النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11489 الإثنين 21 سبتمبر 2020 الموافق 4 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

يغادرنا سلمان زيمان وفي البال أغنية..

رابط مختصر
العدد 11430 الجمعة 24 يوليو 2020 الموافق 3 ذي الحجة 1441

«آخ» يا سلمان..

يا حرقة الروح وحسرة الفؤاد.. 

فقدك يا أخي وصديقي باغتني وأوجعني، وترك في النفس غصة ثقيلة منهكة دامية، حيث لم يكن في البال والحسبان أن تغادرنا أيها الباسق على عجل، وأنت الذي سكنت بفنك وشدوك وإنسانيتك ونبلك في كل تفاصيل وتلافيف شرايين الحياة في أنفاسنا.. 

يا الله.. هل قُدّر للفراشة أن تهجر بستان الورد قبل أن تستطيب روحها بعبق أول نسمة تغتسل بندى فجرها ؟ 

هو هكذا سلمان.. غادرنا وفي البال أغنية تنتظر شدوها في شفاهنا بعد قليل من الورد الذي يستقطر عبقه من نسمة روحه الرهيفة.. 

الذاكرة عنيفة وصاخبة كما لو أنها في أول النزق واليفاعة..

الذاكرة تأخذني، بل تجرني بقوة نحو أول مشروع غنائي وطني عربي أممي يؤسس له الفنان سلمان زيمان في البحرين، متجسدًا في فرقة أجراس التي تشكلت نواتها من أهم العازفين والمغنين الذين ربطتهم بسلمان وشائج الصداقة الحميمة والهم الوطني المشترك، بمن فيهم بعض أشقائه وشقيقاته يتصدرهم المايسترو خليفة زيمان الذي قاد الفرقة في أغلب حفلاتها الغنائية.

وقد كانت أجراس التي تغنت بقصائد شعراء المقاومة الفلسطينية وشعراء الوطن تعتبر في حينها أول فرقة غنائية في البحرين تقدم أنموذجًا فنيًا مغايرًا لما هو سائد من الأغنيات في البحرين في حينه، وقد لاقت بفضل قائدها الفنان سلمان زيمان دينامو الفرقة وروحها المتوهجة بفضل أغانيه الوطنية العربية الأممية صدى كبيرا لدى جمهورها الذي يتقاطر إليها في كل حفلة

من كل مكان في داخل الوطن وخارجه، وقد كانت صالات عرض الفنادق الكبرى في البحرين تكتظ بهذا الجمهور الذي يتفاعل مع أغاني هذه الفرقة ويحرص على الحضور لكل حفلاتها، وكان لسلمان زيمان حظوة أثيرة كبرى لدى هذه الجماهير، خاصة ما إذا ترنم بأغنية (يا أبو الفعايل يا ولد) لمؤلفها الشاعر علي عبدالله خليفة، هذه الأغنية التي لاقت صدى غير عادي وحتى يومنا هذا لدى جمهور سلمان زيمان أولا قبل الفرقة. 

وقد احتضنت هذه الفرقة أهم العازفين ومهندسي الصوت الذين صقلتهم خبرة الدراسة الأكاديمية وخبرة انخراطهم وقيادتهم لفرق موسيقية شبابية في البحرين قبل اندماجهم مع فرقة أجراس، وكان من أهم المؤلفين الموسيقيين البحرينيين الذين استقطبهم سلمان زيمان، المايسترو العالمي الراحل مجيد مرهون الذي وجد ضالته بين من يشاركونه في الفن هم الوطن، وقد قدمت سيمفونياته ومقطوعاته الموسيقية بقيادة وتوزيع مايسترو أجراس الفنان خليفة زيمان في أكثر من مناسبة فنية. 

سلمان زيمان، عراب فرقة أجراس ودينامو وهجها الفني الخلاق، تجلى ضوء صوته الشجي في بداية الحلم في أغنياته (اليمانية) التي أصدر منها أول ألبوم في سبعينات القرن الماضي وقد لقيت هذه الأغنيات صدى جماهيريا كبيرا لدى متذوقي الأغنية اليمانية وخاصة في دولة الكويت، حيث سطع نجمه فيها إبان تسعينات القرن الماضي عندما استقر به مقام الارتحال المؤقت فيها لسنوات قدم فيها الكثير من الأغنيات اليمانية والفلسطينية والتي سهلت عليه إمكانية إصدارها في ألبومات أسهمت في انتشاره خليجيا وعربيا. 

وكان لسلمان أبو سلام القريب الحبيب في الكويت بيوت ومنازل، فقد احتواه الشعراء والفنانون بل جمهور الأغنية في الكويت الذين إذا ما ذكرت البحرين ذكر سلمان زيمان معها، ولا يمكن أن أنسى تلك الليلة المضيئة المبهجة التي ضمتنا بالحبيب سلمان في الكويت وتحديدا في بيت الكاتبة الكويتية الكبيرة ليلى العثمان بصحبة الأصدقاء من الكويت والبحرين والسعودية، الليلة التي ارتدى فيها سلمان السترة المكسيكية الإسبانية وعانق غيتاره ليحيي أجمل الأغنيات الجميلة المحببة للروح والذوق، وكان من بينها أغنية (رجعت ليالي زمان) لفيروز التي قدمها إهداء خاصا لي بعد غيبة ليست بقصيرة خرج الجيران على إثرها من بيوتهم بسبب الشوق الكبير الذي صاحبه ضحك عال وعناق طويل، وأذكر أن المناسبة كانت حفلة سيحييها الفنان مارسيل خليفة على خشبة مسرح سينما الأندلس القديمة، وهي المرة الأولى التي نلتقي فيها بمارسيل وجها لوجه. 

وإذا كان سلمان زيمان عراب فرقة أجراس ونسمة السهر اليمانية في الكويت فهو صوت العمال في البحرين، فما من مناسبة عمالية أو يلتقي فيها أصدقاؤه من العمال إلا كان لسلمان زيمان حضور البدر فيها حتى ساعات متأخرة تقترب من غبشة الفجر، إذ كان يأتي بزيه العمالي الكاكي ويبدأ بحضوره الغناء وخاصة الأغنيات العمالية التي ترددها فرقة الطريق العراقية أو الأغنيات التي لحنها هو وغناها، وكان العمال الأصدقاء يتحلقون حوله وكما لو أن كل هذه الليالي أغنيات عمالية لا يمكن أن تنسى، وما أكثر المزارع وسواحل البحر التي جمعته بهم، ولي حظوة أن أكون بينهم بوصفي صديق حميم لسلمان ولأكثر هؤلاء العمال الطيبين. 

في كل موقع في البحرين لسلمان زيمان مكان فيه، بما فيهم مستشفى الأمراض النفسية والجمعيات الخيرية والإنسانية، وهذا ما جعل شعبية الفنان سلمان تكبر وتتسع، حيث تجدهم في كل مناسبة يغني فيها ضمن حفلات أجراس هم جمهوره وهم محبوه، خاصة وأنه فنان تملك خاصية فنية فريدة من حيث تشبع روحه بالحس الشعبي الأصيل الذي تتقبله كل الأذواق من كبار وشباب. 

وسلمان قلبه يسع الجميع بما فيهم الأطفال أيضا، حيث قدم أجمل وأبدع الأوبريتات الغنائية للأطفال في الأندية الوطنية وخاصة في ناديي مدينة عيسى والوحدة، مثلما قدم بعض المؤلفات الموسيقية والمؤثرات لبعض عروض الأندية، وكانت له معي تجربة جميلة وفريدة ورائعة في مسرحية (القبضة) تأليفي وإخراجي، وهي أول مسرحية صامتة تقدم في البحرين، وكان المنتج لها هو نادي توبلي، في هذه المسرحية ألف سلمان زيمان موسيقى تواكب أجواء المسرحية، وكان لشغف وحب سلمان لعمله يدفعه أحيانا أن يكون مؤديا ممثلا لموسيقاه، وهكذا رأيته بحب في هذه المسرحية مثلما أحبه جميع من اشتغل ومثـّل هذه المسرحية في نادي توبلي خاصة حين يمنح طريقته في العفوية في الأداء روحا شارليشابلينية محببة. 

هو الفنان المربي الذي لشدة تعلق أطفال وناشئة مدرسة النسبم به عندما كان مدرسا للموسبقى فيها ومن ثم غادرنا، وقفوا وقفة احتجاج رفضا لمغادرته المدرسة ولا يمكن أن يكون مدرسا للموسيقى بديلا عنه.

هو الفراشة التي تستهويها وتغويها ورود البساتين العبقة، وهو النحلة التي سخرت حياتها لإنتاج لا يتوقف أو ينتهي، وهو الباحث عن أمل ولو كان في أرض مجدبة، لذا لم يتوقف سلمان عن العطاء بتوقف فرقة أجراس لأسباب خارجة عن الإرادة، فقد ظل يتحين أية فرصة ليبث روحه الغنائية فيها، ومن بين هذه الفرص إحياؤه لأغان جديدة وبعضها قد قدمها سابقا، في مواسم حفلات فرقة البحرين للموسيقى بقيادة شقيقه المايسترو خليفة زيمان على خشبة مسرح الصالة الثقافية، فقد ظل وفيًّا ومحبًّا لجمهوره مثلما ظل جمهوره وفيا وعاشقا له ولأغنياته الوطنية والعاطفية. 

هو سلمان زيمان الذي لم يكن في موقع الملحن والمغني فحسب، وإنما كان عشقه لفنه يتجاوز هاتين المهمتين إلى انغماره في تصليح ودوزنة الآلات الموسيقية، تحت إصرار أن يبقى الفن حيًّا ومستمرًّا ما دام هناك من يحبه ويعشقه، وهو إرشيف فرقة أجراس والأغنية الوطنية والباحث في شؤونها، وله فيها دراسات ومقالات عديدة قدمها في مناسبات كثيرة ونشر بعضها في الصحافة، وهو الباحث أيضا عن الأغنية المغايرة والتي من شأنها أن ترقى بالذوق العام، لذا تمكن من أن يجعل من الأغنية القصيدة أن تصبح مقبولة ومهضومة لدى الجميع دون استثناء، وهو سبق ونجاح فريدين في وسطنا الغنائي في البحرين، وقد تمكن من إدارة هذه الأغنية النوعية ونشرها في الوسط الغنائي الموسيقي العربي، فباتت فرقة أجراس الصوت الوطني البحريني الذي تعشقه الذائقة وتتابعه في مختلف الأصقاع العربية. 

هو سلمان زيمان الذي جابت قدماي معه منذ اليفاعة وحتى اليفاعة طرقا كثيرة في أحياء الفن والوطن والذي لم يبخل علي بتواضعه حين يستشيرني أو يطلب رأيا مني في تجربة فنية ما مقبل على تنفيذها، وهذا التواضع الجم الذي يتمتع به سلمان زيمان نادر وفريد حقا كان معضدا بالحجة والحكمة والإقناع، ولعله أحد أهم الأسباب التي جعل من جميع أفراد أسرته بدءا من والديه رحمهما الله حتى كبير الأشقاء عبدالرحمن زيمان إلى أصغرهم يمنحونه ثقة كبيرة بأن شقيقاتهم في أيدٍ أمينة، وأنه ألا خوف على من كان الوطن وقيمه النبيلة من صميم فعاله وأخلاقه، لذا كان بيت بن زيمان بيتا للحب والحميمية والود والإنسانية في أقصى تجلياتهم، ولذا لم أشعر يوما أنني كنت خارج إطار هذا البيت الذي جمعني بأخوة لهم في القلب مكانة الروح. 

هو سلمان زيمان الذي لم يبخل علي يوما بتعاونه وحبه، ولا يمكن أن أنسى يوما ما حييت من هذا الإنسان الصديق الوفي الحبيب بوسلام موقفه معي إبان تورط زوجتي بمرض شبيه للمرض الذي عانى منه طويلا، فقد كان دائم الاتصال بي وتزويدي ببعض الاستشارات التي ممكن أن تساعدها في تجاوز هذه المحنة، خاصة وأنه ليس صديقا شخصيا لي فحسب، إنما هو صديق لأسرتي الصغيرة، وزوجتي أخت أخرى لشقيقاته. 

 ظل سلمان الإنسان الذي لم تلوّثه الأزمات والتغيرات والتحولات باقيًا في الروح حيًا يافعًا، ولعله اللحظة يذكر آخر أغنيات عراقية أرسلتها له عبر (الواتساب) في 18 يوليو، عشق أخضر، وجاوبني تدري الوكت، ولقاء إذاعي نادر بين المطربين ناظم الغزالي وسليمان مراد..

لروحه الرحمة والسكينة والسلام ولأهله ومحبيه الصبر والسلوان..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها