النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11933 الخميس 9 ديسمبر 2021 الموافق 4 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:49AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

حين تشوّه الشاشة تصوّراتنا

رابط مختصر
العدد 11683 السبت 3 ابريل 2021 الموافق 20 شعبان 1442

إن أكثر ما نراهُ في يومنا، هي شاشات هواتفنا التي نرى العالم من خلالها، فتتشكل على إثرها تصوراتنا عنه. ففي حياتنا اليوم، تعدُ الشاشة جزءًا أساسيًا، نتلقى عبرها الأخبار في كل آنٍ، سواءً كان الخبر بمفهومه التقليدي المرسل من وسيط إعلامي معتمد أو بمفهومه الحديث المتمثل في الإعلام مفتوح المصدر، الذي ينقل المعلومة بمختلف صورها، لنتلقاها عبر مختلف الوسائط التي نتفحصها في كل لحظةٍ من لحظات يومنا.. هذا التفحص لهُ تأثيرهُ على التصورات التي تتشكل في أذهاننا، لكن كيف لهذه المعطيات أن تحرف تصوراتنا عن الواقع؟

 

«أن يعضّ الرجل كلبًا»

أولى العبارات التي يتلقاها طالب الصحافة والإعلام، عبارة شهيرة تقول: «ليس الخبر: أن يعض الكلب رجلاً، بل الخبر: أن يعض الرجل كلبًا». تشكل هذه العبارة، بنية مفهوم الخبر في الإعلام التقليدي، حيثُ تؤكد على ضرورة أن يكون الخبر ذو جانب يستحق الإخبار عنه، وليس اعتياديًا، ككل الأشياء التقليدية في حياتنا اليومية؛ ألنا أن نتصور خبرًا يفيد بأن بلدةً ما رزقت بمولود؟ ألهذا الخبر معنىً في ظل مئات أو آلاف المواليد المولودين صبح مساء في هذه البلدة؟ لكن ماذا لو أصيبت هذه البلدة بمرضٍ غامضٍ تسبب في عقم سكانها على مدى سنوات؟ في ظل ذلك، فإن خبر من قبيل ولادة طفل ستمثل حدثًا استثنائيًا تسلط عليه الأضواء، وتتداولهُ مختلف المنصات، والأفراد، أما الصحف، فستجعلهُ «مانشيتًا» في صفحاتها الأولى.

لهذا فمهمة الصحفي والإعلامي، وحتى الفردُ العادي اليوم، الذي يودُ استقطاب أكثر عددٍ من المتابعين، أن يركز على الغريب والاستثنائي؛ فما نزال نسمعُ عن كل حوادث سقوط الطائرات، حتى لو وقعت في بلادٍ بعيدة، فيما لا نسمعُ عن كل حوادث السير التي تقع بشكلٍ يومي، فحادث كسقوط طائرة، ما يزال يمثل حدثًا نادر الحدوث.

 

الخوف من 0.01% في قبالة تجاهل 59.7%

في دراسةٍ نشرها موقع «Our World in Data»، بعنوان «هل تعكس الأخبار ما نموت بسببه؟»، بينت أن 59.7% من حالات الموت في أمريكا سببها أمراض القلب، والسرطان مجتمعةً، فيما مثل الموت بسبب الحوادث الإرهابية ما مقداره 0.01% من حالات الموت الإجمالية، بيد أن التغطيات الإعلامية في صحيفة «نيويورك تايمز» مثلًا، غطت أحداث الموت بسبب الإرهاب بمقدار 35.6%، فيما لم تتجاوز تغطية أمراض القلب، والسرطان مجتمعةً 16%. هذا يعني بأن حوادث الإرهاب مغطاة إعلاميًا بنسبة 356000% مقارنةً بحدوثها، ولتصور عظمت الأمر، تخيل أن تستثمر 100 دينار، فتضاعفُ إلى 356 ألف دينار!

تبين لنا هذه الأرقام الفارق الشاسع بين الإرهاب كواقع، والإرهاب كحضورٍ إعلامي، بيد أن التصورات المشكلة على إثر هذا الحضور الإعلامي، تجعل من الإرهاب هاجسًا أكثر من واقعيته، وذلك نظير تحفيز غريزة الخوف فينا، وهذا ما يشير إليه (هانس روسلينغ)، صاحب كتاب «الإلمام بالحقيقة» بقوله: «من السهل أن نكون مدركين لكل الأمور السيئة التي تحدث في العالم، (لكن) من الأصعب أن نعرف بشأن الأمور الجيدة». وهذا الإنحياز، مبني على غريزة الخوف، حيثُ نلاحظ السيء أكثر من الجيد، ونظرًا لكون الخبر قائم على «أن يعض الرجل كلبًا»، فإن الأحداث السيئة والاستثنائية، هي التي تصلنا، وبالتالي تشوهُ تصوراتنا، فنحسبُ أن الإرهاب أكثر خطراً من الأمور الأخرى التي تشكلُ خطرًا حقيقيًا، كما يحسبُ الكثيرون بأن السيارة أكثر أمانًا من الطائرة!

 

خلق التصورات غير المكتملة

إذاً فإن وسائل الإعلام وانتقال المعلومة، تشكلُ تصوراتنا، أو تشوهها أحيانًا.. خاصة بالنظر إلى العبارات التي يقصدُ منها استقطاب القراء، على حساب دقة النقل والإفهام، كما يحدث في الكثير من الأحيان، فهذه الوسائل جزء من اقتصاد الانتباه؛ حيثُ انتباهك موردٌ محدود، وبالتالي يتحتّم إمطارك بعناوين تستقطب انتباهك، من قبيل العناوين التي تتضمنها عبارات كـ: خبر صادم، بشرى سارة، مفاجئة، خبر غير متوقع، دراسة تحذر.. أو تلك العناوين الغامضة وغير المكتملة، والتي تثير انتباهنا، وبالتالي تحوز على اهتمامنا.

لذا فإن ما يتلقاه المتلقي من تلك الوسائل، غالبًا ما يكون الحدث الاستثنائي، أو ما يرادُ به إثارة الانتباه، ويشكل ذلك تصوراتنا بناءً على هذه الاستثناءات والإثارات، ضنًّا بأنها القاعدة. ولنأخذ مثالاً من أزمة (كورونا)، فالكثير من الأشخاص يتحدثون عن إخفاقات «منظمة الصحة العالمية»، وتضارب تصاريحها، وليس هذا الإخفاق المستنتج، مؤسسُ على دراسات تقييمية لأداء المنظمة، إنما هو نتاج الإعلام وعناوينهُ التي راعت لفت الإنتباه والإثارة، ما جعل المتلقي حائرًا بين عناوين متضاربة، وأخرى منقوصة أو مجتزأة من سياقاتها، من قبيل تلك العناوين التي تزاوج بين العبارات المثيرة، واسم المنظمة: «خبر صادم.. منظمة الصحة...»، «تصريح محبط.. منظمة الصحة تقول...»، «منظمة الصحة تفجر مفاجأة مدوية...»، أو تلك التي تحدد مددًا لبقاء الفايروس أو انتهائه، أو تطالب من الناس شيئًا وتعود وتصدر ما يخالفه.. أو غيرها.

يبيّن لنا هذا بأن الإعلام ووسائل نقل المعلومة، لا ينبغي اعتبارها ركيزة لبناء وتشكيل تصوراتنا ومعارفنا. صحيح بأن هذه الوسائل تلعب دورًا محوريًا في حياتنا، بيد أن الاقتصار عليها، سيؤدي لبناء تصورات مشوهة بشكلٍ لا واعٍ، ما لم نتحرى عن الأكثر رزانةً منها، وهذا يفرض علينا أن نفرق بين ما يُورد بقصد الإثارة والاستقطاب، وبين الخبر أو المعلومة الحقيقية، أو على الأقل ما يمتاز بالجدية، حتى وإن لم نمتلك أدوات التحقق من صحته وحقيقيته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها