النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11891 الخميس 28 اكتوبر 2021 الموافق 22 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    4:59PM
  • العشاء
    6:29PM

كتاب الايام

مستشار جلالة الملك لشؤون الإعلام:

البحرين ومصر.. ورؤية من خلال ثورة 30 يـونيو

رابط مختصر
العدد 11767 السبت 26 يونيو 2021 الموافق 16 ذو القعدة 1442

لا يمكن أن نختزل العلاقات بين البحرين ومصر في الموقف المؤيد الذي اتخذته مملكة البحرين تجاه ثورة شعب مصر في 30 يونيو عام 2013م، العلاقة عميقة في مواقفها وفي أهدافها وفي فعلها، تجسد الفهم التاريخي للعلاقات بين البلدين.

فكلما نقرأ في كتاب مسيرة العلاقات البحرينية المصرية، تبدو لنا كلماته حميمة تختزل حالة تلاقي الشعبين والقيادتين، ربما لكون هذه العلاقة تدخل في المنظور الحضاري منذ بدء التاريخ وتتأصل في أفئدة القيادتين والشعبين الشقيقين.

إن الزيارات واللقاءات المتواصلة والمتبادلة فيما بين المسؤولين بالبحرين ومصر هي رفد متجدد لصرح العلاقات بين الدولتين يزيده صلابةً وتماسكًا أكثر.

إن مشاعر المحبة المترسخة في قلوب الشعبين الشقيقين ستبقى ما بقيت العروبة وبقيت مصر والبحرين.

كنت دائمًا أردد وأقول بإيمان وثقة: إنها من النوع والمذاق الخاصين، وتعبير عن مودة حقيقية وعميقة الجذور، ليست من النوع الذي تفتر حرارة جذوته بل تزداد وتتقد بقدر ما تحمله القلوب من المحبة والاحترام.

وليس بمنطق الجغرافيا التي تفصل فيما بين الدول وتباعد فيما بينها بالحدود.. وليس بقواعد البروتوكول والحواجز المصطنعة.. وليس بهذا ولا ذلك ارتبطت البحرين ومصر في علاقات الدولتين يوم بدأت، إنما بمنطق كان وما زال أساسه الحب والوفاء والأخوة المتبادلة في كل الأحوال والظروف.

وإن كانت مصر العروبة قد قادت انتصارات عظيمة شهد لها العالم، فإن مملكة البحرين والأمة العربية كلها كانت مع مصر وشعب مصر مؤيدة ومؤازرة، كل بإمكاناته التي سخرت بالكامل لدعم مصر وصمود مصر، وانتصارًا لشعب مصر العظيم.. فكان الانتصار مصريًا عربيًا أصيلاً رفعنا هاماتنا بعزة وشموخ.

والعلاقة بين البحرين ومصر ليست وليدة الساعة، على كل المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية.. والأهم العلاقة بين شعبين شقيقين تمتد في عمق التاريخ.. وحين نعود إلى الوراء وفي وقت مبكر من عمر النهضة في البحرين، حين أُعلن أحمد شوقي أميرًا للشعراء وذلك في عام 1927، وقد أوفد ملك البحرين آنذاك المغفور له الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة عددًا من الشيوخ والأمراء والمثقفين والأدباء البحرينيين إلى مصر للمشاركة في حفل شوقي، حيث قدموا له هدية البحرين، والتي جاءت على شكل نخلة جذعها وسعفها من الذهب الخالص، وبلحها من أجود أنواع اللؤلؤ البحريني الأصيل.. ولقد خلد أحمد شوقي هذه البادرة البحرينية بقوله الخالد بهذه المناسبة:

قلدتني الملوك من لؤلؤ البحرين ​​​​آلاءها ومن مرجانه

نخلة لا تزال في الشرق معنى​​​​ من بداواته ومن عمرانه

ويعكس شاعر مصر الكبير ذلك الشعور العربي الغامر الذي بدأت مصر العربية تحمل بذوره في نهضتها الحديثة ومشروعها التنويري الذي قادته لتنثر عبقها في الوطن العربي كله.

ولا شك في أنكم جميعًا تعلمون أن مصر في قلب كل عربي، فهي كما قال الشاعر أحمد رامي:

مصر التي في خاطري وفي فمي

​​أحبها من كل روحي ودمي

يا ليت كل مؤمن بعزها يحبها حبي لها

​بني الحمى والوطن من منكم يحبها مثلي أنا

هكذا هي العلاقة بين البحرين ومصر، صلبة وقوية وصادقة المحبة والوفاء، وجذورها في أرض الكنانة ثابتة تطرح نبت الخير ليس ليمتد إلى مملكة البحرين فحسب، بل إلى كل البلاد العربية.. فمن يحمل في قلبه نبض العروبة، ينبض قلبه في حب مصر وشعبها العظيم.

وهكذا نرى بكل المودة والمحبة تستقبل البحرين دائمًا الأشقاء من مصر، لتعبر عن امتنانها وامتنان العرب جميعًا لمصر العروبة والقلب النابض للأمة، مصر الموقف الصلب والصادق مع جميع الأشقاء العرب.

ونرى هذه الزيارات المتواصلة للمسئولين في البلدين، وهي دلالات السجل الحافل لما يربط بين البحرين ومصر، وهو سجل تاريخي مشرف جاء ثمرة لنهج أخوي ودبلوماسي حرصت القيادتان على اتباعه تحت شتى الظروف وفي مختلف المناسبات.

لقد حرص صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة على تأكيد تنامي هذه العلاقات بالقيام بزيارات متكررة لمصر العروبة، وحرص سيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي على القيام بزيارات مودة وتآخٍ تعبيرًا عن حبه للبحرين قيادة وشعبًا، ونقل محبة شعب مصر لشعب البحرين وقيادته.

واليوم تشهد العلاقات بين البحرين ومصر انطلاقة متجددة وتقدم نموذجًا حيًّا في الفعل والعمل العربي المشترك من أجل رفعة شأننا العربي ورفده بالحب المتأصل لتظل راياتنا العربية، رايات عز وحرية تخفق بشموخ في سمائنا العربية.

أستزيد قليلاً في مسألة تاريخية مهمة أسجلها هنا وقد تكون خافية عن الكثيرين فيما نتحدث عنه، لتكون كلمات تسجل مدى عمق العلاقة وأهميتها في ارتباط البحرين بمصر قيادةً وشعبًا، وهي إحدى المحطات المهمة نفتخر بها وبما تكون عليه مصر من مكانة في قلوب شعب وقيادة البحرين وكل الأمة العربية..

واسمحوا لي أن أقتبس من كتاب الضوء الأول لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين، كان جلالته في ذلك الوقت وليًّا للعهد وقائدًا لقوة دفاع البحرين.. يقول جلالته: إن ما جرى في خليجنا العربي عامة وفي البحرين خاصة يكاد يكون خافيًا على كثير من أبناء أمتنا العربية، فقد كان لقوة دفاع البحرين دور في حرب رمضان المجيدة عام 1393هـ، أكتوبر 1973م، وذلك بموجب قرارات مجلس الدفاع المشترك بالجامعة العربية، حيث أنيط بقواتنا مهمة إسناد المعركة من خلال ارتباطها بالقوات السعودية الشقيقة حال اشتراكها بالقتال على الجبهة الشرقية من ساحة العمليات أو على أية جبهة أخرى تحت إمرة القيادة المشتركة، وبناء على ذلك قمنا بتشكيل أول مجموعة قتال للاشتراك في هذا الواجب المقدس.

وإضافة إلى الدور العسكري، فقد كان للبحرين دورها في التضامن مع بقية الدول الشقيقة في وقف إنتاج النفط ومنعه عن الدول التي تساند العدو، هذا عدا عن إسهام البحرين أميرًا وحكومةً وشعبًا بالمشاركة الفعلية بالمجهودين المادي والمعنوي، تلك هي حقائق ساطعة وظاهرة للعيان.. لقد كانت الأمة العربية كلها في خندق واحد جسد الإرادة العربية والتلاحم العربي في وجه العدوان.. هذا الموقف جسد عمق العلاقة وحجم المحبة والتقدير من البحرين إلى مصر وشعبها العظيم.

هذه الصورة لما يجب أن تكون عليه العلاقات بين أي دولتين عربيتين، وفيما بين دولنا العربية جميعها، هي ما يجب أن نعمل على ترسيخها في الإنسان العربي، وأن نعمل على تنميتها وصيانتها في وجه كل محاولات التشويه والتخريب، وذلك كي نحظى بمكانتنا الطبيعية فيما بين الأمم والشعوب.

إننا نعيش اليوم في لحظات تاريخية حرجة وخطرة لأمتنا العربية، يجب أن نرتقي إلى مستواها، وأن نشد بعضنا إلى بعض بقوة متحملين مسئولياتنا، وأن نستنهض طاقاتنا سائرين جنبًا إلى جنب وكتفًا بكتف لنشكل سدًا منيعًا عصيًّا على الاختراق.

والارتقاء بالعلاقات يظل في صميم السياستين البحرينية والمصرية، فتعميق أواصر التلاقي والأخوة وصولاً إلى أعلى درجات التنسيق والتعاون هو مبدأ كرسته الدولتان بممارسات واقعية امتدت عبر التاريخ وبعزيمة وإرادة لا تلين ولا تعرف التراخي حتى في أشد الظروف.

وأخيرًا، لا بد من أن نؤكد أنَّ العلاقات بين مصر والبحرين تمتد إلى جذور تاريخية عميقة سبقت مرحلة بدء التمثيل الدبلوماسي الرسمي بين البلدين، لقد امتدت هذه العلاقة في العمق من خلال الترابط التاريخي بين الحضارة المصرية القديمة وحضارة دلمون في البحرين، ومن غرائب المصادفات أن فكرة الخلود في الحضارتين متقاربة إلى حد بعيد مما يوحي بصلة ما بينهما منذ تلك العصور.. واستمرار العلاقة المتميزة بين الشعبين الشقيقين على مر كل العصور، وكما أسلفت سابقًا أن مصر العربية بدأت تحمل بذور نهضتها الحديثة ومشروعها التنويري للدول والشعوب العربية كافة، والبحرين من خلال التواصل الحضاري مع مصر كانت تتقدم مستلهمة من المشروع التنويري المصري العربي عبر البعثات المصرية التعليمية التي قادت حركة التعليم والبناء الحضاري منذ عام 1919م.

 

* مقال لمستشار جلالة الملك لشؤون الإعلام نشرته صحيفة الأهرام المصرية 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها