النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11656 الأحد 7 مارس 2021 الموافق 23 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

رؤية للإرهاب خارج نطاق المواجهة بين الإسلام والغرب 2/‏2

رابط مختصر
العدد 11540 الأربعاء 11 نوفمبر 2020 الموافق 25 ربيع الأول 1442

 الموسم الثالث من سلسلة الأنصاري و«قديمه المتجدد» 

  • تبادر «دارة الأنصاري للفكر والثقافة» *، بالتعاون مع جريدة «الأيام»، كناشرٍ حصري، بإعادة نشر بعض مقالات أ. د. محمد جابر الأنصاري «بتصرف» وبقراءة للحاضر من ماضٍ قريب. 

     

    تم اختطاف رجل إنجليزي، وبعد تعذيبه بقسوة تم قطع رأسه، ووضع الرأس في قفص وعرض لـ «الفرجة» في ميدان عام، هذا ليس خبرًا عاجلاً من أحد عواصم العالم في وقتنا الحاضر، إنه خبر «تاريخي» من بكين عمره أكثر من مئة سنة ضمن فصل عن تمرد «الملاكمين» في الصين بين 1899-1900».

    ولا يختلف «الملاكمون» في تاريخ الصين – وهم أبرز ظاهرة إرهابية في تاريخها الحديث – عن عناصرها التقدمية والثورية التي أرادت تطويرها من حيث رغبة الطرفين المبدئية في «تغيير» وضعها المتدهور أمام قوى العالم الجديد، ومواجهة الصدمة التاريخية لأعماقها. إلا أن الفارق الكبير والهائل بينهما أن الملاكمين أرادوا «إنقاذ» ذلك الوضع المتدهور خلال فترة قصيرة لغاية 1899-1900 بحرق المراحل وبأعمال إرهابية مخفقة ومدمرة للذات أدت إلى كارثة احتلال الصين بتحالف «دولي» وفرض شروط مهينة عليها وسقوط نظامها الإمبراطوري التاريخي وتقسيمها، بينما احتاجت الحركة التقدمية الصينية من «صن يات صن» – 1912 إلى «ماوتسي تونغ» – 1949 إلى خمسين عامًا، نعم 50 عامًا بالكامل، من العمل والتفكير والنضال المرير والانتقال من تجربة إلى أخرى مع الاتعاظ بالدروس المستخلصة، إلى أن استعادت الصين وحدتها وحققت استقلالها من جديد، ووصلت إلى طريق البداية الصحيحة، مجرد البداية، في المسيرة الصينية «الطويلة» كما سماها أهلها والتي جعلت منها اليوم قوة مرشحة لمزيد من التأثير والمكانة في مستقبل العالم، مع استجابة لافتة – قد تنطوي على مفاجآت – من جانب قيادتها وحزبها الحاكم، الذي كان «شيوعيًا»، نقول استجابة حية وذكية لجوهر المتغيرات والمستجدات العميقة التي يشهدها الواقع الدولي والوضع الإنساني.

    ومن أبرز الفوارق النوعية الهامة بين حركة «الملاكمين» والحركة الوطنية التقدمية الصينية، إن «الملاكمين» أسسوا أفكارهم على الخرافة والاعتقادات الباطلة المنافية لمنطق العقل والعلم، وحددوا سلوكهم ونشاطهم التنظيمي على أساسها توهمًا منهم أن ذلك يمنحهم قدرات خارقة ضد الرصاص.

    أما الحركة التقدمية الصينية فإنها اكتشفت بعد الحركة الجمهورية بقيادة «صن يات صن» أن توحيد الصين وتحديثها يحتاج إلى حركة أقدر على الفعل والحسم فكانت الحركة التاريخية بقيادة «ماو» التي استطاعت الاستفادة بسرعة من تجاربها إلى أن تم النصر الكبير للصين الشعبية عام 1949، وكان «ماوتسي تونغ» منذ عام 1938 قد كتب: «لا يمكن نقل الماركسية للواقع إلا من خلال صيغة قومية. من هنا حاجتنا إلى ماركسية صينية». والمفارقة أن أبرز وظيفة فكرية وسيكولوجية للنظرية الشيوعية لنهضة الصين، إنها فكرة غربية حديثة لكنها تحمل نزعة العداء للغرب الرأسمالي (الاستعماري). هكذا وجدت الصين في الماركسية ضالتها التاريخية حيث مثلت «الثقافة الغربية المناهضة للغرب».

    وعلى الرغم من أن حركة «الملاكمين» أصلاً كانت حركة تتعاطف مع الفلاحيين وفقراء الأرياف وتسعى إلى إسقاط النظام الإمبراطوري ومقاومة امتيازات الأجانب وإبعادهم عن الصين، (وهي أهداف تبناها الحزب الشيوعي فيما بعد في فلسفة واستراتيجية شديدتي الاختلاف عن أولئك)، إلا أن حركة الملاكمين في مرحلة المواجهة الأخيرة وقعت تحت هيمنة العناصر الرجعية المتخلفة من الحرس القديم في النظام الإمبراطوري، الأمر الذي أدى إلى استخدام «الملاكمين» وقودًا في صراعات السلطة والمحاولات المخففة لمقاومة النفوذ الأجنبي بأساليب بالية تؤدي إلى عكس المنتظر منها، الأمر الذي دفع حكام مقاطعات الجنوب الصيني المتطور إلى مكافحة إرهاب «الملاكمين» ومنع تصفياتهم الدموية للصينيين المعارضين لهم وللجاليات الأجنبية المقيمة في الصين. 

    وفي نهاية الأمر أدى إرهاب الملاكمين وعجز السلطة المركزية التقليدية عن ضبط الأوضاع إلى إعطاء المبرر للقوى الغربية باحتلال بكين، تلك العاصمة المهيبة التي كانت غمامة «المئة يوم» أسوأ الأيام في تاريخها. 

    هكذا فالأطماع الدولية حقيقة قائمة في كل زمان ومكان، ولكن الخطورة في لا مسئولية القوى والعناصر المحلية التي تعطي مثل تلك المبررات للتدخل والاحتلال الأجنبي. كما لا يمكن تبرئة القوى الدولية التي أنهت استقلال الصين قبل أكثر من قرن باحتلال عاصمتها من بذر بذور الإرهاب في التربة الصينية.

    ومن مفارقات التاريخ أن الغرب وهو يقاوم رعب الملاكمين الصينين ويرسل الجيوش لحربهم، كان يشهد في «قلعته الجديدة» الولايات المتحدة ظهور تنظيم «الإرهابيين» البيض المعروفين باسم (كوكس كلان) وهم يندفعون لإبادة كل من ليس من البروتستانت البيض في المجتمع الأمريكي، رفضًا وانتقامًا لتحرير زنوج أمريكا من العبودية.. العبودية القانونية فقط لا غير!.

    هذه لقطات لسوابق إرهاب أقصى الشرق وأقصى الغرب تشير إلى أن «الإرهاب» لا جنسية له ولا دين ولا وطن، وإنما هو اختلال في التكيّف مع حركة التاريخ، وعجز العقل السياسي للأمة عن العمل ومن تلك الزلازل البركانية التي تهيج في أعماق الأمم والجماعات عندما تفقد ثقتها بنفسها، وتفقد معها الأمل والاحتكام إلى منطق العمل السياسي الذي ينبغي أن يسبق أي فعل آخر ويوجه كل الناشطين نحو هدف محدد قابل للتحقيق.

    إلا أن ما حدث للصين خلال مئة عام من مهانة وتجزئة ثم نهوض وانطلاق بمثابة عزاء كبير للعرب، فهو يعطي إشارة لهم بإمكانية تخطي التجزئة والضياع، ولكن بشروط النهوض ومقوماته.. واطلبوا الدرس.. ولو في الصين!.

    هكذا يتضح من النظر في هذه «السابقة التاريخية» للإرهاب في دولة وحضارة عريقة، غير عربية وغير مسلمة، أن الإرهاب يمكن أن يضرب أي بلد إذا تضافر عليه وتفاعل في واقعه ونفوس أبنائه العاملان المدمران التاليان:

    1) هيمنة أجنبية تعصف بمصالح الأمة وكرامتها لأمد طويل ودون رادع. 

    2) أوضاع داخلية متجمدة وعاجزة عن مواجهة العدوان ينخرها الاستبداد والفساد، ظلت بلا تغيير أو تطوير لزمن طويل كذلك.

    وواضح من التجربة الصينية في «إرهاب الملاكمين» وسقوط بكين بسببهم تحت الاحتلال الدولي عام 1900م، أن مثل هذا السلوك الدموي الإرهابي، غير مرتبط بأمة معينة أو عقيدة بعينها، وأن العلاج يكمن موضوعيًا في التصدي الحكيم والشجاع لاستمرار العاملين المذكورين ولتفاعلهما الوائي، أكثر من محاولة تحسين صورتنا أمام الغرب.. واقناعه أن الإسلام ليس دين إرهاب، فالإسلام لم يكن كذلك يومًا.

    فمن يجرؤ على إعادة كتابة تاريخ الإرهاب في الشرق الأوسط؟!

     

    *دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية تهدف إلى الحفاظ على إنتاج الدكتور الأنصاري وأعماله الفكرية والأدبية التي اهتم بها وركز عليها طوال مسيرته العلمية، وفي مقدمتها، التعريف بالجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية والتراث العربي ومطالبته بصحوة فكرية وثقافية لأمة العرب، وإتاحتها للمختصين والمهتمين للبناء عليها وإثراءها. 

    *المقال من كتاب تحت الطبع بعنوان «الملاكمون» . . هل كانوا مسلمين؟ ستقوم بنشره دار الأيام بالتعاون مع دارة الانصاري خلال العام القادم 2021.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها