النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12183 الثلاثاء 16 أغسطس 2022 الموافق 18 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:13PM
  • العشاء
    7:43PM

كتاب الايام

هل النساء «تائهات» حقًا؟

رابط مختصر
العدد 12139 الأحد 3 يوليو 2022 الموافق 4 ذو الحجة 1443

يكثر الحديث - في الآونة الأخيرة - حول أسباب تزايد ما يجمع «المختلفين» على اليسار الليبرالي بتيارات التطرف الإسلامي، واستمرار حربهم الضروس ضد أي استقرار لا يرجح كفة تسلطهم ووصايتهم على الآخرين، إما باسم المقدس الديني أو الحرية الدنيوية المنفلتة، ومن أبرز ضحايا هذا اللوبي الغريب، القضية الوجودية للمرأة واستحقاقاتها الإنسانية، التي ترزح إما تحت رحمة من يرسخ لصراع دائم بين الجنسين - «الذكورية ضد النسوية» - ويروج بلؤم وخبث لهويات لم تخطر على عقل بشر، وبين من يدثر حقوقها تحت أنقاض تراث ديني تتحكم فيها تفسيرات تُشدد ولا تُيسر، وتُضيّق بدلًا من أن تُحلق في آفاق «أنتم أدرى بشئون دنياكم». 

وبين هذين النقيضين، تضيع حقوق وتُعلّق مصائر وتهدر دماء، وتتزايد الجموع النسائية «التائهة» المتدثرة إما بعباءة أهل اليمين أو أهل اليسار، لتشتد الحاجة إلى تكوينات قادرة على الصمود في وجه تيارات الإلغاء والتجنيد والإقصاء وهدم القيم الاجتماعية، إلى آخر قوائم مخططات هذا التيار أو ذاك.

فالفوضى الفكرية التي ترعاها جماعات التخريب تتطلب جهدًا استثنائيًا لقوى الإصلاح والفكر المستنير في مواجهة مخططات تعطيل أي جهد يعيد نصاب مكانة المرأة إلى موقعه الصحيح. وهذه مواجهة تتطلب بحثًا جادًا لحلول مؤثرة تنفذ في صلب النسيج المجتمعي، لإيجاد حلول تُؤمن للنساء «الحصانة الفكرية» المطلوبة ضد من يعمل على عزلهن عن ميادين الحياة. 

ولكن كيف يتحقق ذلك؟ ومن المسؤول عن توفير الحصانة الفكرية ضد عوارض فقدان الإرادة وغياب استقلالية التفكير، والانهزام أمام التهديدات الفكرية والعقائدية لهذه التيارات/‏الحركات؟ وهل النساء بسوادهن الأكبر ضائعات بالفعل بين هذا الطرف وذاك؟

الإجابات قد تختلف بحسب واقع المجتمعات ودرجة الوعي الوطني تجاه من يجرف بتيار التنمية والبناء المستدام لغير وجهته، ويتضح ذلك، خليجيًا، في دور الدولة المسؤول والجوهري لتأمين المساحة الفكرية «الوسطية» وإعلاء قيمة هذا التفكير ليحل بالتدريج محل خطابات التأزيم والإلغاء والتنميط. 

ولكن يبقى نجاح هذا الدور مرتهنًا بـ«صحوة» مدنية قادرة على التحرر من قيود الأدلجة الفكرية، ومن سطوة من يستخدمها كأداة هدم وتأجيج ضد الداخل «المتسلط!!» بحسب ما تروج له أيدي التغيير الخفية، التي لا تغفل عنها المشاريع الإصلاحية/‏ الحداثية لدول الخليج، بما تحمله من فكر متجدد يهتم بالمرأة كعنصر أساسي ضمن مسيرة التعمير والبناء الحضاري، التي لن تستقر وتقوى جذورها إلا في محيط يحتضن التيارات الفكرية المتمكنة من لغة العصر وبمنطق يقارع بالحجة، لغة التحشيد والتبعية العمياء والكارهة لأي نهوض إنساني مستحق للمرأة.

أما الدور الأهم - في تقديرنا - هو دور المرأة نفسها، كحاجز صد لكل أنواع الاختراقات الفكرية المتطرفة التي تتعمد تفريغ كل تجديد وتطوير يوجه لصالح المرأة من محتواه، ويزج بقضاياها، خصوصًا استقلالية إرادتها، في خانة تهور المجتمعات وانحلالها الأخلاقي! 

واعتقد بأن كفاح المرأة اليومي في معركة التعمير واقع عملي لا يمكن تجاوزه، وشواهد ذلك تؤكد أن إسهامات المرأة أصبحت شأنًا تنمويًا غير قابل للتعتيم، فقصص النجاح كثيرة، والنماذج المشرّفة عديدة، فها هي من تسافر في رحلة يومية لتأدية دورها التعليمي والتربوي في الضواحي البعيدة، وتلك الملتزمة بدورها الإنساني - قبل الطبي - طوال فترة الجائحة، على الرغم من وعورة طريق التشافي. وهناك من تنخرط في ميادين العمل التطوعي، ولا تنتظر أجرًا ولا شكرًا، لعمل يقدم خالصًا لوجه الله، وغير ذلك من أمثلة ونماذج توقد فينا عزيمة الثبات على الأمر، لمن لا هم لهن إلا استقرار أوطانهن وسلامة أهلهن. 

وقد يعتبر البعض ما أشرت له سابقًا عن الحالة النسائية - الخليجية - نوعًا من الوصف السريالي، البعيد عن الواقع، فلا بد من وجود إشكالات تعاني منها النساء وتعرقل - أحيانًا - من تقدمها، وجوابنا هو: نعم يوجد، ولا حياء في ذلك، بشرط أن نتحلى بشجاعة الطرح والمعالجة على طاولة النقاش العام، وأن تجد تلك القضايا آذانًا صاغية تتفهمها ومحاولات متدرجة لحلها، وإن طال الزمن. 

خلاصة القول، إن أول العلاج الإقرار بوجود المرض، لتكون وصفته على قدر خطورة المرض، إذ لن تنتهي محاولات تلك التحالفات لقلب الموازين وتقويض مساعي التقدم، وهي تحالفات متمرسة وتعرف جيدًا من أين تأكل الكتف، وتنسل، عندما تفتح الأبواب الخلفية، بقيمها المربكة للسنن البشرية، إلى عمق التركيبة السيسيولوجية لمجتمعاتنا العربية المحملة بالعديد من الأثقال التاريخية المتوارثة، والمرأة في ذلك العمق من أضعف حلقاته وأول ضحاياه. 

 

* نقلاً عن جريدة الرياض (بتصرف)

** عضو مؤسس لدارة الأنصاري للفكر والثقافة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها