النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12092 الثلاثاء 17 مايو 2022 الموافق 16 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:23AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

غداء في القدس.. منسف بمائة دولار

رابط مختصر
العدد 11971 الأحد 16 يناير 2022 الموافق 13 جمادى الآخر 1443

بعث لي صديق قصة جميلة تدور أحداثها في إحدي المدارس عندما أرادت معلمة أن ترفع من همّة طلابها فقررت إجراء امتحان لهم والذي يحصل على علامة ممتاز، سوف تهديه هدية بسيطة ورمزية، وهي عبارة عن حذاء جديد.

فرح الأطفال بهذا التحدي وبدأ كل منهم بالكتابة بجد، والمفاجأة كانت بعد جمع الأوراق أن الجميع أجاب بشكل ممتاز والعلامات كانت كاملة، فلمن ستعطي الهدية؟!

شكرت المعلمة الجميع على ما بذلوه من جهد، ولكنها احتارت لمن تعطي الجائزة والجميع قد نال العلامة الكاملة. فطلبت منهم حلاً مناسبًا.. لينال أحدهم الجائزة ويكون مرضيًا للجميع. كان رأي الطلاب أن يكتب كل منهم اسمه في ورقة مطوية ويضعونها في صندوق تختار منه المعلمة ورقة تسحبها من بين اﻷوراق فيكون صاحبها هو الفائز بتلك الجائزة. وفعلاً سحبت المعلمة ورقة أمامهم وقرأت اسم الطفلة «وفاء عبدالكريم».. هي صاحبة الجائزة فلتتقدم لتأخذ الجائزة بيدها، تقدمت الطفلة وفاء والفرحة والدموع تغمر عينيها وسط تصفيق المعلمة واﻷطفال جميعهم.

شكرت الطالبة الجميع وقبلت معلمتها على تلك الهدية الرائعة بالنسبة لها والتي جاءت في مكانها وزمانها

فلقد ملّت لبس حذائها القديم والذي لم يستطع والداها شراء حذاء جديد لها. رجعت المعلمة إلى بيتها، وعندما سألها زوجها عن القصة أخبرته وهي تبكي بما جرى!! فرح الزوج بعد سماع تلك القصة من زوجته ولكن استغرب من بكائها، وعندما سألها عن ذلك قالت: عندما عدت وفتحت بقية اﻷوراق وجدت أن الجميع كتب في الورقة التي يجب أن يكون فيها اسمه اسم الطفلة وفاء عبدالكريم!! فقد لاحظ اﻷطفال حالتها وتكاتفوا معًا يدًا واحدة ليدخلوا السعادة إلى قلبها. 

عادت بي هذه القصة إلى حادثة مشابهة وقعت معي في القدس، عندما تشرفت بزيارة هذه المدينة المباركة الغالية على قلب كل عربي ومسلم، والتي تحتضن المسجد الأقصى أولى القبلتين ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم.

كانت المهمة التي كلفت بها من قبل سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى حفظه الله ورعاه الرئيس الفخري للمؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية أن تقوم المؤسسة بقيادة سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب بإنشاء مكتبة عامة في القدس قرب المسجد الأقصى لأشقائنا الفلسطينيين، وذلك ضمن مساعي جلالة الملك الإنسانية في مساعدة الأشقاء الفلسطينيين والشعوب الشقيقية والصديقة في مختلف دول العالم.

كانت تلك هي زيارتي الأولى لهذه المدينة المباركة، وبحكم أن عملنا في المؤسسة ينصب بالدرجة الأولى في العناية بالأيتام كنت قد طلبت من الفريق المرافق أن نقوم بزيارة إلى إحدى دور الأيتام، وفعلاً وبعد أن أنهينا صلاتنا في المسجد الأقصى ذهبنا إلى إحدى دور الأيتام، ووجدت أن الأشقاء المقدسيين وبكرمهم المعهود قد أعدوا لنا مائدة مقدسية فيها الفواكه التي تشتهر بها فلسطين ويتصدر هذه المائدة العامرة طبق المنسف المقدسي الشهير، وإلى جانب هذه المائدة أعدت مائدة طويلة التف حولها حوالي 22 يتيمًا كأنهم البدر في ليلة تمامه، وبعفوية ودون شعور مني أو قصد وجدتني أذهب إلى هؤلاء الأيتام الملائكة وأسحب كرسي لأجلس بينهم ألاعبهم وأمزح معهم، حتى طال انتظار الإخوة في المائدة وبكل أدب طلب مني رئيس الوفد المرافق بأن أنتقل إلى المائدة الرئيسة المعدة لكبار الشخصيات، فقلت له وهل هناك شخصيات أكبر من هؤلاء الأيتام الملائكة؟ يلبسون ثيابًا جميلة نظيفة زادتهم حسنًا وجمالاً، يجلسون بنظام وهدوء، وبنظرة فاحصة بسبب طبيعة عملي ودرايتي بنفسية الأيتام أحسست بنسبة من الحزن في قلوبهم، فكان واجب عليّ أن ألطف الجو وأمزح معهم وأعطيهم الأمل من خلال السؤال عن دراستهم وهواياتهم، فأصريت على الجلوس مع الأيتام لمشاركتهم تناول طبق المنسف اللذيذ وأنا في قمة السعادة.

كان أمام كل طفل طبق به كمية كبيرة من اللحم والرز، ولكنني لاحظت خجلهم وترددهم في تناول الطعام بسبب الحزن الذي في قلوبهم فخطرت في بالي فكرة فأخرجت ورقة مائة دولار ووضعتها فوق المائدة وقلت لهم من يتناول طبقه كاملاً فله مائة دولار.

كان لهذه الكلمة مفعول سحري في نفوس الأطفال، ومع الملاطفة والمزاح والضحك والحديث معهم عن دراستهم وهوايتهم ومع هذه الأجواء الودية انشغل الجميع بالأكل، فتفاجأت بأن كل يتيم قد تناول طعامه كاملاً والأطباق خالية من الطعام تلمع كأنها غسلت غسلاً، عندها تنبهت إلى الورطة التي وقعت فيها فقد كان عليّ أن أوفي بوعدي لهم بأن أمنح كل من يتناول طعامه مائة دولار!

نظرت إلى الوجوه الملائكية البريئة فوجدت الأعين تحدق بي بانتظار ما وعدتهم به ولكن العدد كان كبيرًا، فهم 22 شخصًا. ففكرت بأن إجراء قرعة بينهم لاختيار الفائز وهكذا أكون قد خرجت من هذا المأزق وأوفي بالوعد الذي قطعته على نفسي.

قررت أن أعلن عن إجراء القرعة، ولما فكرت بذلك وجدت ترددًا كبيرًا في نفسي وتخيلت الحزن الذي سيعم الواحد وعشرين قلبًا، ثم إنني لم أقل إنني سأعطي أول واحد يكمل أكله بل قلت كل من يتناول طعامه بالكامل سأعطيه مائة دولار، فأدخلت يدي في جيب معطفي وأخرجت النقود، وبدأت أحصي ما بها من دولارات والأعين تحدق بي وتنظر إلى ما في يدي، كانت مشاعر الإحراج والاضظراب تسيطر علي فأنا لا أعلم كم في جيبي من النقود فقد أخذت مجموعة من الدولارات للضرورة والطوارئ.

والحمد لله كان في جيبي ألف ومائة دولار إضافة إلى المائة دولار التي على الطاولة، فكانت جميع المبالغ التي معي ألفي ومائتي دولار بالتمام والكمال ليكون نصيب كل طفل مائة دولار، فحمدت الله وشكرته أن ألهمني بأن آخذ معي هذا المبلغ وكأنما الله قد ساقني إليهم وأرسلني من البحرين لأعبر كل هذه المسافات وأرفض الجلوس مع كبار القوم والشخصيات وأجلس على مائدة الأيتام لأنقل لهم رزق قد كتبه الله لهؤلاء الأطفال وشرفني بأن أوصله لهم. ولك أن تتخيل مقدار الفرحة التي عمت هؤلاء الأطفال وكيف قفزوا جميعًا معي حينما صرخت فرحًا بأن الجميع فائزون والكل ينال المكافأة. والحمد لله الذي أكرمني بذلك.

 

الأمين العام للمؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها