النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11860 الإثنين 27 سبتمبر 2021 الموافق 20 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

أفضل المبادئ.. وأسوأ الأوضاع؟

مثاليات فكرنا والواقع المسكوت عنه

رابط مختصر
العدد 11768 الأحد 27 يونيو 2021 الموافق 17 ذو القعدة 1442

 تواصل «دارة الأنصاري للفكر والثقافة»*، بالتعاون مع جريدة «الأيام»، كناشر حصري، بإعادة نشر بعض مقالات أ. د. محمد جابر الأنصاري «بتصرف» وبقراءة للحاضر من ماض قريب. 

أولى مقالات الموسم 4 مقتبس من محاضرة ألقاها الدكتور الأنصاري في العام 1998 (تنشره الأيام على 4 أجزاء)، ويشكل موضوعها أحد محاولاته العديدة بحثاً عن الحلقة الغائبة بين الواقع والتطبيق في الحياة العربية الإسلامية عبر تفكيك وتحليل ظاهرة/‏إشكالية يواجهها ويعايشها العرب خاصة والمسلمين عامة، فهم على حد وصف الكاتب، يمتلكون أفضل العقائد والمبادئ والتعاليم ويعيشون في المقابل أسوأ الأوضاع على صعيد الممارسات والتطبيقات. فما هي الأسباب؟

 

د. محمد جابر الأنصاري

 

إن ظاهرة وإشكالية «أفضل المبادئ وأسوأ الأوضاع» لدى العرب والمسلمين هي بمثابة الورطة التاريخية المستمرة إلى يومنا هذا.

 لماذا.. وكيف.. وما تفسيرها.. ومن المسئول عنها.. وهل من طريق للخروج منها؟

يجهد مفكرونا الإسلاميون والقوميون وغيرهم من الاتجاهات السائدة، في تبيان وجاهة مبادئ التسامح والشورى والعدل والوحدة وغيرها من المبادئ النبيلة والجميلة، وكأن المسلمين يشكون في صحة هذه المبادئ وسلامتها. حتى إذا عرضوها كأحسن ما يكون، توقفوا عند هذا العرض النظري الجذاب.. فلا يبينون لنا كيف نطبق هذه المبادئ في حياتنا وواقعنا. ما هي التنظيمات والمؤسسات.. ما هي التقنيات.. ما هي الوسائل العملية لنقل هذه المبادئ السامية إلى حيز التطبيق. 

ولماذا ظلت هذه المبادئ في أغلب عصور تاريخنا وإلى يومنا هذا لا تجد طريقها إلى واقعنا المعاش الذي يتفق الجميع على ادانته مع العجز عن تقديم تفسير مقنع لاستمراره.

***

إن أول شرط لاستيعاب الواقع الشامل هو اختراقه من زاوية التاريخ، التاريخ كله بخيره وشره كما حدث، وتجنب النظرة الانتقائية التي تلتقي لحظات قصيرة متألقة من التاريخ وتتغافل، عن قرون طويلة من التخلف أو الظلم والظاهر المستحكمة والمستديمة. اعتقد أن الكاتب والسياسي اللبناني «الفضل شلق» قد وضع يده على حقيقة هامة، عندما قال: ((تكوّن لدى العرب وعي تاريخي زائف، يختفي فيه التاريخ عندما تنهار الدولة المركزية، دولة العرب الإسلامية، ثم تعود إلى الظهور فيما عرف بعصر النهضة.. نتيجة لذلك فإن العرب يسقطون ألف عام من تاريخهم بوعيهم المتلبس هذا)).

.. حقاً.. ومن مهام فكرنا العربي تسوية الحساب مع آثار الألف عام من التخلف، هذه الألفية التاريخية التي نتهرب منها إلى أمجاد صدر الإسلام.. بينما مجتمعاتنا وترسباتها المتصلبة نتاج طبيعي للألف عام من الجمود والتخلف.

وأنا ارجع للتعمق في العرض النظري للشيخ القرضاوي بشأن التسامح في الإسلام، على صعيد المبادئ والتعاليم، أخذت تشاغبني ذهنياً، الوقائع والشواهد التي يزدحم بها تاريخنا الإسلامي، والتي أخذت تحفر، مثل قوارض سد مأرب، ثغرات وفجوات خطرة تحت الأساس النظري الذي قدمه عن التسامح في الإسلام، والذي لا أجادل بشأن وجاهته مبدئياً ونظرياً، لكني أحس بعبء التاريخ وثقل الواقع ومعاتبة الضمير العلمي والأخلاقي.. وإن أنا قبلته دون تدقيق أو مساءلة.

وفي محاولتي لتصور التسامح الذي رسمه الشيخ القرضاوي، أول ما شاغب ذهني تاريخ البدايات على صعيد التسامح السياسي، الذي هو المحك لأي تسامح آخر، حوادث اغتيال ثلاثة من خلفائنا الراشدين الأربعة، رضي الله عنهم، وعلى الأخص الخليفة الثالث والخليفة الرابع في غمرة حروب أهلية تقاتل فيها كبار الصحابة المبشرين بالجنة في فتن دامية لم تعرف التسامح، وما زال الفكر الإسلامي حائراً أمامها، وما زالت تقسم المسلمين وتقلق الضمير الإسلامي إلى اليوم لدى مختلف الفرقاء. وإذا كان الخوارج هم العنوان الأبرز لهذا التسامح، فإنهم لم يكونوا الاستثناء الوحيد لهذه الظاهرة على مسرح الصراع السياسي في الإسلام.

وعلى شدة الأمويين ضد خصومهم في المعارضة وقصفهم الكعبة بالمنجنيق واستباحتهم مكة والمدينة في ظاهرة غير مسبوقة بين العرب في جاهليتهم، فإنهم كانوا الأشد بينهم على أنفسهم. حتى ذهب المؤرخين في القول – وعن حق – أن سقوط الدولة الأموية التي فتحت العالم المحيط بها، نجم على الأرجح عن اقتتال فصائلها الداخلية وأفخاذها العائلية وافتقارها إلى التسامح فيما بينها.

وجاء الشق الآخر من قريش قبيلة القيادة والدعوة في الحركة الإسلامية، جاء الهاشميون – رهط النبي – إلى السلطة بعد إسقاط الأمويين في معارك دامية، انتهت بأن أكل مؤسس الدولة العباسية طعامه على أجساد بقايا الأمويين الذين أمنهم ودعاهم إلى تلك المأدبة. فكان ما كان في تلك المذبحة التي أجمعت عليها مصادر التاريخ الإسلامي، والتي أكدت شهية السفاح، ليس للأكل فقط، وإنما للسلطة الحمراء بأية وسيلة، ولم تؤكد شهيته لأي مذاق من مذاقات التسامح الذي نبحث عنه في تاريخنا وكما حدّثنا عنه بإخلاص الشيخ القرضاوي.

والأدهى من ذلك، أن الهاشميين وقد وصلوا إلى السلطة ضمن جبهتهم المؤتلفة بين العباسيين والعلويين، باشروا سريعاً حرب التصفية بينهم وتعرض العلويون لاضطهاد أبناء عمهم بني العباس بما فاق اضطهاد الأمويين لهم، حتى قال قائل العلويين:

يا ليت جور بني مروان دام لنا يا ليت عدل بني العباس ما كانا

وعلى المتعجلين إلى عدل بني العباس في عالمنا العربي والإسلامي أن يراجعوا أنفسهم لئلا يتحسروا، بعد فوات الآوان، على عهد بني مروان، وجميع متغيرات العالم المعاصر ترجح أن منطق التاريخ منطق متطور متدرج طويل الأمد أكثر مما هو طفرة انقلاب.. لا تأتي إلا بما هو أسوأ مما انقلبت عليه.

وعوداً إلى مسار البحث، فإن التاريخ السياسي للمسلمين سار أكثر وأكثر في اتجاه معاكس لمبادئ الإسلام في الشورى والتسامح والعدل، وتصارع الأخوة داخل البيت العباسي، وأفنت الفصائل القرشية ذاتها، حتى خرج العرب جميعاً من موقع القيادة، وسيطر الأتراك وغيرهم من العناصر الرعوية الآسيوية، وأجهضت الحاضرة والحضارة وأخذ العسكري التركي يغتال الخلفاء واحداً بعد آخر، في ظل اصطراع الأعراق والشعوبيات والقبائل والمذاهب، مما يعرفه طلاب المدارس، ولكن يتحرج من التوقف أمامه لدراسته وتشخيصه من أجل تجاوزه، العديد من أعلام مدارسنا الفكرية.

لقد تسامح العرب إلى حد معقول مع غيرهم من الشعوب في ظل الإسلام، وتسامحوا مع مؤثرات حضارية عديدة في الشرق والغرب، ولكن دارس التاريخ العربي والإسلامي يصعب عليه أن يجد آثاراً مقنعة للتسامح السياسي في حومة التنافس والصراع بين الأطراف المختلفة، كما أن البنى المجتمعية العربية والمسلمة من قبائل وطوائف لم تتمثل الروح الإسلامية في التوحد والتسامح فظلت علاقاتها أقرب إلى الصراع منها إلى الوفاق معظم عصور التاريخ وإلى يومنا هذا!

 فما هي أسباب بعض مظاهر اللاتسامح العنيف في التاريخ الإسلامي؟ 

 

وللحديث بقية..

 

* دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية تهدف إلى الحفاظ على إنتاج الدكتور الأنصاري وأعماله الفكرية والأدبية التي اهتم بها وركز عليها طوال مسيرته العلمية، وفي مقدمتها، التعريف بالجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية والتراث العربي ومطالبته بصحوة فكرية وثقافية لأمة العرب، وإتاحتها للمختصين والمهتمين للبناء عليها وإثراءها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها