النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11557 السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:26PM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

الموسم الثالث من سلسلة الأنصاري و«قديمه المتجدد»

بحثًا عن.. إبداع الوطن والإنسان

رابط مختصر
العدد 11526 الأربعاء 28 أكتوبر 2020 الموافق 11 ربيع الأول 1442

  • تبادر «دارة الأنصاري للفكر والثقافة»*، بالتعاون مع جريدة «الأيام»، كناشر حصري، بإعادة نشر بعض مقالات أ. د. محمد جابر الأنصاري «بتصرف» وبقراءة للحاضر من ماض قريب.


 

مع تقدير الأهمية البالغة لمراكز البحث القائمة حالياً في الخليج، فإني أتمنى لو أضيف إليها، على كثرتها، مركز جديد آخر.. وذلك، لا رغبة في زيادة عددها كمياً، ولكن رغبة في إيجاد نوعية خاصة غير متوفرة حتى الآن.

فلقد تقاسمت المراكز القائمة الاهتمام بالتاريخ والسياسة والاجتماع والنفط والاقتصاد والتنمية، وبقى جانب الدراسات الإنسانية: الأدبية منها والنقدية والمسرحية والفنية والفكرية، في حاجة إلى مركز متخصص يتولى جمع وثائقها المتفرقة والمجهولة والضائعة، ثم يعكف على دراستها نقدياً وفنياً لملء الفراغ في ناحية هامة ما تزال مهملة في حقل الدراسات الخليجية.

وهي ناحية يمكن أن نطلق عليها «الناحية الإبداعية»، أي كل ما اتصل بإبداع الانسان في حقل الأدب أو المسرح أو الفن الشعبي أو المعماري أو ما إلى ذلك من جوانب العطاء الذاتي والإنساني، وهو الجانب الذي يقاس به «ابداع الحضارة» وتميزها في كل زمان.

عوامل.. أعاقت هذه الناحية في تاريخ الخليج وشرق الجزيرة تضافرت عوامل عديدة على طمسها، أو إهمالها على أقل تقدير. فهذه المنطقة ظلت لعصور طويلة ومنذ القدم منطقة صراع محلي ودولي متصل الحلقات، كما كانت بعيدة عن مراكز الخلافة والحكم القادرة على الاهتمام بالآداب والفنون ورعايتها. ولم يتوفر للازدهار الأدبي في المنطقة ما يحتاجه مثل هذا الازدهار من رعاية سياسية ومدنية كما يجب أن تكون، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تعتيم معالم التاريخ الأدبي والفكري لهذه المنطقة.

فعلى ما ظهرت من دراسات أدبية عن أدب الشام أو الحجاز أو نجد أو المغرب أو الأندلس لم نجد دراسات مماثلة عن أدب شرق الجزيرة في العصور الإسلامية مثلاً. وعلى كثرة ما توفرت من مصادر شعرية ونثرية عن تلك الآداب العربية لايزال من العسير علينا أن نجد خمسة دواوين شعرية مطبوعة تمثل الشعر الإسلامي في المنطقة، وقس على ذلك.. وحتى أدب المنطقة في العصر الحديث ما يزال بعضه ضائعاً ومجهولاً وغير متصل الحلقات.

هذه المصاعب والمشكلات أدركنا أبعادها منذ أن بدأنا البحث والنقد في أدب الخليج منذ أوائل السبعينيات.

مركز لدراسة الابداع

وعلى الرغم من أن الصورة قد تغيرت وتطورت نسبياً إلى الأحسن بظهور عدة رسائل جامعية في هذا الموضوع، وصدور نتاج إبداعي جديد في النثر والشعر، واكتشاف عدة آثار قديمة ونشرها، إلا أن الحاجة ما زالت ماسة إلى تحقيق تقدم نوعي، وذلك بإنشاء مركز للاهتمام بالجوانب الإبداعية في تراث المنطقة وحاضرها يجمع وثائق الماضي ومستنداته، ويتابع نتاج الحاضر ثم يدرس الجانبين تاريخاً، وعرضاً ونقداً. هذه مشكلة قد تبدو سهلة الحل نظرياً.. ولكنها في الواقع ليست كذلك..

فنحن يمكننا بالمال والتنظيم أن نجلب الأرشيف الأوروبي عن الخليج كله، وأن نجمع أوراق شركات البترول منذ البداية ومعها جميع الدراسات الاستراتيجية، المنشورة وغير المنشورة، عن الخليج، في عواصم الغرب.. ولكن تراثنا نحن شيء غير هذه الأوراق والوثائق وهو يعاني وضعية أخرى بحكم ما مر به من مؤثرات التخلف ومعوقاته.

العمر الضائع

ويكفي أن نتذكر – مثلاً – أنه بينما كانت الوكالات الغربية في الخليج تحتفظ بكل ورقة عما يهمها ويهم مصالحها من شئون، كان بعض مبدعي المنطقة يضطرون – لأسباب عديدة – إلى حرق أو إتلاف مذكراتهم وأوراقهما الشعرية أو الصحفية التي تمثل حصيلة العمر!.

ومتى كان ذلك؟ في النصف الأول من القرن العشرين.. وإزاء مشكلة كهذه ضاع معها بعض من تراثنا الأدبي والثقافي، فالحل لا يكون بعمل بحثي مكتبي، بل بعملية تشبه الحفر والتنقيب عن معالم حضارة ضائعة بين كثبات الرمال وتراكم طبقات الصمت والنسيان. هذه ناحية.. 

الانسان.. لا الاقتصاد

وناحية أخرى نود لفت الانتباه إليها، وهي أن الالتفات والانشغال بما مر على الخليج من صراع استراتيجي وتنافس بترولي وتسجيله تاريخاً وتحليلاً، هو على أهميته، يمثل قصة خارجية بالنسبة لإنسان هذه المنطقة وأوطانها.

ولا نقصد بهذه الإشارة التقليل من أهمية العوامل الاقتصادية والسياسية في التأثير على المجتمع تطويراً وتغييراً. لكنا أردنا القول إنه ما لم يتحول درس العوامل الاقتصادية والسياسية إلى صميم وعي الانسان المواطن في المنطقة وجزء من إدراكه ومعاناته، فإنه يبقى في أحسن الأحوال سجلاً مصفوفاً على أرفف مراكز البحث يقرؤه الدارسون الأجانب وقلة من الدارسين المختصين من أبناء المنطقة، دون أن تتحول العملية كلها إلى عملية استيعاب وهضم وتأثر وتأثير في دائرة الرأي العام والوعي الجماعي والعقل الكلي للمجتمع الأصيل في المنطقة.

ذلك إننا عندما نقرأ اليوم ما كتب عن تاريخ الخليج، فإننا نقرأ في الحقيقة: تاريخ النفوذ الأوروبي في الخليج، أو تاريخ التنافس الاقتصادي الدولي في الخليج، ونادراً ما نسمع عن الوطن والانسان في هذه المنطقة.. أي تاريخ لهما.. وأي معاناة.. وأي تطور.. وأية تطلعات؟ 

لذا علينا أن نبحث بعيداً عن الجانب الخارجي لنقترب من الوجود الوطني والإنساني عبر صوت الادب، وصوت الفكر، وصوت الغناء البحري النابع من كدح الغواصين، وصوت التراث الشعبي والمأثورات المتوارثة عن حياة البحر والبادية، ثم صوت الصحافة المحلية الاصيلة الرائدة، على ندرتها.

أين هذه الصحف؟

وعلى ذكر الصحافة المحلية، فيكفي أن نذكر أيضاً أن جريدة «البحرين» لعبدالله الزايد – وهي أول جريدة في تاريخ الخليج – وأن مجلة «صوت البحرين» الأدبية الفكرية – وهي أول مجلة ثقافية في تاريخ الخليج أيضاً – هاتان الصحيفتان لا أظن حسب علمي أن مركزاً من مراكز البحث الخليجي، على كثرتها، قد حصل على نسخ كاملة منها، ووضعها تحت يد الدارسين، وأرجو مع هذا أن يكون ظني مخطئاً..

فهل ما يحتمه استقصاء البحث العلمي وتوازنه، أن نجمع احصاءات شركات النفط ودراسات معهد السلام السويدي عن الخليج، ونترك دواوين «فهد العسكر والفيحاني والزايد»، وأعداد «صوت البحرين» الرصينة التي أسهمت فيها، عرضة للإهمال والضياع؟

هذه هي أهم الأسباب التي تجعل من الضروري أن تضطلع جهة أو جهات خليجية بإنشاء مركز للدراسات الأدبية والفنية لمنطقة الخليج وشرق الجزيرة. هذا هو الجهاد الأكبر والأصعب في ميدان البحث والتوثيق. وبدون قيام مثل هذا المركز الإبداعي ونجاحه في جمع المصادر والوثائق المهمة عبر العصور، فإن أية دراسة لاستكشاف تاريخ الانسان في وتراثه وابداعه في المنطقة ستكون دراسة ناقصة.

نحو تجميع الضوء

وأنا على يقين أن هناك «نقاط ضوء» صغيرة متفرقة في أرجاء المنطقة تسلط شعاعها البسيط على درب الرحلة الطويلة ومعالمها الكثيرة والمتفرقة والمتباعدة.. ولكن من يجمع هذه «البقع الضوئية» المتناثرة ليحولها إلى «قنديل متوهج» يكشف المسار الشائق للإنسان والوطن في معراج التاريخ؟ ذلك ما عنيته بمركز الدراسات الإبداعية...

 

*دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية تهدف إلى الحفاظ على إنتاج الدكتور الأنصاري وأعماله الفكرية والأدبية التي اهتم بها وركز عليها طوال مسيرته العلمية، وفي مقدمتها، التعريف بالجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية والتراث العربي ومطالبته بصحوة فكرية وثقافية لأمة العرب، وإتاحتها للمختصين والمهتمين للبناء عليها وإثراءها. 

 

*المقال نشر في الثمانينيات في عدد من المجلات الثقافية الخليجية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها