النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11656 الأحد 7 مارس 2021 الموافق 23 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

أ. د. محمد جابر الأنصاري

رؤية للإرهاب خارج نطاق المواجهة بين الإسلام والغرب 2/‏1

رابط مختصر
العدد 11538 الإثنين 9 نوفمبر 2020 الموافق 23 ربيع الأول 1442

 الموسم الثالث من سلسلة الأنصاري و«قديمه المتجدد» 

  • تبادر «دارة الأنصاري للفكر والثقافة» *، بالتعاون مع جريدة «الأيام»، كناشرٍ حصري، بإعادة نشر بعض مقالات أ. د. محمد جابر الأنصاري «بتصرف» وبقراءة للحاضر من ماضٍ قريب. 

 



 

«تم اختطاف رجل إنجليزي، وبعد تعذيبه بقسوة تم قطع رأسه، ووضع الرأس في قفص وعرض لـ«الفرجة»في ميدان عام، هذا ليس خبرًا عاجلاً من أحد عواصم العالم في وقتنا الحاضر، إنه خبر «تاريخي» من بكين عمره أكثر من مئة سنة ضمن فصل عن تمرد «الملاكمين» في الصين بين 1899-1900.

وقد تبيّن لي خلال رحلة البحث الطويلة بأن نهج الدراسات المقارنة مع التجارب الشرقية-الآسيوية يمكن أن يقدم استبصارًا ويلقي عدة أبعاد في التأزم العربي الراهن، ومن بينها هذه الظاهرة الإرهابية العامة التي تعاني منها المجتمعات العربية في العقود الأخيرة، كما يمكن من خلال هذه المقارنات – ومن زاوية ما حدث في تلك التجارب ويحدث عندنا – أن نصحح، إن جاز التعبير، عددًا من الانطباعات الخاطئة (لدى الدوائر الغربية بالذات) من ربط الإرهاب بالطبيعة العربية وبالإسلام، والإسهام في تنوير السلطات العربية ذاتها بأن الجمود السياسي الذي أصرت عليه السلطات الآسيوية التقليدية في بلدانها حينذاك، كان من أهم المبررات التي استغلتها منظمات الإرهابيين هناك لتبرير أعمالها البشعة.

لذلك فمن أجل فهم أفضل لهذه الظاهرة الخطيرة، على المستوى السياسي والفكري في هذه المرحلة التي تمر على العرب والمسلمين، لابد من نظرة معالجة تبعد نسبيًا عن حرارة الأحداث وانفعالاتها قدر الإمكان، لنرى الصورة في أبعادها الأشمل بما يساعد على تخطي العنف الانتحاري المؤدي إلى تدمير الذات قبل كل شيء، وإيجاد بوصلة أقدر على رصد الاتجاهات بما يتجاوز الحدث اليومي. ذلك أن التعامل الأمني مع تلك الهجمات الإرهابية – أيًا كان شكلها – هو ضرورة لا مفر منها، إلا إنه لا يكفي لمنع حدوث حرائق أكبر.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك وقبل أكثر من مئة عام، مشاهد العنف والإرهاب التي تفجرت في الصين التي تبرز اليوم قوة كبرى ذات نهج ملتزم بالشرعية الدولية، بل ربما القوة الوحيدة المؤهلة لمواجهة القوة الأمريكية – كما تشي بذلك تخوفات تقاريرها العسكرية والاستخباراتية السرية – والتي تستند إلى حضارة إنسانية عريقة كان لها تفاعلاتها ولحظات تواصلها مع الحضارة الإسلامية. هذا فضلاً عن تمتعها بوحدة دولة ذات استمرارية في التاريخ وذات مؤسسات – وإن كانت تقليدية – رعت حضارتها، وكان رجالها يتم اختيارهم لإدارتها على أساس العلم وكفاءة المعرفة في ذلك الزمن البعيد، عندما كان عسكر المماليك يتولون الإدارات والمصائر في بلادنا العربية.

غير أن هذه العراقة في الحضارة والدولة، أصابها الجمود والتحجر في قرونها المتأخرة، وأخذت أهلها العزة بالإثم لتراجعهم أمام الغرب الزاحف بحضارته واستعماره، معًا، ولم تسعف الصين حينئذ معالم حضارتها وقصورها التاريخية ومكتباتها التي تجاوزها علوم العصر، فاقتربت من بحارها وأطرافها الأساطيل الأوروبية، وخاض الانجليز ضدها في مينائها الحيوي هونغ كونغ «حرب الأفيون» في 1839، وانتصروا عليها في انعطاف أليم كانت بداية تيقظها، وفيما يشبه هزيمة العرب الكبرى في عام 1967.

وقد فرض الإنجليز تجارة المخدرات على شعبها باسم «الرسالة الحضارية»، وكانت جارتها اليابان قد مرت بتجربة «إرهاب» مماثلة في القرن السابع عشر، حيث خلق التبشير الديني الأوروبي – بالإضافة إلى حركة الأساطيل في بحارها – حالة كراهية وتعصب لا مثيل لها في تاريخ اليابان التي تأسست حياتها الروحية على التسامح بين الأديان – مما أدى إلى إبادة المسيحيين فيها، أوروبيين كانوا أم يابانيين تنصّروا. ففي تلك اللحظة من الرعب المظلم وفقدان الثقة بالنفس اختلط على اليابانيين رسم الصليب ومقبض السيف فتصوروهما أداة واحدة..! 

وفي حالة شبيهة تالية وبعد قرون، تهاوت ثقة الصين بنفسها، وكان واضحًا بأن العقل الصيني في تلك اللحظات التاريخية الصعبة لم يميز بين الغرب كحضارة والغرب كاستعمار، وظل متوهمًا استمرار تفوقه الغابر، فهبت عناصر من الصينيين بانفعال وجهالة لرد التحدي الغربي معتمدة في ذلك على تنظيماتها الخاصة، التي انتهت إلى عنف دموي ضد «الآخر» ولم تجلب في النهاية سوى الاحتلال الأجنبي إلى قلب العاصمة الصينية. 

كان من أبرز تلك التنظيمات، تنظيم «الملاكمين» The Boxers الذين كانوا يتظاهرون بنشاطهم الرياضي في «الملاكمة» لكنهم اختاروه في الحقيقة لأنه الأقرب إلى التدريبات العسكرية، ومع حصولهم على السلاح انقضوا على كل أجنبي وصلت إليه أيديهم على الأراضي الصينية، وكانوا يستهدفون الأجانب البيض، والمبشرين المسيحيين بخاصة، ومواطنيهم الصينيين ممن اعتنقوا المسيحية. وقد نشروا جوًا مرعبًا بأساليب الذبح وفصل الرؤوس عن الأجساد، ولم يوجد حينها الفضاء افتراضي ومنصاته التي تتاجر بها!. وكان المشهد عميق الدلالة بأن الإرهاب ليس صناعة عربية أو إسلامية، وإنما هو اختلال كياني يصيب بعض العناصر في الأمة.. أي أمة، فيأتي بركان الإرهاب ليدق جرس التنبيه لكل من يهمه الأمر.

ولشيوع تلك «الحالة» في أعماق الصين لم يبقَ «الملاكمون» فئة هامشية فقد استطاعوا حشد ما يقارب نصف المليون مقاتل صيني في زحفهم نحو بكين، وانضمت إليهم قطعات من الجيش الإمبراطوري المهان، ونالوا التشجيع المبطن من العديد من مسؤولي الدولة الصينية. 

 

وللمقال بقية..

 

*دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية تهدف إلى الحفاظ على إنتاج الدكتور الأنصاري وأعماله الفكرية والأدبية التي اهتم بها وركز عليها طوال مسيرته العلمية، وفي مقدمتها، التعريف بالجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية والتراث العربي ومطالبته بصحوة فكرية وثقافية لأمة العرب، وإتاحتها للمختصين والمهتمين للبناء عليها وإثراءها. 

*المقال من كتاب تحت الطبع بعنوان «الملاكمون» . . هل كانوا مسلمين؟ ستقوم بنشره دار الأيام بالتعاون مع دارة الانصاري خلال العام القادم 2021.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها