النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11860 الإثنين 27 سبتمبر 2021 الموافق 20 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

أفضل المبادئ.. وأسوأ الأوضاع؟

مثاليات فكرنا والواقع المسكوت عنه

رابط مختصر
العدد 11775 الأحد 4 يوليو 2021 الموافق 24 ذو القعدة 1442

الموسم 4 من سلسلة.. الأنصاري و«قديمه المتجدد»(4-3)

 

 تواصل «دارة الأنصاري للفكر والثقافة»*، بالتعاون مع جريدة «الأيام»، كناشر حصري، بإعادة نشر بعض مقالات أ. د. محمد جابر الأنصاري «بتصرف» وبقراءة للحاضر من ماض قريب. 

أولى مقالات الموسم 4 مقتبسة من محاضرة ألقاها الدكتور الأنصاري في العام 1998 (تنشرها الأيام على 4 أجزاء)، ويشكل موضوعها أحد محاولاته العديدة بحثًا عن الحلقة الغائبة بين الواقع والتطبيق في الحياة العربية الإسلامية عبر تفكيك وتحليل ظاهرة/‏‏إشكالية يواجهها ويعايشها العرب خاصة والمسلمين عامة، فهم على حد وصف الكاتب، يمتلكون أفضل العقائد والمبادئ والتعاليم ويعيشون في المقابل أسوأ الأوضاع على صعيد الممارسات والتطبيقات، فما هي الأسباب؟



د. محمد جابر الأنصاري

 

إن ظاهرة وإشكالية (أفضل المبادئ وأسوأ الأوضاع) لدى العرب والمسلمين هي بمنزلة الورطة التاريخية المستمرة إلى يومنا هذا.

 لماذا..؟ وكيف..؟ وما تفسيرها..؟ ومن المسؤول عنها..؟ وهل من طريق للخروج منها؟

يجهد مفكرونا الإسلاميون والقوميون وغيرهم من الاتجاهات السائدة في تبيان وجاهة مبادئ التسامح والشورى والعدل والوحدة وغيرها من المبادئ النبيلة والجميلة، وكأن المسلمين يشكون في صحة هذه المبادئ وسلامتها. حتى إذا عرضوها كأحسن ما يكون، توقفوا عند هذا العرض النظري الجذاب.. فلا يبينون لنا كيف نطبق هذه المبادئ في حياتنا وواقعنا، ما هي التنظيمات والمؤسسات، ما هي التقنيات، ما هي الوسائل العملية لنقل هذه المبادئ السامية إلى حيز التطبيق.

ولماذا ظلت هذه المبادئ في أغلب عصور تاريخنا وإلى يومنا هذا لا تجد طريقها إلى واقعنا المعاش الذي يتفق الجميع على إدانته مع العجز عن تقديم تفسير مقنع لاستمراره!

***

انتهينا في المقال السابق إلى تساؤل أزلي يدوم طرحه، لمعرفة أسباب بعض مظاهر اللاتسامح العنيف في التاريخ الإسلامي، ويأتي الرد بأن سبب ذلك النظر إلى المسألة بنظارة سوداء، كما أجاب الشيخ القرضاوي في إحدى محاضراته. وإذا كنا نتفق معه أنه من غير الملائم النظر إلى الواقع بنظارة سوداء، فإنه من غير الملائم أيضًا وصف الواقع من خلال نظارات وردية تمني المؤمنين بجنة المثاليات بينما هم يعيشون جحيم الواقع المر، وعلينا أن ننظر بمناظير صافية بلا ألوان ولا إيحاءات قدر الإمكان؛ لأنه إذا استمر هذا الفصام بين المثل العليا وواقع الحياة، فأخشى أن الكثيرين من العرب والمسلمين سيفقدون قناعتهم بتلك المثل العليا، كما هو حال الدعوة إلى الوحدة -عربية كانت أو إسلامية- في أيامنا هذه، بين أمثلة أخرى.

وعلينا أن نقرأ هذه المؤشرات المتشابكة بعناية إن كنا نريد تلافيها حقًا.. وعلينا أن ننتبه إلى واقع استمرار إغفال مفكرينا للعلاقة الجدلية بين الفكر والواقع، وبين مثاليات العقيدة وواقع حياة الأمة، والمسئولية هنا تقع على عاتق هذه النزعة المثالية التي تنزع إلى الوعظ والتبشير بالمبادئ المجردة دون مواجهة إشكاليات التطبيق المتعلقة بكل منها. إلا إنه من الإنصاف أن أشير إلى أن نفرًا من المفكرين الإسلاميين يقترب من التنبه لخطورة هذا الأمر، كالمفكر «طارق البشري» الذي يقر بأن الجانب التنظيمي والاجرائي العملي في الفقه الإسلامي هو في أضعف جوانبه. 

إن النفاذ إلى بحث موضوع التسامح في الحياة العربية والإسلامية، قديمًا وحديثًا، يدفعنا للإقرار بوجود الحقيقتين التاليتين المتعارضتين.. بصورة جدلية:

حقيقة كون الإسلام والحضارة الإسلامية أحد أهم النماذج العالمية المبكرة والرائدة في تحقيق قدر متميز من التسامح على مستويات عدة في الدين والفكر والاجتماع الإنساني والتعاطي الحضاري.

بإزاء هذه الحقيقة، لا يمكن التغاضي عن الحقيقة التاريخية المجتمعية الأخرى النقيضة، وهي أن البيئة العربية الإسلامية قد شهدت وتشهد، في الوقت ذاته، بعض أسوأ نماذج اللاتسامح والتعصب المقرون بالعنف الدموي، قديمًا وحديثًا وإلى يومنا هذا، ليس بين الأديان والمذاهب والقوميات والاجناس المتعارضة فحسب، ولكن داخل الدين والمذهب ذاته، وداخل الجنس الواحد ذاته، وداخل القبيلة والعشيرة الواحدة ذاتها، وبين فصائل الحزب الحديث الواحد والحركة السياسية المعاصرة الواحدة، في صراعات وحروب لا يحول الدين ذاته دون وقوعها كما في الحرب الأهلية الأفغانية وحروب الفصائل والمليشيات بين أمثلة حديدة أخرى.

وهذه الظاهرة المزدوجة المتناقضة الجديرة بالنظر، تقترن بها أيضًا مفارقة أخرى، وهي أن العرب والمسلمين بعامة أكثر تسامحًا مع غيرهم مما مع أنفسهم. فالمشكلة أساسًا ليست مشكلة العربي المسلم في التسامح مع غيره، بقدر ما هي مشكلته أولاً وقبل كل شيء في التسامح مع نفسه ومع أبناء جلدته وقومه ودينه. ومنذ القدم والعربي يتألم من «ظلم ذوي القربي الأشد مضاضة» كما عبّر عن ذلك شاعر البحرين طرفة بن العبد.

وفي أكثر من مناسبة تاريخية رفعت أطراف إسلامية الآية الكريمة: (لا اسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى) لتُذكر ذوي قرباها المنخرطين في صراع دموي ضدها بما تفترضه القربى من مودة وتسامح، وقد أشرنا في حديث سابق إلى ما فعله الأمويون والعباسيون بأنفسهم.

فكيف يمكن تفسير هذا التناقض بين تأكيد التسامح نظريًا ونقضه واقعيًا في الحياة العربية الإسلامية؟ 

ولا بد من الإشارة إلى أن قيمة التسامح كغيرها من القيم والمثل العليا ليس مجرد مبدأ ديني أو أخلاقي أو فكري يمكن إيصاله إلى أفئدة الناس وعقولهم بالموعظة الحسنة والخطبة البليغة، إذا كان واقعهم اليومي المعاش في أبعاده وحقائقه الأساسية يتناقض مع قيمة التسامح من حيث هو سلوك حي وتطبيق ممارس، فعلى أهمية التبليغ أو الموعظة الحسنة، بل والتربية المبكرة، فإنه ما لم تتلاءم حقائق الواقع المجتمعي والعلاقات الأساسية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مع هذه القيم، فإن النتيجة لن تكون غير تعميق الازدواج والتناقض في الشخصية الفردية والجماعية بين المثل المعلنة من ناحية.. والسلوك العملي الظاهر والخفي من ناحية أخرى. 

وهذا ملحظ عام في الحياة العربية والإسلامية لا يقتصر على مبدأ التسامح وحده، بل يشمل مبادئ الوحدة والشورى والعدالة التي نتحدث عنها كثيرًا باسم الإسلام ثم لا نجد شيئًا يُذكر منها في حياة المسلمين. وقد حان الوقت لنسمي هذا التناقض وهذا الازدواج باسمه، بل هذا الفصام الجماعي باسمه، وأن نحدق فيه تحديقًا علميًا غير متردد إذا أردنا الخروج منه دون تبريرات أو تنظيرات في مدح الذات وتضخيمها.. أو جلدها وتحقيرها بما لا يتطابق مع الواقع.

وللحديث بقية..

 

*دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية تهدف إلى الحفاظ على إنتاج الدكتور الأنصاري وأعماله الفكرية والأدبية التي اهتم بها وركز عليها طوال مسيرته العلمية، وفي مقدمتها التعريف بالجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية والتراث العربي ومطالبته بصحوة فكرية وثقافيةلأمة العرب، وإتاحتها للمختصين والمهتمين للبناء وإثرائها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها