النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11852 الأحد 19 سبتمبر 2021 الموافق 12 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

د. محمد جابر الأنصاري

الوصايا العشر.. للإعلام العربي!

رابط مختصر
العدد 11803 الأحد 1 أغسطس 2021 الموافق 22 ذو الحجة 1442

الموسم الرابع من سلسلة الأنصاري و«قديمه المتجدد»

تواصل «دارة الأنصاري للفكر والثقافة»*، بالتعاون مع جريدة «الأيام»، كناشر حصري، بإعادة نشر بعض مقالات أ. د. محمد جابر الأنصاري «بتصرف» وبقراءة للحاضر من ماض قريب. 

المقال من كتاب «هل كانوا عمالقة؟» الصادر عن المطبعة الحكومية التابعة لوزارة الإعلام سنة 1980.



 

 

كل مرحلة تتطلب نوعًا من الإعلام يتلاءم مع طبيعتها ويواجه احتياجاتها وضروراتها. والمرحلة الحالية المتصفة بكثافة التحديات حول منطقتنا وبازدياد وعي المواطن ورغبته في معرفة الحقائق كاملة غير منقوصة وبالجرأة في مواجهتها وتحليلها.. هذه المرحلة تتطلب إعلامًا يتصف بالشروط التالية، حتى يتوافر لدينا ذلك الإعلام القادر على المشاركة في صنع الاحداث، لا مجرد اللحاق بها.

أولاً: الإعلام السليم ينبع من مجموعة الحقائق الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تملكها الأمة، أيًا كانت تلك الحقائق.. وسواء كانت حقائق رائعة أو متواضعة أو مرّة. هذه هي «ألف باء» علم الإعلام وفنه.. وأخلاقه! 

فالحقيقة هي الحليف الأكبر للإعلامي، إن صادقها كانت خير معاون له، أيًا كانت صفتها، وإن جافاها فقد على المدى الطويل مبرر وجوده. 

ثانيًا: الإعلام لا يستطيع خلق حقائق جديدة غير موجودة. إنه يستطيع إجلاء الحقيقة القائمة كأنصع ما يكون، وأوضح ما يكون، أمام أنظار الرأي العام المحلي والخارجي – وهنا سر نجاحه وقوته – لكنه إن تورط في «فبركة» حقائق غير موجودة فإنه يدخل في منطقة الدعاية «المغرضة».

ثالثًا: والدعاية غير الإعلام. إنها الإعلام المزيف. الإعلام المضاد للحقيقة والمستهين بوعي الأمة. وهذا النوع من الإعلام الدعائي هو بداية الانزلاق نحو الكوارث القومية، لأنه يحول الوهم إلى حقيقة. ثم يُصدق الوهم وينطلق به – مع الأمة – إلى الكارثة.

والتاريخ يمدنا بأمثلة واقعية على ذلك، الإعلام النازي في الحرب العالمية الثانية انطلق بالأمة الألمانية وبالقيادة «الهتلرية» ذاتها إلى الهزيمة فالانتحار.. لأنه سخر من الحقيقة، وسخرها لخدمته، فانقلبت عليه في النهاية وكشفت زيفه. والمثال الآخر، الإعلام العربي قبل كارثة حزيران 1967، كان من أهم مسببات الهزيمة، لأنه لم يتحالف مع الحقيقة، بل كان حليف المبالغة والتهويل والبهرجة، حتى انكشفت الحقائق.. فدمغته، ذلك لأن حبل الكذب قصير، أقصر مما يتصوره الكثيرون.

رابعًا: من هنا، لا تستطيع أمة أن تقول عن نفسها إنها أمة متحضرة بينما سلوكها ينم عن عدم التحضر. كما لا تستطيع أمة أن تقول عن نفسها إنها متضامنة بينما هي أمة متناحرة. وهذا ينطبق على الحكومات في سياساتها والمؤسسات في أعمالها.. الإعلام هو التعبير عن مجمل الحقائق في أي ميدان، أو هو البحث عنها أو الحوار في سبيل التوصل إليها.

خامسًا: الإعلام ليس صوتًا جهيرًا واحدًا يسمعه شعب صامت.. الاعلام الناجح هو محاورة.. هو صوتان: صوت الحكومة وصوت الشعب في تحاور مستمر إيجابي ومخلص للوصول إلى الحقيقة المشتركة والمصلحة الوطنية العليا. وعندما يصير صوتًا جهيرًا من جانب واحد يصبح كالمغني الثقيل الدم الذي يتمنى الجمهور إخراجه من الصالة!

سادسًا: الحقيقة وحدة متكاملة.. لا يوجد نصف حقيقة وربع حقيقة. الحقيقة ليست قطعة حلوى نقطعها إلى قطع صغيرة ونعطيها للأطفال وقت الحاجة. فالمواطن يعرف الحقائق بوعيه وضميره وباطلاعه على شئون العالم. إن أعطيناه نصف الحقيقة أعطانا ربع الثقة، فعندما تتجزأ الحقيقة تتجزأ الثقة. والإعلام الشريف والمهني لا يقبل أن تكون بينه وبين المواطن بقايا ثقة.. لأنه – ببساطة – يصبح عندئذ بقايا إعلام.

سابعًا: انتهى زمن الحملات الإعلامية المركزة وغسيل الدماغ.. غسله وإعادة تركيبه حسبما تريد تلك الحملات، بتكرار الدعاية التي تريد. وعندما يشعر المواطن بشيء من هذا، يتجه إلى مصادر إعلامية أخرى وحتى إلى مصادر معادية ليستقي منها الحقائق المحجوبة عنه. 

كانت هيئة الإذاعة البريطانية الناطقة بالإنجليزية تنقل إلى شعبها والعالم أقسى أخبار الهزائم في الحرب العالمية الثانية، وكان المذيع يبدأ النشرة بقوله: لدينا أنباء محزنة لكم هذا المساء.. ثم يقرأ النشرة. لهذا انتصرت بريطانيا في الحرب ضد النازية، لأنها قبل أن تتحالف مع أية قوة كانت متحالفة مع الحقيقة، فتحالف معها شعبها.

ثامنًا: الأمة أحوج ما تكون إلى الإعلام الصادق الصريح في أوقات التحديات والأخطار المحدقة بها. لأنها بقدر ما تدرك الحقائق تستطيع أن تجابه وأن تصمد، وبقدر ما تتهرب ويتم تضليلها، تفقد القدرة على المواجهة السليمة وينشل وعيها وتنشل ارادتها في لحظة الخطر. والإعلام السليم هو الذي لا يُخفي الخطر، بل هو الذي يكشف أبعاده أمامنا بوضوح فنعرف ماهيته. أما الإعلام المضلل فيعطينا صورة مموهة عن الخطر ويجرفنا إليه قبل أن تتكشف لنا حقيقته.

تاسعًا: الإعلام في أي بلد هو انعكاس للسياسة العامة لذلك البلد، فبقدر ما تكون تلك السياسة العامة منطقية ومقنعة وعادلة في حد ذاتها، يكون إعلامها منطقيًا وقويًا دون حاجة إلى بلاغة بارعة أو صوت جهير أو أي أسلوب من أساليب اللف والدوران. لا تنتظروا إعلامًا جيدًا – مهما بذلتم من أموال – إلا إذا توفرت سياسة عامة جيدة.. هذه حقيقة أساسية لا يمكن القفز فوقها.

إنني لا أحسد الإعلامي الجيد الذي يدافع عن سياسة عامة لا توفر له قوة الاقناع، ولا تمده بالمنطق السليم من صميم مبادئها وجوهرها، لا من بلاغته وبراعته الإعلامية المصنوعة.

عاشرًا: وأخيرًا، فالإعلام المقنع – في الداخل والخارج – هو الذي يقدم للناس قضية عادلة، سواء كانت قضية تنمية أو قضية استقلال أو قضية حقوق. فإذا كان الإعلام يفقد صداه إذا انفصل عن الحقيقة، فإنه يفقد اصالته وحرارته إذا ابتعد عن القضية.

والإعلام بلا قضية، هو كشعر المناسبات في المديح والهجاء والرثاء.. كلام كثير ومغزى ضئيل.

وباختصار، فالإعلام الجيد هو إعلام القضية القائمة على الحقيقة.

هذا أفضل تعريف في نظري لمفهوم الإعلام، فالحقيقة بلا قضية معلومات باردة جافة، وإن كانت صادقة. والقضية بلا حقيقة مطالب مبهمة بلا أساس.. وأتمنى على كل إعلامي أن يضع في مكتبه المعادلة التالية ليوازنها كل صباح:

حقيقة + قضية = إعلام جيد

وخير الإعلام ما قل ودل!

 

 

* دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية تهدف إلى الحفاظ على إنتاج الدكتور الأنصاري وأعماله الفكرية والأدبية التي اهتم بها وركز عليها طوال مسيرته العلمية، وفي مقدمتها، التعريف بالجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية والتراث العربي ومطالبته بصحوة فكرية وثقافية لأمة العرب، وإتاحتها للمختصين والمهتمين للبناء عليها وإثراءها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها