النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11880 الأحد 17 اكتوبر 2021 الموافق 11 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:09PM
  • العشاء
    6:39PM

كتاب الايام

رسالة إلى شقيق.. في الخندق المضاد

رابط مختصر
العدد 11810 الأحد 8 أغسطس 2021 الموافق 29 ذو الحجة 1442

المقال «الأخير» للموسم 4 من سلسلة.. الأنصاري و«قديمه المتجدد»

تواصل «دارة الأنصاري للفكر والثقافة»*، بالتعاون مع جريدة «الأيام»، كناشر حصري، بإعادة نشر بعض مقالات أ. د. محمد جابر الأنصاري - بتصرف - وبقراءة للحاضر من ماض قريب. 

المقال نشر في التسعينيات في مجلة الشروق الإماراتية.



 

 

بينما يتحاور العالم، كل العالم، ويتقارب.. يحفر العرب في ما بينهم مختلف أنواع الخنادق المتضادة: خندق الفقر ضد خندق الغنى.. خندق الأصولية ضد خندق اللا – أصولية.. خندق المعتدي ضد خندق من اعتدي عليه.. إلخ. هذه الرسالة محاولة «عبور» إلى الخندق الآخر بغير سلاح الحقد والتدمير المتبادل.. بحثًا عن عروبة جديدة، مختلفة، لا تأكل أبناءها.

وهذا نص الرسالة:

أخي العزيز.. هناك..

الآن وقد جلسنا جميعًا، بجميع وفودنا من «ثوروية» و«رجعية» مع «العدو الإسرائيلي» إلى طاولة واحدة في واشنطن ومدريد وموسكو إلخ.. ألا تستحق المسألة - بعد - أن نجلس نحن، أنت وأنا، معًا، إلى طاولة عربية واحدة في أحد عواصمنا، لنسوي خلافاتنا التي أصبحت الخلافات «الوحيدة» التي يضرب بها المثل في الإضرار بالنفس وتدمير الذات، ومصدر سخرية العالم كله وعبثه وانتهازيته وإشفاقه، إن لم أقل ازدرائه؟

حسناً، إذا كنت ما زلت تتوهم - كما أوهموك - أنني «عدوك» وأنك «عدوي» فلنجلس -على الأقل- كما جلسنا مع «عدونا التاريخي» المشترك لنبحث عن شروط الصلح بيننا كما يتصالح «الأعداء» بالمنطق. منطق المصالح المتبادلة والأخذ والرد، أم إنه الصلح مع العدو والحرب على الذات إلى ما لا نهاية.

ألا ترى يا أخي أن الياباني تصالح وتعايش مع الأمريكي بعد أن تبادلا التدمير إلى حد الإفناء النووي؟

وأن الألماني تصالح وتعايش مع الفرنسي والإنجليزي بعد أن تقاتل المعسكران إلى حد التخريب الشامل للقارة الأوروبية التي اليوم تتوحد في عهد شتاتنا نحن؟

أليس من المفارقة المريرة لنا - أنت وأنا - أن نشهد تبخر أحلام الوحدة العربية وشواهد شتاتها.. مقابل تجسد حقائق الوحدة الأوروبية، وهم أمم بقوميات وألسن متفرقة ونحن أمة بقومية وعقيدة ولسان واحد؟ 

فإلى متى يستمر هذا الشتات وحفر الأخ لأخيه ونحن أعلم بحسب تراثنا المشترك - الذي آمل إنك لا زلت مؤمنًا به تراثًا مشتركاً بيننا - بأن من حفر حفرة لأخيه سقط فيها. فما أكثر السقطات التي أسقطنا بعضنا بعضًا فيها ونحن نتبادل الحفر.. فإلى متى؟ ألم نتعظ بعد من داحس والغبراء ومن مصير ملوك الطوائف، وأخيرًا لا آخر، من ضياع كل فلسطين وخراب لبنان والعراق الخ.. هذا حتى لا نذكر الخراب والتخريب النفسي والمعنوي الذي أصبح مظهر «الوحدة» الوحيد بين محيط وخليج؟.

 

 

]   ]   ]

يا أخي العزيز، افتح عينيك وأذنيك جيدًا.

إذا كان «العدو» الإسرائيلي يملي علينا شروطه في الغرب - كما فعل يوماً ما أجداده الصليبيون قبل أن ندحرهم بالوحدة - فإن سيول آسيا وخيولها آخذة تتجمع هي الأخرى في الشرق وتكاد أن تُغرقنا من جديد كما فعل أجدادها المغول والتتار قبل قرون.

ألا ترى وتسمع، صهيل الخيول، وقرع الطبول في سهوب القوقاز وتركستان وما وراء النهر من منغوليا إلى الأناضول؟

إن موجات السهوب الآسيوية مقبلة باجتياحاتها من جديد وستحرمنا ليس فقط من الاستقلال والكرامة، ولكن حتى من كسرة الخبز وقطرة الماء، فقد أخذوا كما ترى يحبسون مياه أنهارنا خلف سدودهم ويمنونا بقطراتها من بين أصابعهم - كما حجز آخرون نفطنا في خزائنهم الاستراتيجية - ونحن نمعن في إقامة السدود فيما بيننا ولا نجمع فيها غير دمائنا المهدورة ودموعنا المسكوبة في جانبي وجانبك. 

وبلا شك، كلانا يعرف حجم ما اقترفناه من أخطاء بحجم الجبال ضد بعضنا.. ولن يجدي الآن أن تنظر إلى رجلك المكسورة وأنظر إلى ذراعي المهمشة ونجدد في بعضنا نقائض جرير والفرزدق إلى ما لا نهاية.. غير نهايتنا.

المجدي أن ننظر في الأسباب العميقة التي أدت إلى هذا الصراع العبثي الانتحاري بيننا بشكل يهدد وجودنا المشترك، وأن نعمل على معالجتها، من دون إبطاء، ومن دون ازدواجية بين قول وفعل.. فلشدة ما قتلتنا هذه الازدواجية بين أقوال نقولها وفعل لا نفعله. و((كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما تفعلون)).

هل رأيت يا أخي، كيف أسقط الألمان الشرقيون الجدار بينهم وبين جيرانهم في ألمانيا الغربية وذهبوا هم ليتحدوا معهم؟ لماذا؟ لأن ألمانيا الغربية قدمت النموذج المشع لأهلها في الشرق وجسدت أمامهم القدوة الصالحة التي تجذب وترغّب ولا تنفّر، فانطلقوا إليها راغبين من دون حاجة إلى احتلال وضم ونهب وتخريب وتقتيل!

 

 

لماذا لا يفعل دعاة الوحدة من العرب ذلك؟ ودعاة الديموقراطية؟ ودعاة الإسلام؟ ودعاة التقدم؟ وعليهم جميعًا أن يتوقفوا عن التنظير والتبشير لصالح الإنجاز الملموس والقائم على القدوة الصالحة والنموذج المشع المقنع في السلوك والممارسة والالتزام، وإلا فهو استمرار لضياع بين دعوة وأخرى، وشعار وآخر بلا جدوى، وبمزيد من الكوارث والتراجعات.

الإسلام في انطلاقته الأولى، لم ينتشر إلى من خلال النموذج الإنساني الرائع في العمل والتسامح الذي قدمه دعاته الأولون للعالم كله، لم ينتشر بالشعارات والتهديدات.. ولا بالتناقض الرهيب بين القول والفعل كما نفعل الآن.

ثم يبقى أن أية نهضة حقيقية مجدية وفاعلة لن تتحقق إلا إذا التزمت بأسس البناء الحقيقي تحت أي شعار كانت وبأية أيديولوجية أو دعوة. وأسس البناء واضحة لا يختلف عليها أي مجتمع متقدم عن غيره، هي أسس العمل المنظم والالتزام بقيم الإنتاجية، هي أسس المواطنة الشاملة العادلة للجميع بلا تمييز، هي أسس الانضباط في السلوك المجتمعي الحضاري من أبسط القواعد المرورية في الشارع.. إلى أعلى القواعد السياسية في الحكم والدولة.

إذا استمر رسوبنا في هذه الأسس والقواعد والالتزامات التي لا يفلح من دونها أي مجتمع وأية أمة في هذا العصر، فإنه لن ينقذنا أي شعار مهما كان مباركاً ومقدساً، لأن الله سبحانه يقول لنا منذ البدء: ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)). وهذا يعني أن أية دعوة - حتى لو كانت دينية وإلهية - لن تغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم أولاً.

]   ]   ]

وبعد تبين كل ذلك، فلا بد يا أخي، أن نتحادث حديث المصالح المتبادلة، فهذا هو منطق العصر، ومنطق الحياة منذ القدم. وإن أردت - يا أخي - مصلحة من أخيك، فلا تطالبه باسم الأخوة المجردة، وإنما اشفع ذلك بتقديم منفعة بالمقابل له. 

إن أردت مالاً، وفر له حماية (لا تهديدًا!)، وإن أردت نفطًا فقدم له ماءً أو ثمرًا أو زرعًا.. وهكذا، ولا عيب في ذلك، بل هي الأجدى والأضمن لاستمرار الأخوة. أما التهديد والابتزاز باسم الأخوة، فماذا يبقيان منها؟

ولعلي أطلت عليك، أيها الأخ العزيز في الخندق.. «المضاد»..

فهل لي أن أسمع صوتك، كي لا يبقى صوتي صوتًا وحيدًا صارخًا في البرية. قل لي. بمَ تفكر وأنت تحبس نفسك في خندقك المضاد؟.

أي عتاب؟ أي انتقاد؟ أية هواجس؟

أريد أن اسمعك وأسمع منك وأسمع عنك. كيف ترى أنت الصورة من هناك؟

لعلنا يومًا ما - عساه قريبًا - نجمع الصورتين في لوحة عربية كبيرة واحدة نقف جميعنا في إطارها، وهذه غايتي من وراء هذه الرسالة.

وبانتظار رسالتك، بل رسائلك.. دمت وسلمت لأخيك.  

 

 

وكل عام وأمتنا العربية بخير.. وإلى لقاء قريب مع موسم جديد من قديم الأنصاري المتجدد.

 

* دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية تهدف إلى الحفاظ على إنتاج الدكتور الأنصاري وأعماله الفكرية والأدبية التي اهتم بها وركز عليها طوال مسيرته العلمية، وفي مقدمتها، التعريف بالجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية والتراث العربي ومطالبته بصحوة فكرية وثقافية لأمة العرب، وإتاحتها للمختصين والمهتمين للبناء عليها وإثرائها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها