النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11606 السبت 16 يناير 2021 الموافق 3 جمادى الآخرة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:47AM
  • العصر
    2:48PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

المعركة حضارية.. لكنها لا تقبل الانتظار!

رابط مختصر
العدد 11604 الخميس 14 يناير 2021 الموافق غرة جمادى الآخرة 1442

 

«المقال الأخير» للموسم 3 من سلسلة.. الأنصاري و«قديمه المتجدد»

  • تبادر «دارة الأنصاري للفكر والثقافة»*، بالتعاون مع جريدة «الأيام»، كناشر حصري، بإعادة نشر بعض مقالات أ. د. محمد جابر الأنصاري «بتصرف» وبقراءة للحاضر من ماضٍ قريب. 

 

أ. د. محمد جابر الأنصاري

كما يراد لنا أن نختلف ونتصادم حول أولوية العروبة أو الإسلام، وأولوية المعاصرة أو التراث، وكأنهما نقيضان لا جامع بينهما.. ولا لقاء يراد لنا في هذا، فالذي يراد – من معارك جانبية كثيرة لتعميق النزف العربي والإسلامي – أن نختلف ونتصادم حول طبيعة المعركة ضد العدو، وهل هي حضارية بعيدة الأمد، أم سياسية عسكرية ماثلة لا انتظار فيها؟

وسرعان ما يقع العرب في اللعبة، وسرعان ما ينقسمون إلى قبيلين، قبيل يرى أن المعركة حضارية، وقبيل يصر على أنها سياسية عاجلة، وسرعان ما يحمى وطيس المناظرات لتصبح حلقة جديدة من حلقات داحس والغبراء التي لا تتوقف في حياة العرب.

وكما أوضحنا في أحاديث عديدة، أن القوة الغالبة في أي ساحة من ساحات الصراع المصيري بين الأمم في عصرنا الحاضر، هي قوة «التحضر التكنولوجي»، فهي في تحليلها النهائي معركة حضارية تقنية؛ لأن «التحضر التكنولوجي» أو التقني قد غدا المصدر الأوحد لمختلف أنواع القوة التي تقرر نتائج المعارك والمواجهات بين الأمم.

إذا اتفقنا على هذه الحقيقة – ولا مهرب لنا منها – فلا مفر لنا من التسليم بداية بأن معركتنا هي معركة حضارية بلا جدال، بل إن مقومات «البقاء» وتجنب «الفناء» في هذا العالم هي مسألة «حضارية» قبل كل شيء..

ولعل في تغلّب العدو علينا منذ حرب 1948 حتى اليوم، وفي تمكّن القوى الدولية التكنولوجية من أوطاننا، ما يقدم على صحة هذه النتيجة الحتمية، التي لا مفر منها.

ولكن عندما نقول إنها معركة بناء حضاري تكنولوجي طويل الأمد، هل سيتركنا أحد وشأننا نبني ونتحضر بهدوء.. ونتعلم ونستنبت التكنولوجيا على أرضنا كما يحلو لنا؟ هل سيتطوع أحد بتوفير هذا (المناخ) الحضاري الهادئ الرائق لنا؟ هل تركونا من قبل أن نفعل ذلك؟ وهل سهلوا لنا المهمة بأي شكل؟

الجواب: حتمًا لا؛ فالقوى غربية كانت أو شرقية تزداد ضدنا وتتصاعد عندما يحسون إننا مقدمون على نهضة حضارية، وإننا على وشك أن نعلن استقلالنا الحضاري التام عنهم. 

هنا نكون – في نظرهم – قد ارتكبنا الجريمة الكبرى التي لا تغتفر.. أن نطالب بالاستقلال السياسي، هذا ممكن، وربما تساهلوا فيه بعض الشيء، وربما تركونا نحصل على بعض رموزه وعلاماته؛ لأنهم يدركون تمامًا أن الاستقلال السياسي – بلا استقلال حضاري تكنولوجي – لا يمثل خطرًا جوهريًا على مصالحهم، بل أنه معرّض لأن يبقى مجرد شكل وواجهة إذا لم يسنده استقلال حضاري حقيقي.

ويبقى العمل باتجاه الاستقلال الحضاري الناجز مسألة لا تقبل الأخذ والرد من جانبهم.. وجوابهم واحد وثابت تجاهها في مختلف العهود، هو إجهاض أية تجربة حضارية عربية في مهدها؛ بالتخريب الداخلي إن أمكن، أو بالضربة العسكرية الخارجية إن تطلب الأمر، أو بالأمرين معًا - في حالات عديدة - والمهم ألا تستمر هذه التجربة، وألا تتجذر في الأرض العربية المسلمة.

ما معنى هذا في نهاية الأمر؟ معناه، باختصار ووضوح، أن أي قرار بالتحضر وباستيعاب التكنولوجيا، وبإقامة تجربة حضارية عربية، هو في صميمه وجوهره «قرار سياسي» بقدر ما هو «قرار حضاري». هذا ما يجب أن ندركه قبل أن ننقسم إلى فريقين متصارعين بين قائل بـ «الفعل» الحضاري، وقائل بـ «الردع» السياسي.

ولإيضاح هذه العلاقة العضوية الوثيقة بين «القرار الحضاري» و«القرار السياسي»، أو بالأحرى هذه الحقيقة الواحدة بوجهيها الحضاري والسياسي، نذكّر بالأمرين:

أولاً: إن أية مسيرة حضارية تكنولوجية في المجتمع العربي تتطلب قبل كل شيء مواجهة اجتماعية سياسية لمختلف رواسب التخلف والأنماط الحياتية العقيمة والمتناقضة لروح العمل والإنتاج التحضري. والقيادة الرشيدة هي التي تعرف كيف تلائم بين جديد الحضارة وأصيل التراث، بتوليد المعادلة الجديدة للبناء الحضاري. وذلك كله عمل قيادي رائد يحتاجه المجتمع، فالمسألة ليست مسألة علمية تقنية مجردة، وإنما هي كذلك قرار مسؤول لدى قيادات الأمة بالمضي في هذا الطريق مهما كانت العقبات، بل بالتصدي الحازم لهذه العقبات إن تطلب الأمر. 

إذن فالمسألة هنا سياسية بقدر ما هي حضارية. 

ثانيًا: إن القوى الأجنبية الطامعة إذا أحست بتصاعد مثل هذا البناء الحضاري في أي مجتمع له وزن في الساحة العربية، ستنقض عليه بمختلف وسائل الهجوم لوأده في مهده، وهي هجمات مستمرة منذ أن أجهضت القوى الكبرى تجربة محمد علي باشا الصناعية في مصر في القرن التاسع عشر، مرورًا بهزائمنا المختلفة، ووصولاً إلى الفقر الحضاري الذي نعيشه حتى لحظتنا هذه! وفي ذلك خلاصة واحدة، أن القوى الكبرى لا تريد أن ترى أي بناء حضاري حقيقي على الأرض العربية، صناعيًا كان أم زراعيًا أو ثقافيًا، بل لا تريد أن ترى أي شكل من أشكال اكتفائنا الذاتي.

]   ]   ]

إذن، فلا بديل عن التكنولوجيا.. هذه حقيقة أولى. ولكن علينا أن نستوعب متطلبات التوازن بين معاركنا السياسية المتفرقة والمستنزفة لنتفرغ «لأم المعارك» وهي المعركة الحضارية التكنولوجية، طالما إن كل مواجهة في عصرنا هي معركة حضارية كما اتفقنا في بداية المقال.

ولبلوغ ذلك نقول: إن البطولة الحقيقية في عصر التكنولوجيا صارت تتمثل في كل ساعة ودقيقة من الحياة اليومية العملية والإنتاجية. كيف نعمل؟ كيف ننتج؟ كيف نتعلم ونطبق ونخترع؟ هذه هي بطولة العصر الحديث! كبطولة الانسان الياباني – مثلاً – أما بطولة المبارزة في ميدان القتال وحده فقد أصبحت من ذكريات الفرسان في القرون الوسطى، وفي حكايات أبي زيد الهلالي!

الضغط على الأزرار الإلكترونية، والتسيير بالأقمار الصناعية، وامتلاك أسلحة المعرفة، والتمكن من المفاتيح الحضارية؛ تلك هي مبارزات عصرنا وتلك هي بطولاته.

والرأي قبل شجاعة الشجعان، كما قال أبو الطيب. ولو عاش المتنبي في عصرنا لقال: التكنولوجيا قبل شجاعة الشجعان! وما الرأي اليوم غير هذه الرؤية التطبيقية لصياغة العالم.. وإلى لقاء قريب.

 

* المقال نشر في سبتمبر 1983 في الرياض الأسبوعي على صفحة «مساحة للعقل العربي»، ولا يزال صالحًا للنشر حتى اللحظة.

* دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية تهدف إلى الحفاظ على إنتاج الدكتور الأنصاري وأعماله الفكرية والأدبية التي اهتم بها وركز عليها طوال مسيرته العلمية، وفي مقدمتها، التعريف بالجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية والتراث العربي ومطالبته بصحوة فكرية وثقافية لأمة العرب، وإتاحتها للمختصين والمهتمين للبناء عليها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها