النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12092 الثلاثاء 17 مايو 2022 الموافق 16 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:23AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

الديمقراطية الغربية أمام تحدٍّ كبير

رابط مختصر
العدد 11975 الخميس 20 يناير 2022 الموافق 17 جمادى الآخر 1443

تتعالى بين وقت وآخر صرخات وتحذيرات في اوروبا عامة وفي امريكا خاصة ان الديمقراطية في خطر، وأن واقع الديمقراطية في تراجع محسوس، وأن التحول الى نمط من عقد اجتماعي غير ديمقراطي يلوح في افق الساحة السياسية؛ هذا التراجع المحسوس ليس بالضرورة ان يكون نذيرًا للرجوع الى ما قبل الديمقراطية، و ليس الى ما بعد الديمقراطية في موازاة ما بعد الحداثة، اي تطور او ارتقاء الى ما هو اوسع و اشمل من الديمقراطية الحالية، ولكن الى شكل من ديمقراطية فاقدة للجوهر ودون روح، او نمط من حكم متسلط اوليغاركي يوجه الديمقراطية حسب مصالحه وعلى هوى رغباته. من يمسك بمفاصل الاقتصاد لا يطمئن على نفسه وما ملكت الا اذا وضع السلطة السياسية تحت امرته، او كحد ادنى تحت عيونه يرصدها ويتحسسها حتى يكون على بينة من وضعه ومصيره مما قد يساعده في اتخاذ اجراء وقائي او تكيف مع الوضع للمحافظة على الحد الادنى من قدراته الاقتصادية.. وبمعنى ادق فإن النهج الديمقراطي في الحكم، بشكل عام، يعتبر من العناصر المقلقة جدًا لهذه النخبة الاقتصادية، مما قد يدفعها، من اجل الدفاع عن مصالحها، الى القضاء على الديمقراطية او العبث بها.. ومن هذا المنظور الواقعي هناك خوف على الديمقراطية من قبل غالبية المواطنين الذين يربطون مصالحهم و رفاهية مجتمعهم بالنهج الديمقراطي.

أحدث صرخة خوف على الديمقراطية هي، «الديمقراطية الامريكية في خطر»، وهو رنين جرس انذار انطلق من قلم الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر، في اول اسبوع من عامنا الجديد، بعد ان خرج من البيت الابيض عام ١٩٨١، اي بعد اربعين عام.. نشر المقال التحذيري في جريدة «نيويورك تايمز» في ٦ يناير ٢٠٢٢. سيد من سادات البيت الابيض، مركز رئاسة الحكم في أمريكا، يحذر الشعب الامريكي بان الديمقراطية الامريكية «أصبحت هشة بشكل خطير»، ويضيف من نبرة التحذير المنذر بالخطر من «أن حملة تضليل قوية لا هوادة فيها لنشر الريبة، بالإضافة إلى التسامح مع العنف السياسي، قد تركت الأمة تتأرجح على حافة هاوية آخذة في الاتساع». هذا هو لسان حال من كان على قمة السلطة التنفيذية في امريكا قبل صعود اليمين المتطرف الى البيت الابيض، وهو ادرى بكل تفاصيل السياسة الامريكية و نقاط قوتها ومراكز العداء لديمقراطيتها، وهذه المراكز المعادية للديمقراطية هي من اهم نقاط الضعف في العقد الاجتماعي الديمقراطي في امريكا خاصة و في اوروبا عامة. بموازاة التحذير الذي اطلقه الرئيس الامريكي الاسبق، فإن الكاتبة المرموقة والصحفية المعروفة سالي دينتون Sally Denton تأخذنا الى ثلاثينيات القرن الماضي عندما خطط كبار سادة الوول ستريت تغيير الحكم الديمقراطي الى حكم فاشي صريح، فقد كتبت بعد اسبوع من مقال جيمي كارتر في صحيفة الغارديان، ١١ يناير ٢٠٢٢، مقالاً تحت عنوان «لماذا لا يُعرف الكثير عن محاولة الانقلاب في الثلاثينيات ضد روزفلت؟»… ومن ابرز النقاط في هذا المقال غير المالوف، بأن لواءً متقاعدًا اتهم قادة الاعمال (رجال اعمال كبار) مثل JP Morgan و Irénée du Pont بالتآمر لتنصيب شخص فاشي… وتربط ما حصل في نهاية رئاسة ترامب بما حصل في عهد روزفلت من محاولة انقلابية، مفيدة بأن مؤامرة دونالد ترامب المتقنة للإطاحة بالرئيس المنتخب ديمقراطيًا لم تكن مندفعة أو غير منسقة، بل كانت مستمدة من كتاب قواعد اللعبة لمحاولة انقلاب أمريكية أخرى - «انقلاب وول ستريت» عام 1933 ضد فرانكلين ديلانو روزفلت المنتخب حديثًا.

تحذير جيمي كارتر جاء متاخرًا، رغم ان الديمقراطية و هي نتاج تاريخي لمشروع التنوير لا تراجع عنه، لان احدى مراحل المساس بجوهر الديمقراطية يعود الى عام ١٩٨١، عندما حل رونالد ريغان مكان جيمي كارتر في البيت الابيض. ان صعود ريغان، المعروف بتطرفه اليميني ومعاداته الشرسة ضد كل ما هو ديمقراطي اصيل، هو امتداد للمواجهة الشرسة في ثلاثينيات القرن الماضي ضد المشروع الاصلاحي الكبير، المعروف بالصفقة الجديدة، الذي عرضه الرئيس فرانكلين روزفلت على الكونغريس وعلى الشعب الامريكي. الطغمة المالية في حينه كانت على صلة بالحزب الفاشي الايطالي تحت قيادة موسوليني، وكانت تعد لانقلاب على السلطة الدستورية تحت رئاسة فرانكلين روزفلت، وكانت تستعين بخبرة الفاشيين في ادارة الحكم في حال نجاح الانقلاب وتحويل الديمقراطية الاصيلة في امريكا الى ديمقراطية الدمى. فشل الانقلاب وتراجع المشروع الاصلاحي، اي ان الحزب الجمهوري فشل بينما تراجع الحزب الديمقراطي، ودخل الحزبان المتصارعان في هدنة عرفية غير مكتوبة، ولكنها حاضرة تغطي الصراع تحت راية بيضاء.

الديمقراطية الاوروبية عامة والامريكية خاصة مصابة بزكام مزمن منذ عهد ريغان - تاتشر بدءًا بثمانينيات القرن الماضي وإلى اليوم، وجماهير هذه الديمقراطيات تعيش في فوضى الارتباك الذي يغذيه الاعلام الموجه من قبل النخبة المالية وبدعم من نخب سياسية لها طموحاتها الذاتية وقد ربطت مصيرها بمصير بارونات التراكم المالي والثروة.. رغم اننا نعيش عصرًا جديدًا سماه المفكر الفرنسي غوستاف لوبان بالعصر الجماهيري في كتابه «سيكولوجية الجماهير»، الا ان هذا العصر مازال في مرحلة الطفولة، لم يتشكل بعد وعيه الجمعي رغم انه واعٍ لقدرته وأهميته، فهو بعد لم ينضج من حيث التعاطي مع القوى الاجتماعية المتنفذة ومازال في بدايات تجربته في خوض الصراع على قاعدة موازين القوى، وباستقلالية تتخطى التأثير الاعلامي المضاد..

طالما ان المجتمع الديمقراطي يعيش في ظروف التمايز الطبقي بما يحمله من تفاوت في الثروة واختلال في بنية المجتمع، فإن النهج الديمقراطي معرض لتجاذبات بين اكثرية داعمة للديمقراطية، وهي الجماهير، ونخبة، وهي الاقلية، قلقة على امتيازاتها بسبب الديمقراطية. محصلة هذا التجاذب مازالت تميل الى صالح النخبة بفضل قدراتها المالية واختراقها لمراكز القرار في البنية السياسية، من سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية، وامتلاكها شبه المطلق والكامل على سلطة الاعلام المرئى والمسموع وتمكنها الى اليوم على تحجيم دور السلطة الرابعة، وهي في الاساس الصحافة المدعومة من الاعمال الادبية والفكرية… لكنها امام تحد تاريخي عظيم لا تستطيع ان تتخطاه وهو «عصر الجماهير».

عام ١٩٣٣ شهد محاولة انقلابية ضد الديمقراطية من أجل تأسيس دولة دكتاتورية بقيادة فاشية… وعام ٢٠٢١ شهد محاولة انقلابية لتمييع الديمقراطية لأن عهد الدكتاتوريات قد انتهى، والقضاء على الديمقراطية صار عملة ليس لها قيمة شرائية، وهذا بفضل التحول التاريخي المصنف بعصر الجماهير… وهذا يؤكد ان التاريخ لا ولن يعود إلى الوراء…

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها