النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11983 الجمعة 28 يناير 2022 الموافق 25 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:02AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    2:56PM
  • المغرب
    5:18PM
  • العشاء
    6:48PM

كتاب الايام

قرداحي واستراتيجية الاستعمار

رابط مختصر
العدد 11897 الأربعاء 3 نوفمبر 2021 الموافق 28 ربيع الأول 1443

 

 

حتى الآن، معظم التناول الاعلامي لازمة تصريحات وزير الاعلام اللبناني جورج قرداحي حيال دول الخليج يركز على جانب المذيع الذي تنكر لصانعي شهرته في إشارة الى قناة «ام بي سي» المملوكة لمجموعة سعودية، والتي عمل بها قرداحي لسنوات طويلة وصنعت له الشهرة، من مذيع يعمل في قنوات لبنانية محلية بالكاد يشاهده اللبنانيون داخل لبنان - في زمن لكل حزب قناة وإذاعة - إلى نجم يعرفه الناس على مستوى الوطن العربي بفضل برنامج المسابقات الشهير «من سيربح المليون». 

ورغم أن قرداحي ليس اول شخصية لبنانية تتعمد الإساءة للخليج وتحديدا للمملكة العربية السعودية، ولن يكون الأخير بحكم الوضع اللبناني، الا ان شهرة قرداحي المذيع الذي دخل بيوتنا جميعا عبر شاشة سعودية، كانت اكثر شهرة من علاقة قرداحي الطارئة على المجال السياسي، وهي ما نتج عنها ردة فعل غاضبة إزاء ما تفوه به. وهي ردة فعل طبيعية على مستوى التعاطي الذهني الشعبي الغاضب من مديح قرداحي لجماعة مسلحة مستأجرة لصالح المشروع الإيراني وتصويرها كجماعة مقاومة تقاتل دفاعا عن ارضها، وهو حتما تصوير لا يشبه الواقع على الأرض اليمنية الذي يعرفه قرداحي تماما - كما نعرفه نحن - لكن دوره يقتضي ان يقول خلاف ذلك. فجورج قرداحي ليس سياسيا، ولم يعرف عنه سوى المواقف السياسية التي كنا نسميها خلال الحرب الاهلية في لبنان، والوجود والهيمنة السورية بسياسة تشبه القاعدة اللغوية «سكن تسلم» وهي ان تتفادى الوقوع بخطأ لغوي عبر استخدام التسكين. لكن هذه القاعدة في المشهد اللبناني كانت تعني تفادي انتقاد الوجود والنفوذ السوري على الساحة اللبنانية ومدح هذا الوجود كي تسلم، وكي لا تكون نهايتك مثل صحافيين كثر من بينهم سليم اللوزي وسمير صفير - رحمهما الله - وغيرهم، وبالتالي رصيد قرداحي «السياسي» لا يعدو عن تكرار عبارات المديح بالمقاومة ونظام الممانعة للرهان على طرف يرى فيه قرداحي الأقوى حاليا لتأمين طريق الوصول الى المقعد السياسي، عبر التقرب من قائد تيار المردة سليمان فرنجية سليل عائلة فرنجية السياسية، التي لطالما ارتبطت دومًا بعلاقات طيبة مع رأس النظام في سوريا. 

لكن كل ذلك يبقى في اطار الانتهازية السياسية داخل لبنان، وحسابات تسمية الوزراء عبر التيارات المختلفة، اما ان يتبرع وزير لبناني بالاساءة الى الخليج، فهذه المسألة اكبر بكثير من طموحات المذيع الذي أراد ان يكون سياسيا. بل هي الاستراتيجية التي يتبعها النظام الإيراني فيما يعرف بـ‏TERRITORY FENCE، أي سياج الإقليم، وهي استراتيجية اتبعتها دول عبر التاريخ منها بريطانيا العظمى خلال الحقب الاستعمارية، حيث لم تكن لتسمح بأي نفوذ او حضور لمن تعتبرهم خصومها السياسيين، لكنها لم تكن لتصرح بذلك بشكل علني لتحافظ على شكل من اشكال السيادة لمن تستعمرهم، بل تقوم بتحريك طرف محلي، ليشن هجوما مسلح او يصدر بيان يرفض به هذا الوجود ويضع لهذا الرفض اعتبارات وطنية، تماما كما حاول قرداحي ان يتذاكى ويضع وجبة المديح لجماعة الحوثيين في اطار مقاومة وطنية ضد غزاة! لقد اتبع النظام الإيراني هذه الاستراتيجية بالتعامل مع العراق ما بعد اسقاط نظام الرئيس صدام حسين، ففي الوقت الذي كان يتطلع سياسيون عراقيون لاعادة العراق الى حضنه العربي، وخطط اعمار العراق، كانت تخرج شخصيات دينية وسياسية لتشن هجوما لاذعا على الخليج ودول عربية. لقد كانت الأمور اشبه بمهمة محددة، لا نفوذ الا لإيران هنا، وهذا تماما ما دفع بأحد رجال الدين العراقيين في عام 2004 للخروج بتصريحات تثير السخرية غلفها بالحرص على العراق بالقول «ما نريد علاقات مع الخليجيين» على أساس الحرص على سيادة العراق، لكن المثير للسخرية، ان هذه التصريحات جاءت في وقت كان في كل مدينة عراقية قوات اجنبية، وشركات امن وحماية توظف مقاتلين من أمريكا اللاتينية نظير الحصول على «غرين كارد»، هذا بالطبع خلاف الميلشيات المسلحة التي دخلت الى العراق من ايران، وأصبحوا مواطنين عراقيين والمقاتلين الذين دخلوا عبر الحدود السورية وجميعهم كانوا حديثي التخرج من «مدرسة» السجون العسكرية في سوريا بتخصص «إرهاب»، ومع ذلك رجل الدين صاحب التصريحات «الملغومة» كان يخشى على «سيادة» العراق من الخليجيين فقط! 

اليوم لبنان في وضع اقتصادي وسياسي وامني بائس بسبب الاحتلال الايراني عبر المليشيا المدعومة ايرانيا المعروفة باسم حزب الله الإرهابي، والذي يمسك لبنان من عنقه، ومهما عبر اللبنانيون عن سخطهم وغضبهم من تردي الأوضاع في بلادهم، ورفضهم ان تكون لبنان منطلق للتهجم على محيطهم العربي، ودافعوا عن مصالحهم الاقتصادية والمعيشية، لكن ايران لن تسمح بهذا التقارب الذي لم يعد فيه أيضا فرص مجدية لذراعها هناك، فالخليج والعالم كله يتعامل بحذر مع فكرة المساعدات سواء المالية او اللوجستية لبلد تسيطر على مفاصل القرار فيه ميلشيا مسلحة تابعة لإيران، والكثير من كياناتها وشخوصها مدرجون على قوائم الاستخبارات المالية لمكافحة الإرهاب وغسيل الأموال. وبالتالي بقاء لبنان كفناء خلفي مغلق للنظام الإيراني هو السيناريو الذي تفضله ايران وميليشياتها، ويتبعه قرداحي وغيره من الذين لا ترى طموحاتهم ومصالحهم الشخصية في الأفق القريب أي تغيير!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها