النسخة الورقية
العدد 11116 الأحد 15 سبتمبر 2019 الموافق 16 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

دلالات ثورة الحسين.. دعوة للحوار والتسامح

رابط مختصر
العدد 8636 السبت 1 ديسمبر 2012 الموافق 17 محرم 1434

يقول تبارك وتعالى في كتابه العزيز: «إدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن». والموعظة الحسنة هي التي تدخل القلب برفق، وتعمق المشاعر بلطف وتعكس صدق النوايا، لا بالغضب والتثوير، وانما بالرفق في الموعظة حتى تهدي القلوب الشاردة وتؤلف القلوب النافرة وتأتي بالخير. والدعوة إلى سلوك الطريق القويم، هي دعوة قرآنية تخاطب كل مجال من مجالات الصراع في الحياة وتتصل بكل علاقة من علاقات الإنسان بأخيه الإنسان في مجالات الحياة المختلفة سواء سياسية او اقتصادية او مجتمعية. وتلك الدعوة تقودنا الى الحوار اليسير بشرط ان يخدم كل طرف الآخر بما يؤدي إلى الهدف المنشود وهو التوصل الى نتيجة تفضي الى التسامح وخدمة المجتمع وضمان مستقبل افضل له. وبهذا المعنى، فإن الحوار يعني التسامح واحترام حرية الآخرين، واحترام الرأي الآخر. ونحن نعيش تلك الايام بذكرى عاشوراء لابد ان نقتدي بالإمام الحسين عليه السلام الذي عمل على تطبيق مبدأ التسامح الديني كمطلب إنساني نبيل دعا اليه الاسلام وجميع الأديان، فهذه الدعوة أرادتها الحكمة الإلهية واقتضتها الفِطرة الإنسانية واستوجبتها النشأة الاجتماعية وفرضتها المجتمعات المدنية وحتمتها، لتصل الامم الى القِيَم الحضارية والمَدنية النبيلة. لقد استهدف الامام الحسين إيصال الحق إلى القلوب ليستقر فيها ويحرك الإنسان باتجاه الفضيلة، فكان من الضروري أن تكون الكلمة الوسيلة الأساس في تحقيق هذا الهدف، بسبب ما فيها من رؤية ولين وقدرة على الإقناع، وبسبب ما تحققه من ضمانة الثبات والتمكن لأفكارها في القلوب والسلوك. وتلك الكلمة هى اساس الحوار، فان نبتت من منبت صالح كان زرعها وارفا، وإن كانت بذرة شر اشعلت قلوبا ومجتمعات ودول. ولم يكن سيدنا الحسين وحده في مضمار الدفاع بصلابة عن كلمة الحقّ والعدل وإحياء الرسالة الإسلامية، والمحافظة عليها بكلّ وسيلة ممكنة ومشروعة، لان التاريخ الاسلامي يؤكد ان آل البيت «عليهم السلام» جميعا دافعوا عن الحق والعدل وتعميق الحوار.. واذا كانت ثورة الحسين مرت عليها كل هذه السنون وتمتد في عمق التاريخ الاسلامي العريق، فهي لا تزال تنبض بالحيويّة مثيرة في النفوس روح الإيثار والتضحية، وتأخذ بيد الثائرين على مر الزمن بالاستمرار في طريق الحق وبذل النفس والنفيس لبلوغ الأهداف السامية، إنّها الثورة التي أحيت الرسالة الإسلامية بعد أن كادت تضيع وسط الأهواء، وأثارت في الاُمة الإسلامية الوعي حتى صارت تطالب بإعادة الحق الى أهله وموضعه. ونحن نستذكر هذه الايام، نستعيد ما جسده الإمام الحسين «عليه السلام» لكل القيم الخيرة والأخلاق السامية والعمل على إصلاح الاُمور بطريقة سلمية، فهو الذي نبه الاُمة الى مسؤولياتها ودورها، وهو الذي حمل المسؤولية أمام الله إذا لم يستجب لدعواتهم. فلم تكن حركته بوازع ذاتي ولا مطمع شخصي، لا سيما بعد إتمام الحجة عليه من قبل هؤلاء المسلمين. لقد كان الإمام الحسين «عليه السلام» كما تحكي كتب التراث يحمل روحاً صاغها الله بالمثل العليا والقيم الرفيعة، ففاضت إباء وعزة وكرامة، وهو الذي تصدى لدعاوي إشاعة الفرقة بين المسلمين والتمييز بين العرب وغيرهم وبث روح التناحر القبلي، ولابد لنا ان نستعيد دعوة الامام الحسين بتبني مبدأ التسامح والتحاور، خاصة وان تلك الدعوة كانت ضمن أهداف رجال التاريخ العظام. لقد تفانى الحسين «عليه السلام» في الله ومن أجل دينه، فكانت أهدافه ـ التي تمثل رضى الله وطاعته ـ سامية جليلة، كما أنها كانت واسعة وعديدة. ويمكننا أن نذكر بعض أهداف الإمام الحسين «عليه السلام» من ثورته، فكان هدفه وهو الإصلاح المقصود يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل جوانب الدين والحياة، وقد تحقق ذلك من خلال النهضة العظيمة التي قام «عليه السلام» بها فكانت الهداية والرعاية للبشر دينيا ومعنويا وإنسانيا. واذا كنا احتفلنا بالأمس القريب بيوم عاشوراء وهو اليوم المجيد الذي يستظل به شهر الله المحرم، وهو من الأشهر الحرم التي قال عنها الله سبحانه وتعالى: «إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم»، فعلينا ان نتذكر ان سيدنا الحسين حمل راية القيم السامية التي أوجدها الإسلام في الاُمة وأرسى قواعدها، ولهذا فنحن في عصرنا الحالي علينا التأسي بتلك القواعد الاسلامية واستلهام قيمة التسامح والحوار لنستكمل نهضة الحسين التي تأتمر بمقاصد الدين الاسلامي الذي يأمرنا بالخيروالحق والصلاح ويدعو بالبِر والحب والرحمة والإحسان، ولا يوصي إلا بالأمن والسلم والسلام. فالتعايش والحوار هو الأمل لصلاح الامة وهو أيضا من موجبات دعوة الحسين، وإنما العائق يكمن في الذين يتوهمون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة ويستغلون الأديان في أقدار الناس ومصائرهم. ونحن في البحرين في اشد الحاجة اليوم الى التسامح والتعايش الإيجابي بين مواطنيها أكثر من أي وقت مضى، فلا معنى ان يدعو البعض الى التعايش مع الغريب ونحن اولى بهذا التعايش. فليس الهدف من التسامح والحوار مجرد فك الاشتباك بين الآراء المختلفة أو تحييد كل طرف إزاء الطرف الآخر، وإنما هدفُه الأكبر هو إثراء الفكر وترسيخ قيمة التسامح بين الناس، وتمهيد الطريق للتعاون المثمر فيما يعود على جميع الأطراف بالخير، وذلك بالبحث عن القواسم المشتركة التي تشكل الأساس المتين للتعاون البناء بين الأمم والشعوب. والحوار بهذا المعنى هو قيمة حضارية ينبغي الحرص عليها والتمسك بها وإشاعتها على جميع المستويات. وعلينا ان نترك لأجيالنا القادمة طريقا للقدوة، ليكون الحوار هو اساس هذا الطريق خاصة وانه أصبح ضرورة من ضرورات العصر. وقد عُرفنا ونحن نتعايش جميعاً في هذا الوطن العزيز عبر التاريخ باللحمة الوطنية كأخوة متحابين متعاونين في السراء والضراء حيث كان نسيج هذا المجتمع مبني وعلى مر الزمان على اسس التآلف والمحبة والتواصل ليس بين طوائف المسلمين فحسب انما مع جميع الاطياف الاخرى وهذا ما يميز تاريخ البحرين الناصع العريق ولا نريد غير العودة الى ذلك النسيج لنبني هذه المملكة على الحب والسلام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها