النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

ما أقبح فيروز

رابط مختصر
العدد 8308 الأحد 8 يناير 2012 الموافق 14 صفر 1432

في مطعم لبناني جميل، جلست أنا وأصحابي نرتشف صوت فيروز قبل القهوة، ونلتهم أنغامها قبل «الفتّة» و»الكبّة النيّة»، وحين أتتنا قائمة الطعام لم تكن أكثر ثراءً من قائمة الحبّ الذي عمّرت بها فيروز أرواحنا بأصناف من الشوق واللهفة وأهازيج اللقاء ووشوشات الصبا. وبمقدار ما أشجانا صوت فيروز، آلمنا أيضاً، لأنّ جمال صوت فيروز كشف مقدار القبح الذي نحمله في أرواحنا، وصفاءه فضح مقدار الكدر الذي نكنّه في قلوبنا. وفي قمّة انسجامي معها وجدتني أقول بيني وبين نفسي: «ليتها تصمت.. ليتها تصمت»، وبعد أن صمتت وجدت الجرسون اللبناني الأنيق يقف فوق رأسي مباشرة بابتسامة بها قليل من الاحترام وكثير من الاستغراب وهو يقول لي: «بدّك لا تواخذني. هاي بتنحط في الحضن مو على الراس». حينها فقط اكتشفت أنّني قد وضعت منديل الأكل على وجهي بدل أن أضعه في حضني. فقلت له محاولاً مداراة خجلي: «أعرف، أعرف، ولكنني أفضّل أن أضعها على وجهي هكذا». فردّ عليّ بلباقة شديدة: «براحتك. ولكن أخاف أن يسقط شيء من الطعام فيتّسخ حضنك». قلت له: «وهل الحضن وحده الذي يتّسخ يا صاحبي؟ لقد كشفنا عن وجهنا الطائفي القبيح لأشهر عديدة، وآن لنا أن نستره. استر علينا الله يستر عليك». ولم يبدُ أنّه فهم شيئاً، وهو اللبناني الذي شوّهت الطائفية وجه بلده الجميل، فقلت له: «يا حبيبي. لو أنّ حضني اتسخ فإنّ أسوء ما يمكن أن يحدث هو أن أمشي بين الناس بعد انتهائي من وجبتي بحضن متسخ. ولكن ماذا أفعل إن اتسخ وجهي بالأحقاد الطائفية، كيف يمكنني أن أستره، وهو ذات الوجه الذي سأحمله معي طول العمر. هل بإمكاني أن أغسل وجهي بالصابون ولا يبقى لدنسي الطائفي فيه من أثر، مثلما أغسل حضني ولا يظلّ لبقايا الطعام فيه من أثر؟». غادرنا الجرسون اللبناني وغاب في مطبخه وعاد بالصحون والأطعمة، واكتشف أني لم أزل واضعاً المنديل فوق رأسي، فقال لي بلهجة فيها قليل من المزاح وكثير من الضيق: «هل تريد أن أضع الطعام على الطاولة أم أضعه على الأرض؟» قلت له: «بل ضعه في كيس لآخذه معي إلى البيت، فقد عكّرت فيروز مزاجي. ما أقبح صوت فيروز، وما أجمل طائفيتنا!». [email protected]

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها