النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11922 الأحد 28 نوفمبر 2021 الموافق 23 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:25AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

ما بعد وصول «كورونا»!

رابط مختصر
العدد 11284 الأحد 1 مارس 2020 الموافق 6 رجب 1441

 

وصل فيروس «كورونا» الى البحرين، ولم يعد بالإمكان ان نبقى ندور حول انفسنا، ونترك للقلق داخلنا ان يلقي باللوم على أفراد حتمًا لم تكن خياراتهم أن يصابوا به لأنهم زاروا دولة خلال فترة لم يكن معلن فيها اكتشاف أي اصابات لديها بالمرض، كما لم يعد استياؤنا من سلوك واستهتار الدولة الايرانية التي تأخرت واقعيًا بالإعلان عن اكتشاف حالات لديها يغيّر شيئًا من الواقع، فتسجيل حالات في أي بلد لم يعد اليوم هو الإشكالية في عالم لا دولة فيه بمأمن من تسجيل اصابات، وذلك نتيجة لحركة السفر والتنقل، لكن الاشكالية تكمن بالإنذار المبكر عند اكتشاف اول حالة، والتعامل بشفافية ومصدقية مع اعداد الحالات، وتقديمها امام المجتمع الدولي، والجاهزية المسبقة لتقديم الرعاية الصحية اللازمة من ترتيبات عزل صحي، وهذا التعاطي المسؤول مع فيروس منتشر لم نشهد منه شيئا في سلوك الدولة الايرانية التي تتعامل دائما مع أي تحدٍّ بالإنكار، وإلا لما كشفت السلطات الايرانية عن تسجيل اولى الحالات في ذات اليوم الذي اعلنت فيه عن وفاتهم. لكن هل هذه التفاصيل الآن بالنسبة لنا مؤثرة؟ واقعيًا تجاوزناها، وأصبح السؤال كيف نتعامل جميعنا بمسؤولية انسانية ومجتمعية لا يمكن أن نلقيها على الجانب الحكومي فقط.

فوفق ما كشف عنه الفريق الوطني الطبي لمكافحة «كورونا» في آخر مؤتمر صحفي عقد مساء يوم الجمعة الماضية، هناك 2292 شخصًا عادوا من ايران خلال شهر فبراير، ولم يخضع منهم للفحص الطبي سوى 310 شخص، أي أن هناك نحو 1982 شخصا مازالوا دون فحص، وبالطبع لا يمكن ان نتعامل مع جميعهم كمصابين مفترضين، لكن قدومهم من واجهة ينتشر فيها المرض رفعت بدورها من امكانية وجود مصابين محتملين بينهم -تمامًا كما حدث مع العائدين من الصين-، أما تحديد الاصابة من عدمها فيبقى أمرا لا تحسمه سوى الفحوصات الطبية، ودورنا اليوم هو ان نشجعهم على التصرف بمسؤولية انسانية إزاء انفسهم واحبائهم ومحيطهم المجتمعي، والتسجيل لدى السلطات الصحية واتباع التعليمات الطبية، وعدم تعريض انفسهم للمساءلة القانونية، فليس كل الناس بذات الاستعداد النفسي لفكرة العزل الصحي، خصوصا إذا اخذنا في الاعتبار ان الكثير من الأفراد في هذا العالم يشعرون أن احتمالية اصابتهم بمرض معدٍ، والحاجة للخضوع للعزل الصحي، يعرضهم للنبذ المجتمعي، خصوصا إذا عرف محيطهم المجتمعي بأنهم باتوا معزولين صحيًا، وهذا ما عبّر عنه أول حالة تم اكتشاف اصابتها بكورونا في البحرين بعد انتشار صورته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والسؤال: هل الإصابة بفيروس «كورونا» يجلب العار المجتمعي؟ بالطبع لا، لكن الاهتمام العالمي والإعلامي بـ«كورونا» صنعا تعاطيًا ذهنيًا تحكم أطرافه الخوف، وهو ما جعل شابًا بحرينيًا يشعر بالازدراء لكون مجتمعه المحلي قد عرف انه مصاب بكورونا بعد انتشار صورته، وهذا ما يدفعنا للتأكيد على أهمية احترام الخصوصية، وتحديدًا في حالات المرض، وهو ما يجب أن نؤمن به نحن -أفراد مجتمع- قبل ان نطالب أجهزة الدولة بضمانه لمن عادوا من إيران مؤخرًا ولم يخضعوا للفحوصات.

كذلك المسؤولية المجتمعية والوطنية التي شعر بها مجموعة من النواب إزاء المواطنين الموجودين حاليًا في ايران، ويصل عددهم الى نحو 1300 شخص، وطالبوا الأجهزة المعنية بضرورة إعادتهم الى وطنهم البحرين وتوفير سبل الرعاية الصحية اللازمة لهم، وهو مطلب لا يختلف حوله اثنان -وفق طاقة وجاهزية طبية ملائمة، وإجراءات صحية تضمن سلامتهم، وفي الوقت نفسه تضمن سلامة المجتمع-، هذه المسؤولية المجتمعية ذاتها تحتم أيضًا على النواب الوقوف اليوم لجانب مصلحة المجتمع بأكمله، وحث المواطنين الذين عادوا من ايران خلال فبراير على التسجيل وجدولة فحوصاتهم الطبية.

البُعد الأخر هو ربط البعض ما بين إحساس المجتمع بالقلق من المرض وبين البُعد الطائفي، فهناك أفراد شعروا ان حالة القلق لدى الناس من وصول المرض الى البحرين ترتبط بتحامل طائفي؛ كون العائدين من ايران ينتمون لطائفة محددة، وهذا ربط غير واقعي لا يتحدث به سوى ضيق الأفق الذي يريد ان يشعر بالغضب مع نفسه، فلطالما قصد الناس العراق وايران بهدف زيارة مواقع دينية، وكان وسيبقى دائما هناك احترام مجتمعي للخصوصية المذهبية، وآخر ما يحتاجه البحرينيون على اختلاف طوائفهم أن يملي عليهم أحد دروسًا بالتسامح وتقبّل الآخر واحترام عباداته وهم الذين يتقبلون الجميع، لكن الاستياء الحقيقي هو من سلوك الدولة الايرانية بالتعاطي مع مرض متفشٍ، وتأخرها بالكشف عن وجود حالات مصابة به، وهذا التكتم الايراني هو الذي تسبّب بأن جميع الحالات التي سجلت في دول خليجية كانت عائدة من ايران وليس من دول أخرى ينتشر فيها المرض، كذلك سلوك بعض الحملات التي تنظم السفر الى أماكن دينية والتي بقيت تعلن عن تنظيم رحلات حتى بعد إعلان ايران المتأخر عن وجود حالات مصابة بالمرض، وقرار السلطات البحرينية منع السفر الى ايران، وهو ما شكل تحديًا صريحًا لم يكترث لوضع المجتمع البحريني بكل طوائفه بمواجهة مع مرض معدٍ، والسؤال هو هل يمكن لوم المجتمع إذا شعر بقلق له ما يبرره، والذهاب نحو فرضيات التحامل الطائفي، ولا يمكن لوم الدولة الايرانية التي أضرّت بشعبها وزوارها؟ أيضًا هل لا يمكن لوم الحملات المخالفة التي لا يعنيها شيء من الطابع الديني للحملات سوى بيع مقاعد؟ لذلك لا يبدو واقعيًا إعطاء الوضع وجهًا طائفيًا فيما الواقع يقول إن الفيروس هو عدو الإنسان.

اليوم لدينا جميعًا مسؤولية مجتمعية لا يتحملها المواطن فقط، بل ايضًا المقيم الذي نحتاج ان نصل إليه بثقافته ولغته ودور عبادته وانديته وتجمعاته، ونشركه بتعزيز سلامة هذا المجتمع، فاليوم مكافحة «كورونا» ليست عملية طبية فحسب، بل ايضًا سلوكية، فعندما نذهب الى متجر بقصد التبضع ونشتري سلعة بكميات أضعاف حاجتنا الواقعية، فنحن نحرم الآخرين من حقهم بالحصول عليها، ونفتح الباب لمخاوف غير واقعية تتحوّل الى اشاعات وتفسيرات صنعها مستهلك تبضّع بعقلية «الرهاب» وليس وفق حاجته الواقعية.

أخيرًا، لنضع أمامنا كلمات صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد، كلنا جنود في ساحة المواجهة للحد من انتشار«كورونا»، وحتمًا عدونا اليوم هذا الفيروس، وليس المصابين به.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها