النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

في اللحظة التاريخية الراهنة

ما يســــتطيع العـــرب فعلــــه

رابط مختصر
العدد 11488 الأحد 20 سبتمبر 2020 الموافق 3 صفر 1442

 الموسم الثالث من سلسلة الأنصاري و«قديمه المتجدد» 

 

تبادر «دارة الأنصاري للفكر والثقافة»، بالتعاون مع جريدة «الأيام»، كناشر حصري، بإعادة نشر بعض مقالات أ. د. محمد جابر الأنصاري «بتصرف» وبقراءة للحاضر من ماضٍ قريب. 

المقال مقتبس من أحد أبحاث المشروع الفكري للدكتور الأنصاري في «الإسلام والمسألة السياسية»، وهو مشروع يهدف إلى إعادة بناء الفكر السياسي الإسلامي على أسس جديدة.


 

في اللحظة التاريخية الراهنة -وبنظرة واقعية- لا تبدو الفرص متاحة أمام العرب في المدى القريب لتحقيق إنجازات سياسية أو اقتصادية مباشرة تتناسب وحجم تطلعاتهم، وكل ما هو مأمول: أن يرمموا ما تصدع، ويتجنبوا الأسوأ، وألا يسمحوا لعقليات المغامرة أو المكابرة، أو الجمود واللامسؤولية أن تجلب لهم المزيد من الكوارث. وذلك إلى أن يغيروا ما بأنفسهم، وما بواقعهم، ويعرفوا كيف يجب أن يتعاطوا عمليًا وإيجابيًا مع حقائق العالم والعصر وما تتطلبه هذه الحقائق من التزام مسؤول بالعمل المنتج والسلوك المتحضر في مختلف جوانب الحياة.

ولكن العرب، في اللحظة التاريخية الراهنة، ومن واقع المعاناة، والتجارب المريرة، والمتغيرات المنبهة، يمكنهم إذا أحسنوا الرؤية وصدقوا العزم أن يحققوا نهضة فكرية وثورة معرفية تنويرية جديدة تصل ما انقطع من مسارات نهضتهم المبكرة في مطلع العصر الحديث، وهي النهضة التنويرية المفترى عليها التي حققت إنجازات لا تنكر في الفكر والواقع برغم قصورها، والتي تتعرض اليوم لمحاولات طمس وتشويه لحقيقة مقاصدها وتوجهات إعلامها.

فلا بد إذن من استئناف مسيرة النهضة الفكرية، ولا بد من تراكم متصل لتحقيق الانعطاف النوعي، والصورة الأصيلة هي التي تعرف كيف تبني فوق ما سبق من بناء، أما الهدم فلن ينتج غير ما نحن فيه. ولا يمكن أن تحقق الأمم أي نوع من الصحوة في واقعها، إلا إذا بدأت بصحوة معرفية عقلية تحليلية ونقدية، لذاتها أولاً ولماضيها وحاضرها ولحقائق عالمها وعصرها ثانيًا. فلا صحوة بلا عقل، ولا صحوة بدون معرفة حقيقة للذات. 

من هنا فإن اللحظة التاريخية الراهنة هي لحظة إعادة النظر واجتراح الصحوة المعرفية اللازمة، لإحداث الصحوة الحضارية الشاملة، من خلال بلورة المشروع الحضاري العربي-الإسلامي القادر على الإنجاز والفعل، والذي لابد منه إن أريد للمبادئ النظرية العامة أن تتحول إلى واقع ملموس في حياة الأمة لتحدي المتغيرات العالمية الكاسحة، والتي تحتم مثل هذه المراجعة الفكرية الجذرية إذا استطاع الوعي العربي تجاوز البكائيات والإحباط من ناحية، وخطاب التشدد غير العقلاني والأدلجات المثالية من ناحية ثانية.

 

مسؤولية المثقفين

على المثقفين والمفكرين العرب اغتنام هذه الفرصة التاريخية وعدم تضييعها. لا بد من العودة إلى طرح الأسئلة الأساسية، في مختلف جوانب الفكر والحياة، وصولاً إلى تحقيق الاختراق المعرفي للذات وللواقع وللآخر، ذلك الاختراق الكفيل وحده بتوليد المشروع الحضاري المنشود وبالتأسيس لبناء جديد.

إن هذا الاختراق المعرفي ليس ترفًا فكريًا لأنه وحده الكفيل أيضًا بتوليد وعي عربي شامل في مستوى الأحداث. قد أثبتت دروس الكوارث الأخيرة أن الوعي العربي السائد قابل للتزييف بسهولة، وغير محصّن ضد منزلقات الاستهواء والاستغلال، سواء خوطب بشعارات اليمين واليسار، أو بشعارات التراث والحداثة، وما لم يُحصّن هذا الوعي بتأسيس معرفي للذات وللواقع وللآخر، فإنه لن يستحق صفة الوعي على الإطلاق.

وللأمانة فإن مدارس الفكر العربي الحديث وتياراته، لم ينقصها تعمق نظري في الأفكار والفلسفات التي اطلعت عليها واقتبست منها، ولكن المشكلة أن هذا الفكر بقى في معظمه مرانا ذهنيا فوقيا يركب الأفكار والتنظيرات المجردة، ثم يعيد تركيبها وترتيبها أو قلبها بحسب مقتضيات الظروف، دون أن يولي اهتمام لمدى علاقة هذه الأفكار بالواقع وبالوقائع والحقائق المتعلقة بها. 

فالغائبان الكبيران في صميم الفكر العربي هما الذات والواقع: خصوصية الذات الجماعية للأمة، والواقع بما هو تاريخ وحاضر لتلك الذات بمعناها الحضاري الشامل. إن صورة ذلك الواقع لا تكاد تبين خلف واجهات الأبنية التنظيرية والأيدلوجية لفكرنا العربي الحديث، وذلك ما جعل منها أبنية كرتونية في ساعة الحقيقة، ساعة المواجهة الساخنة مع الحقائق على أرضية الواقع الصلب.

 

 «المعرفة» بين العقل والفكر

لا يستطيع العقل أن ينتج فكرًا إذا لم يجد غذاءه الكافي من المعرفة. ففي مثلث العقل-الفكر-المعرفة، تمثل المادة المعرفية قاعدة المثلث، وما لم تتوافر هذه المادة أمام العقل فلن ينتج من فكر غير تصوراته وتخميناته الذاتية، وذلك ما ينتجه العقل العربي من فكر عربي معاصر في الغالب.

وليس مصادفة أن الغالب على الثقافة العربية الحديثة الأدب والشعر والتراثيات والأيديولوجيات السياسية، مقابل ضمورها في المعرفة العلمية وفي العلوم الاجتماعية. ومن تجارب عديدة مع الوعي العربي السائد، يمكننا التأكد من أن هذا الوعي العام في مجمله ما زال غير قادر على التمييز بين التشخيص الوصفي الموضوعي للحالة وبين الحكم القيمي أو الذاتي عليها. فالخطاب في عرف هذا الوعي إما مديح أو هجاء، تعظيم أو تحقير. أما الوصف من حيث هو تشخيص موضوعي لا يعبر عن الرغائب وإنما عن الوقائع، فحظه من القبول قليل وضئيل وخاصة إذا اقترب من الذات.

غير أن النهضات الحقيقية في حياة الأمم لا تبدأ إلا بثورة معرفية علمية موجهة -قبل كل شيء- إلى فهم الذات (الذات الجماعية للأمة) وإعادة اكتشافها ونقدها، وإن العجز عن تحقيق هذه الثورة العلمية النقدية يساوي التخبط المزمن في المأزق العربي الراهن، حيث يعاني العرب التباسا خطيرًا في الوعي بين التصور والواقع، وبين الأيديولوجيا والحقيقية، والرغبة والإمكان، وباختصار: بين ما هو كائن.. وما يجب أن يكون.

 

الحقيقة فوق الأيديولوجيا

ولقد ظلت الحركات والتيارات العربية على اختلافها تقدم الأيديولوجيا على الحقيقة، بل وتلوي أعناق الحقائق في سبيل تأكيد أيدولوجيا الأزمة المزمنة!. غير أن الإيديولوجيا الفاعلة في الواقع، هي تلك التي تمثل ثمرة ثورة معرفية علمية تسبقها وتمهد لها. 

وليس صحيحًا أنه لا ثقافة بلا أيديولوجيا، وإنما الصحيح أن لا أيديولوجية فاعلة ومتماسكة دون ثورة ثقافية معرفية تتقدمها.. وتقودها.. وتقربها من أفق الحقيقة بالبدء بطرح الأسئلة الكبرى والضرورية التي تطرحها أي نهضة أصيلة، بشرط أن نعرف كيف نطرحها وإلى أي أعماق فينا نوجهها. 

وغني عن البيان أن طرح أسئلة كهذه يحتاج إلى مناخ أهم مقوماته حرية الرأي، وسعة الصدر، ومرونة الفكر، والرغبة في الحوار، واحترام الرأي الآخر.. وهي وصفات نكررها كثيرًا في خطابنا العربي الراهن ولكن لا أعلم متى سنطبقها، فنحن أمة مازالت تعاني ازدواجية كبرى بين الكلام والفعل، وهذه الازدواجية، من أكبر عوائق النهضات الأصيلة في حياة الأمم لأن هذه النهضات لا تسلم قيادها لمن لا يحترم مقاله فعله ولا ينسجم فعله مع مقاله.

وللخروج من هذا المأزق انطلاقا لعصور التنوير لا بد النظر إلى التراث والحياة والعصر بمنظار جديد، بلا وسطاء، وشراح وهوامش. فالتراث لا يفسر بالتراث اللاحق والأصل لا يفسر بالفرع والدين لا يفسر بالمذهب، ولكنه يفسر برؤية الإنسان الجديد المعاصر واحتياجاته لذلك التراث، كما أن العصر وقضاياه لا يؤخذ كما هو لدى المعاصرين الآخرين، ولكنه يؤخذ حسب المنظار والمعيار المستقل للإنسان المتلقي. 

وهكذا تلقى الانسان الأوروبي في بدايات نهضته العصر الحضاري الإسلامي المتقدم عليه واستفاد منه دون أن يتأسلم، فلماذا يخشى علينا أن نتغرب؟ وبالمثل، وهكذا من قبل، تلقى المسلمون الأوائل جديد الآخرين من أهل الحضارات القديمة دون أن يفقدوا إسلامهم.

إذن التراث والعصر حقيقتان لا يمكن إلغائهما. ولكن يمكن إلغاء عبودية الإنسان العربي المعاصر لهما معًا، باستشراف واستيعاب الأصول المعرفية الرئيسية في التراث وفي العصر، دون ان تختفي شخصيته خلف صيغ التوفيق المتهافتة بينهما -كما هو طابع الفكر العربي والثقافة العربية في كثير من الجوانب- إما بالاستغراق في تفرعات وجزيئات الأصول، أو بركوب موجات فكرية خارجية هي بدورها تفرعات لأصول كبرى صدرت عنها.

فقبل الإعجاب بالمظاهر السطحية والاستهلاكية للرأسمالية والاقتصاد الحر التي نتهالك على قشورها هل قرأنا وتعمقنا «ثروة الأمم» لآدم سميث ومدارس الفكر الليبرالي الأخرى؟ وهل تعمقنا جدلية هيجل قبل قراءة مادتها المترجمة الركيكة للمادة الجدلية؟ وهل تعمقنا وجودية نيتشه قبل متابعة السلوكيات والروايات الوجودية لسيمون دي بوفوار؟

 

الأصول.. لتخطي الأصولية!

وبالنسبة لمصادر التراث هل تعرفنا بصورة متعمقة أصول القرآن الكريم والسنة الصحيحة، قبل الدخول في التفريعات والمذاهب الفقهية والكلامية التالية؟ هل عبرنا إلى الينابيع قبل الروافد، وإلى المتقدم المتأصل قبل المتأخر المتفرع؟

هذه الأطروحة الثالثة إذن نوجزها بالقول: لا بد لعصر تنوير جديد من تجاوز ثقافة الموجات العابرة إلى ثقافة الأصول الفاعلة لقضايا العصر، وعلينا التنبه إلى أن الأصولية السائدة حاليًا -إن صحت تسميتها بهذا الاسم- هي أصولية المتأخر المتفرع لا أصولية التأسيس والابتكار والانطلاق، فلابد إذن من الأصول لتخطي الأصولية.

هذه مجموعة مفاهيم فكرية أساسية وجوهرية نرى أن ثقافتنا العربية مطالبة بالتوقف أمامها في اللحظة التاريخية الراهنة، إن أرادت أن تكون عاملاً فاعلاً في استنهاض الأمة من جديد في هذا العصر الذي لا يتساهل مع الثقافات المتجمدة وغير القادرة على مراجعة ذاتها وتشخيصها ونقدها.

 

* المقال نشر في منتصف التسعينات في مجلة العربي الكويتية.

** دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية تهدف إلى الحفاظ على إنتاج الدكتور الأنصاري وأعماله الفكرية والأدبية التي اهتم بها وركز عليها طوال مسيرته العلمية، وفي مقدمتها، التعريف بالجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية والتراث العربي ومطالبته بصحوة فكرية وثقافية لأمة العرب، وإتاحتها للمختصين والمهتمين للبناء عليها وإثرائها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها