النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11610 الأربعاء 20 يناير 2021 الموافق 7 جمادى الآخرة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:48AM
  • العصر
    2:50PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

في ميزان الإسلام لا يطغى دين على دولة!

رابط مختصر
العدد 11561 الأربعاء 2 ديسمبر 2020 الموافق 17 ربيع الآخر 1442

 الموسم الثالث من سلسلة الأنصاري و«قديمه المتجدد» 

  • تبادر «دارة الأنصاري للفكر والثقافة»*، بالتعاون مع جريدة «الأيام»، كناشر حصري، بإعادة نشر بعض مقالات أ. د. محمد جابر الأنصاري «بتصرف» وبقراءة للحاضر من ماض قريب. 

     

    بالنظر للموقف الفكري الخاطئ الذي وقفته أيدولوجيات الخمسينيات من الإسلام، بالفصل التام بينه وبين الحياة وحصره في أضيق نطاق، اتخذت التيارات الفكرية الدينية المحدثة موقفاً أشد خطأ من ذلك الموقف بتأكيدها المغالي على الشمولية في الإسلام، بما يجعل منه نظاماً شمولياً وفكراً شمولياً هو براء منه. ففي الإسلام شمول «سَمْح» خاضع لموازين دقيقة في التمييز بين المتباينات.. لكنه يأبى الشمولية ويحاربها. ونخطئ إذا وصمناه بالشمولية المطلقة لأن ذلك يجعل منه نظاماً منغلقاً أمام تجارب البشر التي أستوعبها بكل رحابة صدر في عصور ازدهاره.

     ليس في الإسلام شمولية اعتباطية لا تفرق بين مظهر وجوهر.. وبين شهادة وغيب.. وبين دنيا وآخرة، (وكل شيء عنده بمقدار... عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال) ـ سورة الرعد - الآيات 8/9. ونرى هذا التمييز بين مستويات الإيمان (والكفر) في صلب العقيدة الإسلامية كما حددها القرآن الكريم: (إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) سورة النساء – الآية 48. ويعود القرآن الكريم ليؤكد على هذا المعنى بالألفاظ ذاتها في – سورة النساء – الآية 116.

     فنلاحظ في هذا النص القرآني التمييز بين الشرك «وما دونه» من اعتقادات خاطئة. والتعبير «ما دون ذلك» تصريح بوجود مستويات لا بد من التمييز بينها في صميم العقيدة، وإنه لا خلط في الإسلام بين مستوى وآخر: (والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) سورة الرحمن – الآيات 7-9.

     ومن نافلة القول الإشارة إلى أن «الميزان» في هذه الآيات القرآنية، ليس ميزان البيع والشراء فحسب، وإنما هو ميزان الوجود والتعادل الكوني كله. وإذا كان الله سبحانه قد وضع لخلقه ميزاناً بمثل هذا الدقة والتعادل فهل يجوز في شرعه أن يطغى دين على دولة، أو غيب على شهادة؟ أو إيمان على عقل؟ أليس من واجب المسلمين، قبل غيرهم، إقامة الميزان بالقسط في شئون دنياهم وآخرتهم ودينهم وسياستهم؟.

     وتنبيه الرسول الكريم للمسلمين: «أنتم أعلم بشئون دنياكم» يمثل معلماً من المعالم الفاصلة بهذا الصدد، لا يمكن القفز عليه أو إسقاطه، بين دنيا وآخرة. فإشارته عليه الصلاة والسلام إلى «دنياكم» تمييز لها عن الآخرة، التي هي من عالم الغيب، بينما الدنيا من عالم الشهادة، الذي «يشهده» الوعي الإنساني ويلم بأسسه.

     فالتمييز الإسلامي، قرآناً وسنة، بين الغيب والشهادة هو الآخر تمييز حاسم كالتمييز بين الدينا والآخرة. وعندما وضع النبي «صحيفة المدينة» التي تمثل أول دستور في الإسلام (وكان القرآن يتنزل ولم «يزايد» عليه أحد بالقول «القرآن دستورنا!» فهو كتاب هداية لا إعلان سياسة)، كان تمييزه واضحاً، عليه السلام، بين «المجتمع الديني» و«المجتمع السياسي»، وذكر في «الصحيفة» عناصر من غير المسلمين اعتبرهم «أمة» مع المسلمين بالمعنى السياسي والتضامني وليس الديني. ولو كان ذلك محرماً في الإسلام لما عمد إليه نبيه الكريم في أول تعاقد سياسي يضعه في تاريخ الإسلام. إن «صحيفة المدينة» وثيقة إسلامية ونبوية هامة تتعرض للتعتيم والإغفال لدى أوساط كثيرة لأنها تضمنت بوضوح هذا التمييز الحاسم بين «الديني» و«السياسي» في الإسلام على يد نبيه الكريم في أول تجاربه السياسية.

     وكان صحابته على وعي تام بالتفريق بين صفته الدينية وصفته الدنيوية (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ)، سورة الكهف - الآية 110، ولا يتحرجون عن سؤاله، عليه السلام، عن انطباق أي الصفتين على أي موقف. وفي التخطيط الحربي كان سؤالهم واضحاً: «أهو الوحي يا رسول الله أم هي المكيدة والحرب»، فإن كان الأول انساقوا له طائعين، وإن كان الثاني أدلوا بالرأي والمشورة.

     وينعكس ذلك الوعي الصحابي الإسلامي المبكر في التمييز بين «الديني» و «الدنيوي» في حياة الرسول نفسه وفي تعاليم الإسلام بعامة. ومن المستغرب، بل من الابتعاد عن روح الإسلام الصحيح، إصرار التيار الشمولي الراهن على محو هذا التمييز الطبيعي بين الديني والدنيوي الذي بدأت به دعوة محمد «عليه الصلاة والسلام».

     وقد تَقبّل الإسلام تعايش أتباع الديانات السماوية في ظله، وذلك في أول تجربة من نوعها في تاريخ البشرية، كما أباح زواج المسلم من كتابيه ـ كأم إبراهيم القبطية المصرية – التي تزوجها نبي الإسلام نفسه وأنجب منها ولده الوحيد، وفي ذلك دلالة عظيمة: فحسب تشريع الإسلام يمكن للمسلم أن يأتمن على بيته وعرضه وولده من هو مخالف له في العقيدة، وفي ذلك إعلاء للرابطة الإنسانية إلى جانب رابطة العقيدة وإمكان للتعايش السمح بينهما تحت سقف واحد. وإذ أعلى الإسلام من الرابطة الإنسانية، فمن باب أولى الرابطة الوطنية التي هي المدخل والأساس. وعليها استندت دعوة الزعيم المصري الرائد سعد زغلول: (الدين الله والوطن للجميع) منذ أوائل القرن العشرين.

     وفي إعلان للتعايش العقائدي الرائع الذي تشتد حاجة الإنسانية إليه في عصرنا المتباين والمتنوع، يخاطب القرآن الكريم المسلمين في هذه الآية الكريمة التي تنشر مظلتها الإنسانية السمحة على البشرية جمعاء، (قولوا آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) سورة البقرة ـ الآية 136.

     بمثل هذه التعاليم الإنسانية الرحبة انتشرت حضارة الإسلام بين مشرق ومغرب، وبين صين وأندلس، وأمكن أن يظهر في ظلها عقل ابن رشد، ونهج ابن خلدون، وأن يسهم فيها ابن ميمون اليهودي الاندلسي، وغيره من علماء النصارى الذين يثني عليهم القرآن الكريم أطيب الثناء.

     هكذا، فمفهوم «الشمول» في الإسلام خاضع لهذا الميزان الدقيق الذي وضعه الله في خلقه (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) ـ سورة الزلزلة الآيات 7/8، وليس ثمة شمولية عشوائية في الإسلام بين مستوى وآخر من مستويات الاعتقاد والعبادة والسلوك والتنظيم، فكل شيء عنده بمقدار، فالجوهر جوهر، والمظهر مظهر، والقشور قشور... ولا خلط بين الجانبين. 

     

    *دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية تهدف إلى الحفاظ على إنتاج الدكتور الأنصاري وأعماله الفكرية والأدبية التي اهتم بها وركز عليها طوال مسيرته العلمية، وفي مقدمتها، التعريف بالجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية والتراث العربي ومطالبته بصحوة فكرية وثقافية لأمة العرب، وإتاحتها للمختصين والمهتمين للبناء عليها وإثراءها. 

    *المقال من كتاب تحت الطبع بعنوان «الملاكمون».. هل كانوا مسلمين؟ ستقوم بنشره دار الأيام بالتعاون مع دارة الانصاري خلال العام القادم 2021.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها