عارٍ تماماً، بالإضافة لكونها تملك أسلحةً وتعدو بسرعة، وهو لا يملك شيئاً من ذلك! كانت تلك هي المعرفة الأولى التي مارسها عن طريق الملاحظة الحسية، والتجربة. ولكسو نفسه؛ اخذ يجرب أوراق الأشجار، ثم ريش الطيور، إلا أن وصل إلى ارتداء الجلود لباساً. وفكر في أن يتخذ لنفسه سلاحاً كما لمختلف الحيوانات من أسلحة، فاتخذ غصناً نسقهُ وهذبهُ. وقد اكتشف أن يديه أفضل من تلك التي لدى الحيوانات، حيثُ استطاع بها أن يتخذ لنفسه لباساً، وأن يصنع سلاحاً. في وقتٍ ما ماتت أمه الظبية، وكان بعد لا يفهم الموت، أو هذا المصير الذي تؤول إليه الكائنات، فأخذ يفتش عن سبب هذا السكون الذي أصاب أمه، فراح يشرحها معتقداً أن أمراً طارئاً حجب حركتها.. أمراً يشبه حواجب الرؤية التي ما إن تزيلها حتى ترى! ولم يصل حينها إلى ما يسمى بالروح التي هي مصدر الحركة، إلا أنهُ تابع استكشافه للأشياء من حوله، فاكتشف النار، والطعام المطهي. وفطن لاتخاذ بعض الدواب السريعة للركوب. بعد ذلك ارتقى تفكير حي بن يقظان إلى المعرفة العقلية القائمة على الاستنتاج، وأخذ يفكر بشكلٍ أكثر اتساعاً مرتقياً إلى التفكير في المادة، وأصلها، بالإضافة لأبعاد الأشياء، وصولاً إلى الأجسام السماوية. أخذ حي يتأمل في السماء والعالم بأسره؛ ما أصله؟ كيف جاء؟ من أين جاء؟ ليصل إلى نتيجة أن هناك فاعلاً غير كل الأشياء التي عرفها وفكر بها و»لا سبيل إلى إدراكه إلا بشيء ليس بجسم، ولا هو قوة في جسم، ولا تعلق له بوجه من الوجه بالأجسام؛ ولا هو داخل فيها، ولا خارج عنها، ولا متصل بها، ولا منفصل عنها» إنها الروح إذاً تلك التي أدرك بها «حياً» واجب الوجود أو الله. عندما بدأ ابن يقظان بالتفكر في الله، بدأ يسلك مسالك الصوفية، فأخذ يزهد في الأكل، ويساعد المخلوقات، ويمارس بعض الطقوس. وشيئاً فشيئاً اعتزل وتفرغ تماماً للتأمل. على مقربة من جزيرة ابن يقظان، توجد جزيرةٌ يسكنها شعبٌ مؤمن برسالة أحد الأنبياء، وكان من بين هؤلاء صديقان، أحدهما اسمه «أسال» والآخر اسمه «سلامان» كان الأول زاهداً متعبداً على طريقة الصوفية، أما الثاني فكان مؤمناً ولكن بطريقة العامة. قرر «أسال» الاعتزال، فقصد جزيرة ابن يقظان، والتقى به هناك، إلا أن حياً اندهش من صورة هذا الكائن الذي يراه للمرة الأولى، ولم يكن من سبيل للتواصل بسبب عدم معرفة ابن يقظان للغة الكلام، فعلمهُ «أسال» الكلام، وأخبره عن ديانته التي وافقها حي، كما أخبره عن أهل تلك الجزيرة فقرر أن يقصدهم ليعلمهم ما عرف خلال رحلة بحثه الطويلة، وما توصل إليه من أسرار الحكمة. فسافر لتلك الجزيرة التي انزعج سكانها من حديثه. وبعد طول حديث اعتذر منهم، وأدرك التفاوت بين الناس، وأوصاهم بالبقاء على ما هم عليه من إيمان وفق ما تتسع لذلك أنفسهم. وعاد إلى جزيرته وقد اتبعه نفرٌ وعلى رأسهم «أسال». *** قصة «حي بن يقظان» قصة أسطورية تتصف بالرمزية، وضعها الفيلسوف ابن طفيل مقتبساً الاسم من قصة رمزية لابن سينا، وأراد ابن طفيل من هذه القصة أن يستدل بها على أن الفلسفة والدين لا يختلفان، وأن العقل الذي هو كالصفحة البيضاء لابد أن يصل إلى تلك الحقائق التي جاء بها الدين! ويذهب يوسف زيدان في كتابه «حي بن يقظان؛ النصوص الأربعة ومبدعوها» إلى أن القصة لها أصول تعود إلى ما قبل نشوء الحضارة الإسلامية، وأنها بناء قصصي قديم كانت موجودة في الأسكندرية وكان يُرادُ بها؛ أن الإنسان يستطيع التوصل إلى الحقائق إذا ما تجرد من شاغلات العقل أو المطالبات الحسية. بعد ابن طفيل، قدمت قصة ابن يقظان على يد شيخ الإشراق السهروردي، وقد حملها مفاهيمه الصوفية. ثم صاغها بشكل روائي العالم الشهير ابن النفيس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها