النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

نظرة حول خصخصة الأصول الحكومية في المنطقة

رابط مختصر
العدد 11498 الأربعاء  30 سبتمبر 2020 الموافق 13 صفر 1442

هناك عدة إجراءات يمكن لحكومات دول المجلس التعاون الخليجي اتخاذها لتحقيق التوازن المالي للميزانيات العامة، مثل فرض ضرائب القيمة المضافة، وتخفيض الدعم الحكومي للمحروقات والمواد الغذائية، وزيادة الرسوم على تأشيرات الدخول والإقامة، ودمج الدوائر الحكومية، وفرض الضرائب المتعلقة بالقطاع السياحي وكذلك الضرائب المتعلقة بالمشروبات الغازية والسجائر. ولكن عندما يتعرض مصدر الإيرادات الأساسي للدولة - ألا وهو النفط - لضربة مزدوجة ممثلة بانخفاض سعر برميل النفط وانخفاض الطلب العالمي عليه، فإن الدول في هذه الحالة غالباً ما تلجأ إلى الاقتراض.

وبما أن الاقتراض من السوق المحلية (وبالعملة المحلية) حصريًا يمكنه أن يؤدي إلى تناقص حجم السيولة المتوفرة، تقوم الدول في معظم الأحيان بالاقتراض بالعملة المحلية و«العملة الصعبة» (أي الدولار الأمريكي) معاً، حيث يمكّنها هذا الخيار من جذب التمويل العالمي من جهة والاحتفاظ باحتياطي كافٍ من العملات الأجنبية للحفاظ على سعر الصرف الثابت من جهة أخرى، بالإضافة إلى ميزات أخرى مثل كبح معدلات التضخم وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. 

في المقابل، فإن اللجوء المتزايد إلى الاقتراض قد يؤدي إلى قيام وكالات التصنيف العالمية بخفض التصنيفات الائتمانية السيادية بناءً على العجز المستقبلي الذي تتوقع حدوثه في ميزانية الدولة نتيجة لانخفاض إيرادات النفط من جهة وارتفاع النفقات التشغيلية والاجتماعية والرأسمالية من جهة أخرى، وهو ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض لأن خفض التصنيف يعني اضطرار الدول إلى دفع أسعار فائدة أعلى حتى تتمكن من جذب المستثمرين من الأسواق العالمية، وهو ما يشكّل عبئاً ثقيلاً على التدفقات النقدية يتم تعويضه عن طريق رفع ضرائب القيمة المضافة وغيرها من الضرائب وخفض الدعم الحكومي، مما يؤدي الى تباطؤ في وتيرة النمو الاقتصادي على الرغم من الحاجة الماسة في هذا الوقت لتحفيز النمو. هذا التباطؤ يؤدي بدوره إلى خفض إسهامات الضرائب والرسوم وغيرها من مصادر الدخل الأخرى المشابهة في الميزانية بشكل عام.

ومما يفاقم الأمور ويزيدها تعقيدًا انتشار وباء عالمي يجبر الحكومات على زيادة إنفاقها من أجل تخفيف تداعيات الوباء على القطاعات المتضررة. فما هو الحل إذن لهذه المعضلة؟ هناك عدة حلول في الواقع، أحدها خصخصة الأصول المملوكة للحكومة.

بإمكان الحكومة تعزيز الايرادات عن طريق بيع الأصول التي تندرج تحت ملكية القطاع العام، مثل المستشفيات والمدارس، ومرافق الخدمات العامة ومحطات التحلية، والاتصالات، والعقارات، وشبكات الموانئ والمطارات، والطرق، ومشاريع الإسكان الاجتماعي، ومراكز الإصلاح والتأهيل، وغيرها. لكن برامج الخصخصة عادة ما تثير الكثير من الجدل والمخاوف. إذ كيف يمكن للحكومة بيع أصول بمثل هذه الأهمية والمكانة - حتى ولو بشكل جزئي - يعتبرها الكثيرون «درّة التاج» الوطني إلى جهة رأسمالية، لا سيما في حال كانت تلك الجهة جهة أجنبية؟ الجواب المختصر لهذا السؤال يتمثل في نماذج عمليات الخصخصة المتاحة، والتي يمكن للعديد منها أن يحد من الجدل المُثار حول عملية الخصخصة ويبدّد المخاوف بشأنها.

ومن بين تلك النماذج ما تم في ديسمبر 2019 في أكبرعملية خصخصة شهدها العالم عندما باعت الحكومة السعودية حصة تبلغ 1.5% من شركة أرامكو السعودية التي تملك ثاني أكبر احتياطي من النفط الخام في العالم. فبناء على سعر البيع الذي قدّر قيمة شركة أرامكو بأكثر من 1.7 تريليون دولار، حصلت حكومة المملكة العربية السعودية على 26 مليار دولار من عملية الاكتتاب العام التي تمت والتي شارك فيها مستثمرون من جميع أنحاء العالم، وذلك دون تخلي الحكومة عن سيطرتها على الشركة في ظل احتفاظها بالأغلبية الكبرى من الأسهم مع الأحتفاظ بخيارالاستفادة من السوق من خلال العروض الثانوية على أسهم الشركة المدرجة في السوق المالية السعودية (تداول).

ومن النماذج المتاحة الأخرى أمام الحكومات القيام بخصخصة الأصول من خلال عقود «امتياز» محدودة الأجل، وهو ما تم في ميناء خليفة بن سلمان، ميناء الحاويات التجاري الوحيد في البحرين. ففي شهر نوفمبر 2006، وقعت حكومة البحرين اتفاقية امتياز لمدة 25 سنة مع شركة «أيه بي إم تيرمينالز» (APM Terminals) الهولندية تقوم بمقتضاها الشركة بتشغيل الميناء عبر شركة محلية لتلك المدة مع دفع حقوق الامتياز وغيرها من الرسوم الأخرى للحكومة. الاختلاف هنا عن المثال السابق هو أن الحكومة لا تملك أي أسهم في الشركة المحلية المشغلة للميناء - «إيه بي إم تيرمنالز البحرين»، ولكنها احتفظت بالسيطرة من خلال القيام بدور الإشراف التنظيمي عبر هيئة شؤون الموانئ والملاحة البحرية التابعة لوزارة المواصلات والاتصالات، فضلاً عن الشروط الصارمة التي تضمنتها اتفاقية الامتياز.

ومع ذلك، تبقى عملية خصخصة الأصول الحكومية قراراً صعباً وعملية ليس من السهل تنفيذها، إذ يمكن لتضارب المصالح، والتفاوت الشاسع في تقييم الأصول، والعراقيل الإجرائية والقانونية، والاعتبارات الاجتماعية والتوظيفية، فضلاً عن الرأي العام والقضايا السياسية الحساسة، أن تمثل حواجزاً تعيق نجاح هذه العملية. فكيف مثلاً يمكن أن نجعل المدارس الحكومية التي توفر التعليم المجاني أو المدعوم حكومياً استثماراً جاذباً للقطاع الخاص؟.

أحد الحلول قد يكون عن طريق اتفاقيات شراء الإنتاج (off-take agreements)، حيث تضمن الحكومة شراء أو دفع مقابل معين ولفترة محددة من الوقت لقاء الخدمات التي توفرها الشركة التي انتقلت ملكيتها إلى القطاع الخاص، وهو نموذج يكثر استخدامه في شركات مرافق الخدمات العامة والخاصة، حيث تقوم الحكومة مثلاً بشراء نسبة معينة من إنتاج الشركة لفترة تستمر 10 أو 15 سنة. الميزة في مثل هذه الاتفاقيات بالنسبة للحكومة واضحة، ألا وهي غياب النفقات الرأسمالية التي قد تثقل كاهل الدولة في ظل تولي شركة القطاع الخاص المتخصصة بموجب عقد بناء وامتلاك وتشغيل المرفق (build-own-operate)، مما يوفر بالتالي مئات الملايين من التدفقات النقدية للحكومة ويمكّن توجيهها لغرض آخر.

وقد اتبعت مملكة البحرين نموذجًا مماثلاً في مشروع محطة العِزِّل للكهرباء التي دخلت طور التشغيل في عام 2006 وتم تطويرها من قبل ائتلاف ضم شركات محلية وعالمية. ويمكن هيكلة مثل هذه المشاريع وفق نموذج عقود مشابه يعرف بنموذج «البناء والامتلاك والتشغيل ونقل الملكية» (build-own-operate-transfer)، والذي يتم فيه الاحتفاظ بملكية الأصول وفق نموذج تأجير لمدة معينة وبعد انقضاء تلك المدة تعود ملكية الأصول مرة أخرى إلى الحكومة.

قد يتساءل البعض هنا عن مدى جدية حكومات المنطقة في المضي قدمًا بعمليات الخصخصة؟ ولعل أهم مثال على ذلك برنامج رؤية السعودية 2030، وهي خطة طموحة لرسم ملامح مستقبل المملكة على المدى البعيد. فقد تضمن تدشين الرؤية إصدار كتيّب مفصّل تم فيه توضيح عملية الخصخصة في القطاعات المستهدفة، بما في ذلك قطاعات الرعاية الصحية، والتعليم، والطاقة المستدامة وإعادة التدوير، بل وحتى مواقف السيارات، وغيرها الكثير. كما بيّن الكتيب مستهدفات الأداء المنشودة من حيث حجم وفورات التدفقات النقدية وتوليد الوظائف الجديدة والهياكل التنظيمية المطلوبة. ويعدّ تشكيل هيئة إشرافية متخصصة وهي المركز الوطني للتخصيص، وسرعة تنفيذ الاكتتاب العام الأولي لأرامكو السعودية من الأمثلة الواضحة عن مدى الجدية والالتزام بتنفيذ هذا البرنامج.

كما أسفر النجاح الذي حققته عملية الخصخصة الأخيرة لمطاحن الدقيق في المملكة العربية السعودية اللتان رستا على ائتلاف «رحى - الصافي» وائتلاف «الراجحي - الغرير - مسافي» في 5 يوليو 2020 عن جمع مبلغ 2.8 مليار ريال سعودي لصالح الحكومة السعودية، والعمل جارٍ على خصخصة مطحنتيّ دقيق أخرتين، وذلك بالتوازي مع عملية خصخصة أخرى لتطوير مواقف السيارات من جانب القطاع الخاص.

وقد كانت مملكة البحرين من أوائل الدول في مجال الخصخصة في المنطقة، ممثلاً ذلك بخصخصة حافلات النقل العام في عام 2003، وكذلك بيع حصة من شركة ألمنيوم البحرين (ألبا) عن طريق الاكتتاب العام الأولي في عام 2010، والتي تعتبر أكبر مصاهر الألمنيوم في موقع واحد على مستوى العالم، وأيضًا محطة الدور للكهرباء وتحلية المياه التي دخلت حيز التشغيل في عام 2012.

وتجدر الإشارة إلى أن الخصخصة تعتبر من الركائز الأساسية للرؤية الاقتصادية لمملكة البحرين 2030 والتي تهدف إلى تنويع اقتصاد المملكة لتقليل الاعتماد على النفط، والتي تلعب الشراكة بين القطاعين العام والخاص دورًا مهمًا فيها. ومن الأمثلة على ذلك برامج الإسكان الاجتماعي في المملكة وبرنامج «مزايا» الذي تم إنشاؤه لهذا الغرض، حيث تقدم البنوك الخاصة قروضاً عقارية بأسعار فائدة مدعومة من الحكومة البحرينية لمساعدة المشترين الذين يستوفون شروطًا معينة. ومن الأمثلة الأخرى للنموذج الناجح للشراكة بين القطاعين العام والخاص في البحرين الاتفاقية التي أُبرمت مؤخراً مع مجموعة «إيني» الإيطالية لاستكشاف عدد من حقول النفط في المملكة. 

كما وتوجد العديد من النماذج الناجحة لبرامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص على المستوى الإقليمي أيضاً، حيث أسفرت جهود دبي الحثيثة لتنمية قطاع الترفيه عن تمويل عملية بناء وتطوير الحديقة الترفيهية «دبي باركس آند ريزورتس» في عام 2014 – والتي تغير اسمها لاحقاً إلى شركة دبي إكس بي إنترتينمينتس – عن طريق اكتتاب عام أولي حظي بإقبال واسع النطاق. وبالمثل، قامت شركة بترول أبوظبي الوطنية («أدنوك») ببيع 40% من أنابيب النفط بعقد امتياز للتأجير يمتد لـ 23 عاما إلى اثنتين من كبرى الشركات العالمية، هما «بلاك روك» و«كيه كيه آر» مقابل 4 مليارات دولار في عام 2018. 

وفيما يبدو، فإن المضي قدمًا نحو المزيد من عمليات الخصخصة في المنطقة يعدّ أمرًا حتميًا، حيث ستضيف مليارات الدولارات إلى احتياطيات الحكومات، وتشجع تطوير البنية الاجتماعية والبنية التحتية، وتولّد المزيد من فرص العمل، شريطة أن يتم تنفيذ هذه العمليات بشفافية عالية واستراتيجية واضحة. ويعدّ قيام حكومة البحرين بإنشاء مجلس المناقصات في عام 2003 وديوان الرقابة المالية والإدارية في عام 2011 من الأمثلة التي تبرهن حرص الحكومة على تعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة اللذان يشكّلان ركيزتين أساسيتين لعمليات الخصخصة الناجحة. وعدا عن تقليص دور الحكومات الإقليمية من لعب الدور الثنائي المتمثل في كونها الجهة المشغّلة والتنظيمية معاً لتصبح جهات تنظيمية بحتة سيسهم في تخفيف العبء الواقع على كاهلها، فإن من شأن الخصخصة أيضاً أن تخلق بيئة تنافسية صحية وتخفض الأسعار وترتقي بجودة الخدمات المقدمة للمستخدمين لكون الأصول المخصخصة مدارة وفق نظام تجاري من قبل مشغلين متخصصين يملكون خبرة محلية وإقليمية وعالمية. 

وأخيرًا، فإن الاعتماد على برامج الخصخصة القائمة على الاكتتاب العام الأولي، والتي يتم فيها عرض ملكية هذه الأصول ليس فقط على المستثمرين من المؤسسات بل وعلى الأفراد الراغبين في امتلاك حصة من «درة التاج» للدولة، سيسهم في تعزيز أسواق رأس المال، وتوزيع الثروة على شريحة أكبر من السكان، مما يرسّخ بدوره مبادئ المشاركة وينمّي الدعم الذي تحظى به مثل هذه البرامج.

 

* رئيس الخدمات المصرفية الاستثمارية في سيكو

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها