النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11698 الأحد 18 ابريل 2021 الموافق 6 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:02PM
  • العشاء
    7:32PM

كتاب الايام

شذرات من ماضي البحرين الجميل

رابط مختصر
العدد 8635 الجمعة 30 نوفمبر 2012 الموافق 16 محرم 1434

استوقفني مؤخرا مقال في زاوية بريد القراء في جريدة الأيام عن الفنان «أحمد رمزي» الذي رحل عن دنيانا قبل وقت قصير تحت وطأة حزنه على ولده المصاب بمرض عضال. في المقال المذكور أشياء كثيرة أتى على ذكرها الكاتب بعناية مثل تأثر جيل كامل بما كان يؤديه رمزي من أدوار سينمائية. والحقيقة أن الجيل البحريني الذي ولد بعد انتصاف القرن الماضي وتشكل وعيه مع نهايات الخمسينات لم يتأثر ويقلد رمزي فحسب وإنما تأثر أيضا بعمر الشريف وشكري سرحان وعماد حمدي وكمال الشناوي وغيرهم، بل حرص أن يكون وفيا لكل ما يـُعرض بالأسود والأبيض في التلفزيون الذي دخل بيوتنا «بفضل شركة أرامكو» قبل كل العرب تقريبا من أفلام لهؤلاء النجوم الأفذاذ وغيرهم، وكان جزءا من الوعاء الثقافي الذي غرفنا منه بنهم، وتشكل من خلاله وعينا الأولي بالدنيا وما فيها من مباهج وغرائب، فاستمر على الدوام، ورغم كل التطورات اللاحقة التي منحتنا مصادر أخرى جديدة للثقافة مثل القراءة والمسرح والسينما والفضائيات والإنترنت، صاحب مكانة خاصة في نفوسنا. وربما لأننا لم نكن في بحبوحة من العيش تمكــّننا وقتذاك من اقتناء ما كان يلبسه هؤلاء العمالقة في أفلامهم من بدلات أوروبية أنيقة مصحوبة بربطات عنق ومناديل مناسبة، فإن تقليد رمزي كان الأكثر سهولة لأنه غالبا ما كان يؤدي دور الشاب المعاكس أو التلميذ الشقي الذي لا يبالغ في لباسه أي يكتفي بقميص أبيض مفتوح الصدر مع رفع أكمامه إلى مستوى عضلات الذراع، وبنطال أسود تتدلى منه عند مستوى الخصر ميدالية مفاتيح ذو وجهين على احدهما صورة لحليم أو فريد، وعلى الوجه الآخر اسم إحدى أغانيهما مثل «حبك نار»، و«نغم في حياتي»، أو «ماليش غيرك» و«وحياة عينيك». أتذكر أن خبر عرض فيلم من بطولة رمزي في إحدى دور السينما في المنامة كان يسري كالنار في الهشيم في جموع الشباب المراهق، فيعمل هؤلاء المستحيل من اجل توفير بضع روبيات تمكنهم من دخول صالات العرض ليس للاستمتاع بقصة رومانسية فقط، وإنما أيضا ليسجلوا ما كان يفعله رمزي من «عفرتة» وما كان يبتكره من أساليب جديدة في المعاكسة والغزل البريئين، إضافة إلى تخزين الذاكرة بما كان يرتديه ويفعله ويقوله وذلك من أجل التشبه به وتقليده فيما بعد. وكان الشيء ذاته يحدث إذا ما علم أحدنا أن تلفزيون أرامكو من الظهران بصدد بث فيلم من بطولة رمزي. فكان الصبية يتزاحمون على المنازل التي تمتلك جهاز تلفزة لحجز مقعد مبكر لهم أمام شاشة العرض. وكان بعض أصحاب هذه المنازل يجبرون من يريد المشاهدة على قطع تذكرة دخول أولا بمقابل مادي، كما كان يفعل زميلنا الاستاذ سعيد الحمد مع صبية فريجهم في الحالة. وبسبب رمزي، ومحاولاتنا التشبه به أو بشكري سرحان وعمر الشريف ويوسف فخر الدين، من حيث الملبس فإن البائعين في متجري «خوشابي» و«عبدالغفار» في شارع باب البحرين المسقف كثيرا ما اشتكوا من طلباتنا وتبديل مشترياتنا من القمصان حتى كادوا يطردوننا. وعلى المنوال نفسه كان الخياط الباكستاني الأشهر في بحرين الخمسينات والستينات «غلام مرتضى» ينهرنا باستمرار إذا ما طلبنا منه إضافات أو تغييرات في ما كان يخيطه لنا من بنطلونات قائلا: «أنا يفهم موديل مال لندن.. إنت ما يفهم كلش موديل». لاحقا كانت وجهة تزودنا بآخر خيوط الموضة الرجالية هي متجر روما في شارع الحكومة لصاحبه رجل الاعمال المعروف فهد القصيبي، لكننا حينها كنا قد تعرفنا من خلال السينما الغربية الملونة على «ألفيس بريسلي» وأفلامه الغنائية المليئة بالفاتنات. وبقدر ما حسنت هذه الأفلام وصقلت لغتنا الإنجليزية، فإنها عرفتنا على مباهج الحياة الأمريكية وسلاستها وبــُعدها عن التعقيدات. فصار الكثيرون منا يستطيبون تقليد بريسلي في تصفيف شعره أو في ما يرتديه من قمصان، وخاصة تلك القمصان ذات الأكمام القصيرة التي ثبتت ياقتها بأزرتين من الأمام وزرارا من الخلف مع ثنية على طول الظهر. ولحسن حظنا أن البائع في متجر روما «جاسم أمين» شافاه الله كان صبورا ويتقبل طلباتنا الغريبة وملاحظاتنا بسعة صدر، بل كان ذواقا ويرشدنا إلى كل جديد ومبتكر. على انه رغم كل هذا الشغف بالسينما ونجومها وقصصها الرومانسية وما يصاحبها من أفكار وأساليب للوصول إلى قلب الأنثى، ولاسيما قصة «الوسادة الخالية» لإحسان عبدالقدوس التي حـُـولت إلى فيلم سينمائي يجسد لوعة الحب الأول وعذاباته، فإن جيلنا لم يكن يتجرأ لكسر المحظور علنا كما يفعل شباب الجيل الحالي بسبب الخوف من الأسرة، ناهيك عما زرع فينا من حياء وخجل وحذر. وهكذا، كنا نكتفي، ونحن نتمخطر في شارع الشيخ عبدالله الذي كان وكر المعاكسة البريئة في الماضي، أو أمام مدرسة الحورة للبنات، أو عند الخباز راشد، بنظرة لاسلكية من على بعد أو ابتسامة خجولة أو سلام هامس لمن استوقفتنا طلتها البهية وبياض بشرتها وتموج شعرها «الحديث هنا عن زمن لم تكن الفتيات قد اتشحن بالسواد الكامل كما الآن»، وكان الرد على قدر الرسالة.. موجزة وخجولة وعابرة، لكنها كانت تساوي الدنيا عند المتلقي، فيعيش معها أحلاما وينسج حولها قصصا وسيناريوهات خيالية لأيام وليال. لم يكن وقتها موجة الشرخ الطائفي قد بدأت تتسلل إلى مجتمعنا المتآلف، فلم تكن الإناث مكترثات بمذهب من يعاكسهن او أصله وفصله، ولهذا السبب تحول الكثير من قصص المعاكسة البريئة تلك إلى زيجات مباركة من عائلتي العروس والعريس، أو إلى خطبة حتى عودة الطرفين من دراستهما في الخارج. وبالمثل لم تكن موجة الإقصاء والتشدد الاجتماعي قد كشرت بعد عن أنيابها في مجتمعنا باسم الفضيلة، فلم يكن أحد يكترث بملابس فلان أو علان، أو بطريقة حياته الخاصة، وبالتالي لم تسد مجتمعاتنا الملابس الأفغانية والملابس المتماهية مع التفصيلات المحلية القبلية، وملابس أعداء «شيتون بزرك» التي تختفي فيها ربطة العنق لدواعي تمييز الذات مذهبيا مع الاحتفاظ بصفة «الأفندي». هذه القصص والحكايات والكثير غيرها ضمنتها روايتي الأخيرة «مذكرات حاوية مخلفات» التي منعتها هيئة شؤون الإعلام الموقرة تحت ذرائع لا تستقيم لمن يعرف أصول وفنون الأعمال الروائية القائمة على الخيال البحت، فتسببت خطوتها تلك في حرمان الجمهور البحريني من رواية تعيدهم إلى الماضي الجميل عبر حكايات فرجانهم وما كان يجري فيها، لكن في الوقت نفسه أدى موقفها المتسرع من الرواية في نيلها شهرة لم أكن أحلم بها. فشكرا لهيئة شؤون الإعلام، وسحقا لذلك الذي قبل على نفسه أن يكون أداة قمع ضد زملائه، من خلال اشتراكه في لجنة التدقيق والفحص وإجازة المؤلفات، بدلا من أن يدافع عن حقوقهم ويصون مكتسباتهم خصوصا وأنه يترأس الجهة الأهلية المنوط بها الدفاع عن المؤلفين والمبدعين. شكرا لمن كتب عن رمزي فشجعني على التقاط الخيط وكتابة هذا المقال، ورحمة الله عليك يا نجم الشباب الأول في زمن لا يعرف جماله وبساطته وتآلفه ووحدة أطيافه إلا من عاشه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها