النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

تغريدة

من نافذة الطائرة

رابط مختصر
العدد 8323 الإثنين 23 يناير 2012 الموافق 29 صفر 1432

في الطائرة كانت أمامي امرأة طاعنة في السنّ وإلى جوارها حفيدها ذو الخمسة أعوام. كان الطفل ينظر من النافذة إلى البيوت والشوارع المستلقية على السهول الإيطالية بتناسق وترتيب، بينما كانت الجدّة العربية تقرأ كتاباً، فقاطعها الطفل قائلاً: «جدّتي! لماذا تبدو البيوت والشوارع والناس صغاراً هنا؟»، قالت الجدّة بعد أن أغلقت كتابها ووضعت إصبعها عند آخر صفحة قرأتها: «لأننا أعلى منهم الآن يا ولدي». قال الطفل: «ولماذا لا نظلّ دائماً في الأعلى ما دام المنظر من هنا جميلاً إلى هذا الحدّ؟». قالت: «لكي لا ننسى نحن حجمنا الطبيعي ولكي لا ينسوا هم حجمنا الطبيعي. أفهمت؟». لا يبدو أنّ الطفل قد فهم شيئاً، ولكنّه لاحقاً سيفهم ما رمت إليه الجدّة. سيفهم حين يرميه القدر عند أولئك الذين يعتلون المنصّات دائماً ويخطبون في الجمهور متناهي الصغر من علِ حتى ينسوا حجمهم الطبيعي، ولا يتقبّلون أيّ نقد يصدر بحقّهم، لأنّهم الأعلى دائماً، وبذلك هم الأفهم والأكبر قدراً والأعظم شأناً. وحتى لو نزلوا إلى النّاس بعد ذلك، تظلّ في ذهنهم صورتهم وهم الأعلون دائماً. سيفهم الطفل ما قصدته الجدّة حينما يصادف في طريقه أولئك الذين فرغت عقولهم من الثقافة والعلم والدراية فارتفعوا في الهواء كالمناطيد، وظنّهم الناس أنهم أعلى شأناً، وصاروا هم قادة الشارع وسلّمهم الناس زمام أمورهم وأعطوهم تفويضاً لقيادتهم، ولأنهم دائماً في الأعلى نسي النّاس أشكالهم الحقيقية، وظنّوا أنّهم أقرب شبهاً بالملائكة وأشدّ التصاقاً بأهل السماء، ولو قُيّض لمناطيدهم أن تُخرق لسقطوا على وجوههم، ولوجدهم الناس أكثر دمامة وأشدّ قبحاً مما تصوّروه. سيعرف الطفل حين يكبر أنّ فرعون ليس وحده الذي قال للناس «أنا ربّكم الأعلى»، لأنّ هناك الكثيرين من الذين لمكوثهم الطويل فوق المنصّات ولاعتلائهم المنابر اعتقدوا أنّهم لا ينطقون عن الهوى وأنّهم أصبحوا معصومين عن الخطأ ومنزّهين عن النقصان، وصاروا يتقمّصون شخصية الربّ الأعلى، تعالى الربّ عن ذلك علوّاً كبيراً. وحتى لو استيقظت أفهامهم وصحت ضمائرهم وأدركوا حجمهم الطبيعي فإنّ جماهيرهم التي تعوّدت على أن يكونوا الخفيضين دائماً والتابعين أبداً والمسيّرين دهراً يعيدونهم إلى علوّهم الوهمي ومقامهم المزيّف. آه يا طفلي الصغير، لو كنت تدري ما ينتظرك من مناظر في الحياة، لأغلقت نافذة الطائرة وخلدت للنوم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها