النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11933 الخميس 9 ديسمبر 2021 الموافق 4 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:49AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

(အချစ်) تعني ما نفهمه كذلك...

رابط مختصر
العدد 11690 السبت 10 ابريل 2021 الموافق 27 شعبان 1442

في الحرب العالمية الثانية، طرأت حرب اشتد فيها الصراع. لم تكن هذه الحرب دموية بنتائجها المباشرة، بيد أنها لعبت دورًا محوريًا في إنهاء الحرب لصاح الحلفاء؛ تلك كانت حربُ الرسائل المشفرة، وتفكيك تشفيرها، والتي توجت بـ «آلة تورنغ»، ليكون (آلان تورنغ) لاعبًا أساسيًا في هزيمة النازية.

تعمل أدمغتنا، منذُ طفولتنا المبكرة، كآلة تشفير وفكّ التشفير، إذ يستطيع الطفل تفكيك شفرات لغة أهله، حتى قبل التحدث بها، فإن قلت لطفل لم يبلغ عامه الأول: «كيف يفعل بابا الشيء الفلاني»، فسيكون قادرًا على تمثيل هذا الشيء، كأن يصدر صوتًا أو حركة، رغم عدم مقدرته على الكلام، إلا أنه بات قادرًا على تفكيك المدخلات المرمزة (سؤالنا) عبر استيعاب الرموز المتمثلة في كلمات السؤال، وإدراك دلالاتها، ليمنحنا الإجابة.

فاللغة بما تحتويه من كلمات، هي رموز تفتقر للمعنى في ذاتها، وهذا ينطبق على المنطوق والمكتوب، فما من شيءٍ في الوجود اسمه «بحر» إلا حين تقرر جماعة من البشر إطلاق هذا المسمى على الماء الأزرق اللامحدود الأفق، الذي يمتاز بخواصه المالحة. فكلمة «بحر» لا تعني شيئًا لأجنبي لا يتقن العربية، هي تعني دلالاتها للمتقن للعربية، فالبحر اختزالٌ لمعنى لو أردنا تعريفهُ دون الاتفاق على كلمة توجزه، لاضطررنا لشرح يطول عن جملة أو فقرة، بيد أننا رفعنا عن كواهلنا العناء لنقول «بحر» وكفى، بدلًا من القول: هو تجمع من الماء المالح الذي يملأ محيطات الأرض، وفيه ما فيه من الكائنات، وتنتابهُ موجاتٌ من الموج...

فلو لا الاتفاق المسبق على الكلمة، أو الكلمات عمومًا، لاستدعى الأمر وقتًا من الشرح، بواسطة اللغة في حال عدم وجود مرادف، أو باستخدام الحركات والإشارات في حال عدم وجود مشترك لغوي، وهي ذات الأمور التي نعوض بها نسيان كلمة أحيانًا، بسبب شطحة نسيان مؤقتة، نضطر على إثرها لشرحٍ مطول، أو استخدام الإشارات، ليعيننا المقابل لنا على تذكرها، أو حين نُحدث شخصًا لا نعرفه لغته، ولا تجمعنا به لغةٌ مشتركة.

عندما نقرأ كلمة من قبيل «أوست»، تحاول أدمغتنا، عبر سلسلة من التفاعلات بين الخلايا العصبية والمشابك، البحث عن معناها في خزين الكلمات التي نعرفها سلفًا، والتي ترسخت على مدى أعمارنا، ولهذا يعمل الدماغ في هذه الحالة كمحرك بحث، بحثًا عن كلمة مقاربة تفك ترميزها الغامض. وقد تقترح أدمغتنا بعض المقاربات، أو التأكيدات بأنها ليست ضمن قائمة الكلمات التي سمعناها يومًا، لهذا فقد تكون من لغةٍ أخرى، إلا أن الدماغ عاجز عن إدراك معناها ما لم يمر به يومًا، أو نكون عارفين باللغة التي تنحدرُ منها هذه الكلمة، رغم أن معناها لا خلاف عليه بين البشرية، فهي تعني؛ ذلك الشعور الذي يغمرُ الأبوين لأبنائهم، أو الفتىً لفتاة... أنها كما تنبأ دماغك الآن، تعني «حب» بيد أنها بالنسبة للآيسلندي، مدركةٌ تمامًا بدلالاتها، تمامًا كما ندركُ «بحر» دون أي مشقة.

ولا يقتصرُ هذا على اللغة، بل على الكثير من الأشياء من حولنا، فأدمعتنا كما أسلفت تشبه نظام تلقي وتفكيك التشفير، وفق المعطيات التي نزودها بها، وهذا ينطبق على الرياضيات، والنوتات الموسيقية، والأصوات، والفنون، بل وحتى المفاهيم، والعتقدات.. فالعديد منا قد لا يرى في هذه الرمزية (E=mc2) أية دلالة، إلا أنها بالنسبة لفيزيائي أو مهتم بالعلوم، تعني الشيء الكثير، وعندما يراها تتراءى له عددًا من الصور والأفكار، وأول ما قد يتبادر إلى ذهنه، صورة آينشتاين. بينما لآخرين سيرونها رمزًا لمعادلةٍ ما، أو مزيج من الحروف والأرقام، لكن دون دلالات تصورها في أذهانهم أو تشير إلى شيءٍ ما بالنسبة لهم.

كذلك قد لا نرى أي معنىٍ في الرموز التالية: /»؛++ إلا وفق إطار مرجعي، بيد أنها تعني للمبرمج الحاسوبي رموزًا مقروءة، فحين ترد في سطر برمجي يستطيع المبرمج فهم ما تشير إليه، وهو قادرٌ على قراءتها، وكتابتها بشكلٍ ميسرٍ ومفهوم، رغم عشوائيتها بالنسبة لغير المبرمجين أو غير العارفين بلغات البرمجة.

تمامًا كما تفعل الأبجديات، فمن العصي علينا إيجاد أنماط في حروف لغات لم نعرفها يومًا، فعندما ننظر لكلمة  (အချစ်)، لا نرى سوى شخبطة، بيد أن العارف باللغة البورمية (لغة ميانمار)، قادرٌ على النظر لهذه الكلمة كما ننظر نحنُ لكلمة «حب»، بحروفها. وعلى العكس من ذلك عندما ينظر بورميًا لكلمة «حب» يرى ما نراهُ من شخبطات حين ننظر للكلمة المكتوبة بلغته  (အချစ်)، رغم أن كلا الكلمتين البورمية والعربية، تشيران إلى ذات المعنى، إلا أن أدمغتنا ألفة رسم الكلمة، وفق لغتنا الأم، فصارت نسقًا منطقيًا يحملُ المعنى بكل وضوح.

هذا الاعتياد، وإدراك الدلالات، هو ما يجعلنا نتوقف عند الإشارة الحمراء، دون أن نقول لأنفسنا: حسنًا، اللون أحمر، يفترض بي التوقف، لأن عدم التوقف قد يتسبب بموتي، وموت الآخرين.. أنت لا تقول ذلك، لأنك رمزت اللون، وأقرنتهُ بالتوقف، منذُ علمت عن هذه العلاقة أول مرة. رغم أدراكك بأن الأحمر، لا يعني التوقف في ذاته، إنما هو الاتفاق البشري، الذي أقرن هذا اللون بالتوقف، كما صارت كلمة «بحر» تعني ما تعنيه، وكل ما تقرأهُ الآن مقروءًا ومفهومًا.. إنه الاتفاق الذي تلزم به نفسك طوعًا أو جبرًا، بوعيٍ أو لاوعي، ليصير ذا معنى ودلالة.

بناءً على ذلك، ما إن ندرك ترميز الأشياء حتى تصيرُ ذات دلالة، بغض النظر عن كونها متصلة أو لا بجوهرها أو منطقيتها. فإدراكنا لدلالة الرمز هو ما يجعلهُ مألوفًا ومنطقيًا أحيانًا، ويجعل الغريب من قبيل (E=mc2)، أو (အချစ်) يبدو لا منطقيًا، ولا يحوي أية دلالة تدركها أدمغتنا.

كما يلعب السياق دورًا في تحديد الدلالة أو المعنى، يتجاوز المعنى ذاته، فكثيرٌ من الكلمات المستخدمة في يومياتنا، تحمل دلالات تتجاوز معانيها، وهذا ما يجعل الشتائم فضاءً مفتوحًا لاستييعاب الدلالات وعكسها، والأمر يمتدُ للمفاهيم التي نحملها، فلشدة ألفتها نحسبها معايير للوجود، فيما هي أمورٌ ألفناها أكثر من كونها معايير وجودية، أو جوهرية، أو منطقية؛ فما منطقية الرسم العربي لكلمة «حب» في قبالة الرسم البورمي (အချစ်)؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها