النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

المواطنة لا تحتاج إلى قوانين وأنظمة فقط

رابط مختصر
العدد 8114 الثلاثاء 28 يونيو 2011 الموافق 26 رجب 1432 هـ

في الدول الأوروبية لا يوجد قانون لإجبار الناس على تنظيم الطوابير عند محاسب السوبر ماركت أو أثناء ركوب الحافلات، فالعملية تتمّ بشكل عفويّ، ومن لا يلتزم بها لا يجد أيّ رجل أمن يُجبره على العودة إلى الطابور، بل يجد الأصوات المستنكرة لمن في الطابور ومن في غير الطابور تنهره عن خرق النظام حتى لو كان الطابور مكوّناً من أربعة أشخاص. والأمر كذلك ينطبق على الحمّامات في الطرق السريعة، إذ لا توجد غرامات على من لا يلتزم بتنظيف الحمام أو يسيء استخدامه، ومع ذلك فإنّ الحمامات في هذه الطرق لا تختلف في نظافتها عن حمامات الفنادق الفخمة، وحين تلتفت حواليك لا تجد أيّ عامل نظافة، بل تجد حواليك مستخدمين على درجة عالية من الوعي بضرورة ترك الحمامات نظيفة. بالطبع هناك قوانين مرورية لإلزام سوّاق السيارات باحترام خطوط المشاة وبعدم سلك المسارات المخصصة للحافلات والدراجات، وهناك بالطبع إشارات حمراء وخضراء وهناك غرامات على من يوقف سيارته في غير الأماكن المخصصة لها، ولكن بشكل عام هناك التزام شديد بالقوانين والأنظمة حتى لو لم تفرض فرضاً. وحين نعود بالنظر إلى أغلب أقطار بلداننا العربية والإسلامية ماذا نرى؟ فوضى الطوابير التي لا تنظمها سوى الأرقام المتسلسلة، الحمامات العمومية التي لا تصلح لاستخدام البشر إلا إذا وُجد المنظفون الذين يُجلون ما تركه المستخدمون من فوضى، خروقات بالجملة للمسارات وللمواقف وللأماكن المخصصة للمعاقين وغيرها وغيرها. فهل خرق القوانين والأنظمة صفة لازمة للعرب والمسلمين؟ وفي المقابل هل احترام الأنظمة والقوانين صفة خالصة للأوروبيين ومن سار على نهجهم من دول الشرق كاليابان والصين وكوريا وسنغافورا مثلاً؟ وهل يجب على المرء أن يتخلّى عن عروبته وإسلامه من أجل أن تنزل عليه «ملكة» الالتزام بالنظام واحترام القوانين؟ المسألة ليس لها ارتباط بالديانة بقدر ما لها ارتباط بالثقافة. فالمرء لا ينتظر الأوامر الإلهية في كلّ صغيرة وكبيرة في شئون الحياة لكي يلتزم بها، بل يجب أن يكون المرء على قدر من الوعي والثقافة بحيث يفرّق بنفسه بين الحسن والقبيح وبين الطيّب والخبيث وبين الحقّ والباطل. فالنصوص الدينية التي تدعو إلى إماطة الأذى وإلى نظافة البدن وغيرها كثيرة، ولكن الثقافة السائدة لدى المجتمعات المتديّنة أنّ الالتزام بالسلوك الحسن لا يتمّ إلا بعد ورود نصّ ديني صريح يُلزم به أو ينهى عنه. وفي المقابل، فإنّ هناك من ينتظر أن تقوم الدولة بمتابعته في منزله وفي سوقه وفي سيارته وفي حمّامه وتفرض عليه العقوبات الصارمة في حال مخالفته للأنظمة حتى يكون مواطناً ملتزماً. وإذا ما ارتُكبت المخالفات فإنّ اللوم يقع على الدولة وحدها. وهذا ما حصل في قضية الجامعات الخاصة في البحرين، حيث سُمح للجامعات الخاصة بممارسة أنشطتها قبل صدور قانون التعليم العالي بسنوات معدودة. ولقد استغلّ أرباب الجامعات هذه السنوات المعدودة في اللعب بمصائر الطلبة وفي العبث بالجداول والخطط الدراسية وفي ارتكاب العديد من الحماقات التي لا يمكن أن ترتكبها أي مؤسسة أكاديمية يُفترض أن يديرها أكاديميون قديرون. وحين أصدر مجلس التعليم العالي بحقّهم العديد من الجزاءات تعالت أصوات هذه الجامعات بأنّه لم يكن ثمّة قانون لتنظيم عمل الجامعات، فهل الأكاديميون يحتاجون إلى قانون يلزمهم بأن لا يستخرجوا شهادة بكالوريوس لطالب جامعي لم تمض على دراسته سوى سنة واحدة؟ وهل تحتاج المؤسسة الأكاديمية إلى قانون يمنعها من تكليف حامل شهادة البكالوريوس بتدريس طلبة الشهادات العليا؟ ومن هذا المنطلق ينبغي أن نؤكّد على أنّ المواطنة الصالحة لا تنشأ بالقانون وحده، ولا تتأصّل بالعقوبات وحدها، بل يجب أن يكون المرء على درجة كبيرة من الوعي ومن المسئولية حتى يتحلّى بالمواطنة ويصبح بالتالي مواطناً صالحاً، كما ينبغي أن يكون المجتمع على قدر من الثقافة بحيث يلتزم بالصواب ويتجنّب الخطأ حتى لو لم يكن هناك قانون أو نظام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها