النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

صلاة الجماعة في نهر السين

رابط مختصر
العدد 8107 الثلاثاء 21 يونيو 2011 الموافق 17 رجب 1432 هـ

حين كنّا في وسط نهر السين، والباخرة تخترق جسر الماليبو مولّية وجهها شطر المباني الفرنسية العريقة التي تتوزّع ضفّتي النهر، وجدت صاحبي يهبّ من مكانه متوجّها إلى مؤخّرة الباخرة، فارشاً السجادة وشارعاً في أداء صلاتي الظهر والعصر أمام جموع العشّاق الذين يحضنون بعضهم على كراسي الباخرة، أو يتبادلون القبلات على الضّفتين. بصراحة شديدة كنت محرجاً أن ألتحق بصاحبي على ظهر الباخرة لأداء صلاة الجماعة. فضّلت أن أؤخّر الصلاة إلى حين رجوعي إلى الفندق على أن أصلّيها في عباب نهر السين. ولكي أتملّص من إلحاح صاحبي قلت له: «أخاف أن أشرع في الصلاة ولا أنتهي منها إلا وقد تغيّرت القبلة وأصبحت أصلّى في اتجاه كنيسة نوتردام». ضحك صاحبي كثيراً من تعليقي، وكان يعرف أنني كنت قد اخترعت النكتة اختراعاً من أجل أن أتملّص من الموقف فحسب، وحين انتهى من صلاته هنّأته على أداء الصلاة في النهر العظيم، وأريته صورته التي التقطتها له من كاميرتي وهو يصلّي على مقربة من عاشقين مندمجين في همسات العشق ولمسات الهوى حدّ الذوبان، فضحك كما لم أره يضحك من قبل. صاحبي كان يقول مازحاً: لا تعلم. قد يراني الفرنسيون وأنا أصلّي ويشرح الله صدرهم للإسلام، ويدخل الفرنسيون بسببي في دين الله أفواجاً. فضحكنا سوياً، ومكثت أفكّر بمقولة صاحبي كثيراً، وتساءلت: هل الفرنسيون يحتاجون إلى إسلامنا؟ أم نحن الذين نحتاج إلى حضارتهم؟ ما الذي سيحدث حينما يدخل الفرنسيون جميعاً في دين الإسلام؟ هل سيتغيّر الكثير؟ وفي المقابل، ما الذي سيحدث لنا لو دخلت الحضارة الأوروبية إلى ديارنا بنظامها وثقافتها واهتمامها بقيمة العمل ورعايتها للموهبة والابتكار والحرية؟ ما حجم التغيير الذي ستتركه في بلداننا؟ بالطبع أنا لا أعقد مقارنة بين الإسلام وبين الحضارة الأوروبية. فهذه المقارنة لا تستقيم أبداً. فالإسلام – حتى لو تجرّدنا من حبنا وتقديسنا واستماتتنا في الدفاع عنه بأرواحنا ودمنا – هو دين عظيم، يشهد على ذلك القاصي والداني، والمسلم وغير المسلم. ولكنّ إسلامنا الذي نمارسه اليوم، والذي كان أحد أسباب تخلّفنا وتقهقرنا في سلّم الحضارة وتشرذمنا وتقاتلنا، هو بعيد عن الإسلام العظيم النقي الذي جاء به النبي الأعظم محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام. كنت أودّ أن أقول لصاحبي: إن الفرنسيين ليسوا بحاجة إلى إسلام مثل الإسلام الذي نمارسه اليوم. فالعدل الذي دعا له الإسلام يمارس في فرنسا أكثر مما يمارس في بلداننا الإسلامية. والمساواة التي دعا لها رسول الإسلام مطبّقة في فرنسا أكثر مما هي مطبّقة عندنا. واحترام حقوق الإنسان التي هي ركن ركين في الشريعة الإسلامية لا تجد تطبيقها في الدول العربية مثل تطبيقها في فرنسا. ولذلك قال الإمام محمد عبده حين رجع من زيارته الأولى لفرنسا: «في باريس رأيت الإسلام ولم أرَ المسلمين، ورجعت إلى هنا فوجدت المسلمين ولم أجد الإسلام». لنتّفق أنّ الإسلام العظيم الذي جاء به رسول الأنام عليه الصلاة والسلام ليس مجموعة من الشعائر أو الطقوس العبادية فحسب، بل هو منهج أنزله الله لخير البشرية وسعادتها، وهو مشتمل على كلّ المبادئ الخيّرة التي وضعتها الحضارة الأوروبية ونفّذتها. أما نحن المسلمين فإنّ الإسلام قد أتى بمبادئ سامية لو سار عليها المسلمون وأخلصوا في تطبيقها ورعايتها لكنّا اليوم في مقدّمة ركب الحضارة، ولكنّ ممارستنا الخاطئة للإسلام قد انحرفت بمبادئ الإسلام إلى وجهة غير الوجهة التي رسمها الله سبحانه وتعالى وغير المبادئ التي أرساها النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ولذلك أصبحنا في أسفل سافلين. وسأكون غير منصف لو سكتّ عن النواقص في الحضارة الأوروبية وخصوصاً ما يتعلّق بالروحانيات، فالحضارة الأوروبية ركّزت على المادة وأهملت الروح. ولكن في المقابل فإنّ الشعوب الإسلامية لم تستطع بالروحانيات التي من المفترض أن تمتلكها أن تعيش في سعادة وراحة واطمئنان. ولك أن تلقي نظرة على صفحات الحوادث في صحفنا العربية والإسلامية، ولك أن تزور مستشفيات الطبّ النفسي وتعرف الرقم المخيف من الأمراض والعلل، ولك أن تطّلع على الأرقام المرصودة وغير المرصودة لحالات الانتحار ومحاولات الانتحار لتعرف أنّه لا مجال للعرب والمسلمين أن يفاخروا بالروحانيات التي يمتلكونها طالما أنّها لم تساهم حتى في الطمأنينة النفسية والسكينة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها