النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11801 الجمعة 30 يوليو 2021 الموافق 20 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

هذا ما فعلته البحرين

رابط مختصر
العدد 11298 الأحد 15 مارس 2020 الموافق 20 رجب 1441

ماذا يعني أن تقوم دولة بإخضاع أكثر من 9000 شخص للفحص الطبي خلال فترة زمنية لا تتعدى شهر واحد؟ بل وتسيِّر حافلاتٍ طبية لإخضاع قادمين من بلد ينتشر فيه مرض معدٍ لفحوصات في منازلهم حفاظًا على خصوصيتهم، وللتسهيل عليهم في سبيل محاصرة انتشار المرض بين أفراد المجتمع، وتضع خطط لإجلاء رعاياها من بلد لا يحترم قانونين، ولا أعرافًا من أجل تأمين عودتهم، وتخصيص معسكرات طبية لرعايتهم الصحية. وتسارع لنشر الوعي بين أفراد الجاليات الأجنبية، وتصل اليهم عبر سفاراتهم وجمعياتهم وتجمعاتهم، والتعاطي معهم كشركاء في هذا المجتمع وسلامته، لا مجرد عمالة وافدة يمكن أن نعيدها لبلدانها اذا مرضت ولم تعد قادرة على أداء عملها، ويحرص فريق طبي يتعامل مع تحدٍ صحي غير مسبوق في تاريخ هذا البلد على عقد مؤتمرات صحفية، واطلاع الرأي العام على كافة المستجدات بشفافية وحرفية منذ تسجيل أول حالة إصابة بـ «كورونا» قادمة من الخارج.. ماذا يعني كل ذلك؟. 

هذا ما فعلته البحرين خلال أسابيع قليلة اتجاه مواطنيها والمقيمين فيها، لم تتخلَ عن التزامها الوطني والإنساني اتجاهنا جميعًا، ولم تنشغل بفك شيفرات سلوك النظام الايراني المسكون بالحقد وتصدير العداء والأوجاع للأوطان. وعندما تسلل الاستياء للنفوس من وجود مصابين محتملين بين العائدين من ايران، جاءت تصريحات سمو ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة لتؤكد أن عدونا هو المرض وليس العائدين من ايران، ولتقطع الطريق أمام أي نبرة غير مقبولة في بلد يحترم دستوره، ويعي مسؤوليته اتجاه كل مواطنيه. في بلدٍ تحكمه دولة ومؤسسات دستورية، في وطنٍ للجميع لا ينتقي أناسه وفق جذورهم او أصولهم او انتماءتهم الدينية، ببساطة الدولة هنا لا ترى الهوية الفرعية، ولا تفاصيلها الضيقة. 

في المقابل ماذا قدمت الأصوات المريضة في مواقع التواصل الاجتماعي التي تطرح نفسها كمعارضة سياسية سوى الابتذال السياسي، وتشكيك الناس في كل ما يبذل من جهود إزاء التعامل مع جائحة عالمية، وإعطاء المشهد وجهًا طائفيًا؟ نعم هذه الأصوات لا تستطيع أن تتحدث من منطلقات وطنية لأنها محكومة بأفق أيدلوجية سياسية قائمة على التشكيك ونظريات المؤامرة، وهذا ما يجعلها غير قادرة على رؤية نحو 1000 مواطن بحريني متواجدين في ايران كمواطنين تتعامل الدولة مع إجلائهم وفق ترتيباتها وخططها وطاقاتها الاستيعابية، بل تريد أن يراهم المجتمع كأبناء طائفة لتصطنع اتهامات تبدأ وتنتهي دائمًا عند الطائفة. تمامًا كما هو النظام القائم في ايران الذي لم يستطع طيلة تاريخه أن يصنع علاقة طبيعية مع الدول، بل كان يحتاج دومًا علاقة مع «سماسرة» سياسيين تتسلل من خلالهم نحو المجتمعات تحت يافطة الطائفة.

هذه الأصوات «الموبوءة» التي تستطيع دائمًا أن تطرح تفسيرات اتهامية للدولة كي تصدرها نحو الذهنية المتحفزة لاستقبال كل ما ينتهي عند الاتهام، لم تجرؤ على توجيه أي انتقاد للنظام الايراني الذي تعمد التأخير بالإعلان عن المرض، وتعمد عدم ختم جوازات سفر مواطنين بحرينيين ليخفي زياراتهم الى ايران، رغم عدم وجود قرار يحظر على البحريني السفر الى ايران.

هذه الأصوات التي تريد منا أن نتناقل «فيروس» عدم الثقة بالدولة التي تعاطت مع الوضع بحرفية وشفافية ومسؤولية قوبلت بإشادة دولية، هي دائمًا بوضعية «السايلنت» عندما يتعلق الأمر بالنظام الايراني حتى لو كان المتضرر من هذا التعاطي الايراني هم المواطنون أنفسهم الذين يتاجرون اليوم بوجودهم في بلد تفشى فيه المرض بسبب نظامه البائس. والذي تسبب ايضًا بمأساة حقيقة لشعبه في بلد لا تساوي ميزانيته الصحية والتعليمية مجتمعتين شيء أمام ميزانيته العسكرية، ففي الوقت الذي كانت تتصاعد الاحتجاجات الشعبية في ايران أواخر العام الماضي بسبب تدهور الأوضاع المعيشية، كان المرشد الأعلى للنظام الايراني علي خامنئي يوصي بتخصيص 1،5 مليار دولار إضافية من صندوق التنمية الوطني. بالطبع هذه الأموال لم تضخ في بناء مستشفيات، او مدارس او أي مشروع تنموي من أجل الشعب، بل للإنفاق العسكري وجيوب الميلشيات في الخارج. فيما تذهب 6 مليارات دولار سنويًا للنظام السوري. ويحصل الحرس الثوري الايراني على ما يساوي 53% من ميزانية الدولة الايرانية التي تستطيع أن تدفع دائمًا بسخاء لذبح شعوب أخرى وتوريطها بدماء بعضها البعض على أساس طائفي، فيما لم يجد الشعب الايراني اليوم رعاية صحية تليق بالبشر.

لقد كان تشخيصًا واقعيًا ما طرحه وزير الداخلية الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة في لقاء جمعه بوزراء وأعضاء في السلطة التشريعية مؤخرًا حين وصف ما قامت به ايران بـ «العدوان البيولوجي» المحرم دوليًا، وعرَّضت سلامة المجتمع البحريني وغيرها من المجتمعات الخليجية والعربية للخطر. ولا نستطيع منطقيًا أن نفترض أن ايران لم تستخدم المرض كحرب بيولوجية وجهتها للخارج. وإلا لماذا لم تختم الجوازات لزوار مواقع دينية اذا كانت دولتهم الأم لم تمنعهم أصلاً من السفر الى ايران؟ وهو السؤال الذي لا تطرحه الأصوات الموبوءة التي لديها مهمة محددة وهي تأليب مشاعر الناس وزعزعة الثقة بتعاطي البحرين مع المرض والمصابين المحتملين به، ولم يستطع النظام الايراني الإجابة عليه، فتبرع بالإجابة عليه مساعد رئيس مجلس الشورى الايراني حسين عبداللهيان بإجابة تشبه شعارات المظاهرات البائسة «الموت لأمريكا» حين أقحم الولايات المتحدة في تعاطي قامت به ايران وليس امريكا، إلا اذا كان موظفو الجوازات في المطارات الايرانية من «البنتاغون» وليسوا موظفين رسميين في أجهزة أمنية ايرانية.

آخر ما نحتاجه اليوم التشكيك بكل ما قامت به البحرين لأجلنا جميعًا، ولتصمت الأصوات الموبوءة بأمراضها السياسية التي لا لقاح لمن ابتلي بأيدلوجيات لا تصنع الأوطان، فحق البحرين علينا اليوم أن نقف خلف الدولة، وأن نشعر بمسؤوليتنا اتجاه بعضنا البعض، لأن الإنسانية التي تجمعنا تتجاوز كل الفوارق. في عقود ماضية انتشرت أمراض معدية في البحرين، مثل الطعون -في العام 1906 و1907- وقضى على عائلات بأكملها، وكذلك الملاريا والكوليرا، كانت جمعيها أوبئة تنتشر عندما لم تكن أدوات الحياة سخية، وتم القضاء عليها بفعل المدنية، ومد شبكات الصرف الصحي، وتجفيف تجمع المستنقعات، والتخلص من النفايات، نعم كورونا قد يبدو مخيفًا الآن، لكن حتمًا سيأتي يوم وتصبح هذه الأيام شيء من الماضي، ماضي البحرين التي نحب، البحرين التي نعشق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها