النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11725 السبت 15 مايو 2021 الموافق 3 شوال 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:23AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

الكوما مه

رابط مختصر
العدد 11683 السبت 3 ابريل 2021 الموافق 20 شعبان 1442

استفاق من غيبوبته التي باغتته إثر حادث خارج عن الإرادة والسيطرة، لم يكن لحظتها يدرك بأنه مقيم في العناية القصوى بالمشفى لتلقي العلاج، وكان كل ما يدركه حينها بأن السرير الذي كان مستلق عليه هو نفس السرير الذي في غرفته المنزلية، لم يكن يعرف أيضا أن المدة التي قضاها في المشفى قد جاوزت الخمسة أشهر وما يربو عليها بأيام لتلقي العلاج، ولم يكن مضطرًا حين استفاق للبقاء في هذه الغرفة طالما هو في كامل وعيه الآن، وطالما هو لم يجد لحظتها في هذه الغرفة من ينبهه لحالته الصحية الصعبة المباغتة التي عانى منها سريريا بسبب الغيبوبة طوال فترة إقامته في المشفى.

توجه لدورة المياه وقام بواجب النظافة اليومي كما هي العادة ثم انتعل صندله المجاور للسرير وتوجه كما هي العادة أيضا نحو مواقف السيارات دون أن يولي اهتماما لرداء المرضى الذي يرتديه أو العيون التي تراقب خطواته المتسارعة التي تسابق الريح باستغراب في أروقة وممرات المشفى، أو الكمامات التي تقنع وجوه الممرضين والأطباء والمرضى وعائديهم، كل ما كان يشغله الآن وكما هي العادة الكتب الجديدة التي ستعرض اليوم في معرض الكتاب والتي ألهته عن كل من وما حوله عبر المكالمة الهاتفية اللهاثية التي أجراها مع أحد أصدقائه والذي لم يستوعب بعد صحة تعافيه من هذه الغيبوبة من عدمها.

في موقف المشفى الكبير الكثيف الواسع المكتظ بالسيارات والناس وجد نفسه بملء رغبته منحشرا في المقعد الأمامي بسيارة صديقه دون أن يسأل حتى عن هوية هذا الموقف أو الموقع أو عن مرتاديه، فهو الآن غاب ريح أو أدنى من معرض الكتاب. توجهت السيارة نحو مركز المعارض الدولي، وهو الموقع الذي يقام فيه معرض الكتاب سنويا، وكان الحديث حينها وطوال الوقت يدور عن الكتب والمكتبات والاصدارات الجديدة التي ستباع في هذا المعرض، كما لم يكن حينها باستطاعة صديقه أن يستوعب ما يحدث وما يدور في رأس هذا الذي نهض للتو من غيبوبته وأمره بالتوجه إلى معرض لم يكن هو على علم بيوم إقامته أو إن كان سيقام أصلاً أم لا.

سلم أمره لله دون أن يقلقه بحالته الصحية والذهنية أو هيئة مظهره العامة المربكة والمضطربة أو يخبره بأن مكتبات أصدقائه التي مروا ناحيتها في أثناء توجههم لمركز المعارض الدولي كانت مغلقة بسبب تفشي وباء كوفيد-19 الفاتك في البلد والعالم، المهم أنه سلم أمره لله وانساق لرغبته طائعا حتى بوابة مركز المعارض.

هنا وعند البوابة الخارجية تحديدا هتف بفرح شديد: واوووووو المركز مكتظ بالسيارات والناس.. واوووووووو.. بالتأكيد المعرض رائع والدليل هذا الإقبال الكبير والكثيف على الكتب.. انظر إلى السيارات جيدا.. بعضها لأصدقاء وكتاب وشخصيات أعرفهم جيدا.

لم يعرف صديقه حينها وفي لحظة أوج فرحه ماذا يمكن قوله له، كل ما في الأمر أنه استسلم لرغبة وفرح صديقه الحالم وركن سيارته في أحد المواقف ورافقه حتى إحدى البوابات الداخلية لمبنى المركز دون أن يعاكس أو يخالف أو يعارض توقعاته. وكان الحارس المقنع بالكمامة له بالمرصاد: أين كمامتك؟ هو: أي كمامة تعني؟ الحارس مستغربا: ألم تر صديقك الذي التزم بارتداء الكمامة ولم يخالف القوانين؟ تفحص وجه صديقه وكما لو أنه يراه للمرة الأولى ثم سأله مستغربًا: لماذا تتقنع بالكمامة؟ ألسنا في معرض الكتاب؟ 

صديقه مستدركا وهو يستل كمامة من جيبه: خذ هذه، فلربما هناك بعض الفيروسات المضرة في المعرض فاضطرونا مرغمين لارتدائها.. ربما.. ربما.. لم يستطع أن يثنه مباشرة عن رغبته الجامحة لزيارة المعرض واقتناء الكمامة، خشية أن تصدر منه ردود أفعال معاكسة وغير متوقعة، فلجأ إلى هذه الحيلة حتى يدرك هو بالتدريج ما الذي يحدث الآن في البلد والعالم.

وعندما كمم وجهه رأى لأول مرة الوجوه كلها وكما لو أنها قناعا كبيرا ضخما يزحف لالتهام المعرض كله بمن فيه.. حينها لم يتمالك نفسه من التعبير عن الرعب والهلع والفزع اللذين اجتاحوا روحه الشفيفة التواقة لجمال المعرفة، فقد انتابه شعور بالدوار والاختناق وكما لو أن هذا القناع الشبحي الهائل قذف بهذه الروح إلى لجج الهلاك الأسود وتياراتها الجحيمية الهائجة..

هو: ابعدوها عني.. ابعدوها.. إنها تخنقني.. آآآآآآه ه ه.. صديقه مطمئنا إياه: ألف لا بأس عليك يا صديقي.. لا تقلق.. حاول كالمضطر لاستعادة أنفاسه لبعض الوقت، فلعله كابوس وانقضى أمره.. لحظة إذ دخل وصديقه القاعة الكبرى بالمركز توجه لإحدى الممرضات اللواتي انتشرن مع زملائهن الممرضين في أطراف وأنحاء القاعة ووسطها وسألها: لو سمحت.. هل هذا مركز المعارض الدولي؟ نظرت الممرضة إليه باستغراب: نعم.. هو.. هو: وهل غيروا موقع معرض الكتاب؟ هي باستغراب أشد: وهل هناك من أخبرك بأن هناك معرض للكتاب سيقام هنا وهذه الأيام تحديدا؟ صديقه للممرضة مداريا حرج صديقه: نعم هناك معرض للكتاب سيقام ولكن ربما تم تأجيله إلى.. الممرضة وهي تضحك: إلى أجل غير مسمى.. 

فجأة يتحلق الممرضون والممرضات والحراس حول الحالم بمعرض الكتاب.. هو: يبدو أنني قصدت المكان الخطأ.. آسف.. آسف.. إذن ربما يكون المعرض في إحدى القاعات الأخرى بالمركز.. الممرضة: لا قاعات ولا معرض ولا يحزنون.. إذا أردت كتبا مختصة في الفحص والفيروس واللقاح ومخالطة المصابين فهي متوافرة لدينا بكثرة في هذا المعرض.. نحن نطهر المركز وقاعاته من فيروس كوفيد-19.. هل سمعت عنه؟ هو وهو يحملق باستغراب وحرج في وجه صديقه ثم في وجوه الممرضين والممرضات والحراس: كوفيد-19.. يعني تطهير المركز من الكتب؟ الحراس يتقدمون نحوه.. هو باستغراب: ما الخطب؟ 

الممرضة وهي تحملق في رداء المرضى الذي رافقه من مشفى الغيبوبة حتى مركز العلاج من كوفيد-19: هل أنت مصاب؟ هو وهو يصرف نظره إلى اليافطة المعلقة على الجدار الخلفي للممرضة: مصاب.. لا.. لا لا.. أنا فرد من (مجتمع واعي). هي: إذن لماذا ترتدي رداء المرضى؟ هو وكما لو أنه يكتشف رداء المرضى لأول مرة.. صديقه للممرضة مستدركا: المعذرة.. المعذرة.. إنه لشدة شغفه بمعرض الكتاب نسي أن يغير زيه بعد تعافيه من الغيبوبة.. هو باستغراب: غيبوبة.. الممرضة: أقترح عليك التوجه للقاعة (2) للتأكد من أنك غير مصاب بالفيروس أو أحد المخالطين للمصابين به.. هو: مصاب.. مخالط.. غيبوبة.. ما الحكاية؟ الممرضة لصديقه: لتتأكد من حالته.. لا تقلق.. الصديق: ولكنه.. الحراس يقودونه إلى إحدى قاعات الفحص.. الصديق: لا بأس.. للتأكد يا صديقي فحسب.. أنا بانتظارك هنا.. لا تقلق.. هو: لا تنسى يا صديقي.. إذا تأخرت.. كما اتفقنا.. اشتر الكتب التي أخبرتك عنها في الطريق.. الصديق: لا تقلق.. سأشتريها.. سأشتريها.. هو: ليس الآن.. عندما يخلو المعرض من مرتاديه المرضى.. ولا تنسى أن تنزع الكمامات من وجوه الكتب.

في العناية القصوى بالمشفى.. هو يستفيق من غيبوبته.. يصافحه الأطباء والممرضون والممرضات بابتساماتهم العريضة الودودة، وبمجرد النهوض من سريره والابتسامة تكتسي محياه كله، تقترب الممرضة منه ومن ثم برفق ملؤه الرقة والمحبة تضع الكمامة الطبية المخروطية السميكة البيضاء على وجهه وهي تقول له: من أجل سلامتك.. تبتسم.. الكل يبتسم.. هو قبل أن يغط في غيبوبة عميقة طويلة مجهولة الأمد، رأى ذات طرفة عين، الكمامات وهي تحلق كحمامات سلام بيضاء وادعة في غرفته وفوق سريره.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها