النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

ثيران الحضارة

رابط مختصر
العدد 8322 الأحد 22 يناير 2012 الموافق 28 صفر 1432

عاتبتني زوجتي قائلة: «ما لك مصرّاً على تعليق جميع ملابسك في الخزانة، قديمها وجديدها معاً، حتى أصبحت على وشك الانفجار. لماذا لا تستغني عن قديم ثيابك، خصوصاً أنّك لا تستخدم سوى الجديد منها؟»، فقلت لها: «إنّ هذا طبع فينا نحن العرب ولا يمكنني أن أتخلّص منه، فقديمنا يبقى فينا ويظلّ ينازع الجديد حتى نصبح تائهين ما بين ماضينا وحاضرنا». كثير منّا نحن العرب من يتمسّك بطرفي الماضي والحاضر، كلّ طرف يشدّه في اتجاه، وبذلك نظلّ نراوح في مكاننا، فلا نحن نمضي كما يمضي الآخرون في اتجاه الحاضر والمستقبل، ولا نحن عائدون إلى الماضي الذي لا يمكن العودة إليه مطلقاً، وهذا سرّ أزمتنا. مشكلتنا أننا نعشق الماضي حدّ التقديس، فلا نأخذ من ماضينا ما يعيننا على الانطلاق للحاضر والمستقبل، بل نريد أن نجرّ الماضي بكلّ ما فيه إلى الحاضر، وبذلك تتعطّل عربتنا وتتأخّر رحلتنا، وتمرّ عربات الأمم الماضية في اتجاه التقدّم والتحضّر علينا وهم ينظرون إلينا من النوافذ مستغربين من هؤلاء الذين ما زالت ثيرانهم الهرمة تريد جرّ الماضي بحبالها المهترئة منذ قرون وقرون. حركة الحياة تسير في اتجاه واحد، فمن أراد أن يسير مع حركة الحياة فلا بدّ أن يأخذ من ماضيه – إذا أراد – ما يقوى على حمله في هذه الرحلة. ومن أراد أن يسير ضدّ حركة الحياة، ويريد العيش في العصور الغابرة والأمم الماضية، مهما كان هذا الماضي زاهياً ونضراً وذهبياً، فإنّ عربة الحياة ستمرّ فوقه وستسحقه، وسيظلّ يراوح في مكانه ويعيش في أوهام المجد الغابر ويتعلّق بذكرى التاريخ المجيد. هل هي دعوة للتخلّي عن الجذور والتنازل عن الثوابت؟ بالطبع لا، فكم من الأمم الأخرى من ظلّت محافظة على جذورها وثوابتها واستطاعت أن تأخذ مكاناً في الحاضر وتُبدي كلّ الترحيب بالانطلاق إلى المستقبل، وذلك لأنها لم تعتبر كلّ ماضيها ثابتاً لا يمكن التنازل عنه، ولم يقف تعلّقها بتاريخها عائقاً أمام تقبّل الأفكار الجديدة وأنماط الحياة المستحدثة، وهي في رحلتها نحو حاضرها ومستقبلها ألقت من النافذة ما بلي من أفكار وما قدُم من ممارسات لكي تكون عربتها أخفّ وزناً وهي منطلقة إلى التحضّر والتقدّم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها