النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11440 الإثنين 3 أغسطس 2020 الموافق 13 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:36AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:24PM
  • العشاء
    7:54PM

كتاب الايام

مدرسة د. الأنصاري الفكرية

رابط مختصر
العدد 11202 الثلاثاء 10 ديسمبر 2019 الموافق 13 ربيع الثاني 1441

كانت لحظة تاريخية بالنسبة إليّ، حين رُشِّحْتُ لرئاسة جامعة الخليج العربي بمملكة البحرين في عام 2001.

أولاً: لأنها جامعة إقليمية على مستوى دول مجلس التعاون، لها تاريخها العريق.

وثانيًا: أنها في مملكة البحرين (أرض الحضارة والثقافات).

وثالثًا: أن أحد أعمدتها الأكاديمية هو الأستاذ الدكتور محمد جابر الأنصاري.

وقد عملت في هذه المؤسسة، ومع هذا المفكر الاستثنائي، ثماني سنوات. كانت تجربة غنية وثرية وغزيرة وعميقة، أستطيع أن أقول: إنها أنتجت رفيعة أخرى.

زاد عمري ثماني سنوات، ولكني ازددت خبرة وعلمًا ومعرفة وحكمة في إدارة الأمور بما يفوق قدرات هذه الثمانية، لم أتعامل -ولم أستطع أن أتعامل- مع الدكتور الأنصاري على أنه أحد أساتذة الجامعة، إنما كنت أشعر في حضوره بأنني تلميذة تتمنى أن تتاح لها فرص لاحقة للتعلم منه.

استمتعت بحواراتنا وإن كانت قليلة، فهو ليس عميدًا بكلية الدراسات العليا فقط، إنما كان مستشارًا لجلالة الملك أيضًا، في وقت التحول السياسي في مملكة البحرين. تلك الدقائق التي كانت تتاح لي -لأتحاور معه- كانت كفيلة بأن تشعرني بذلك العطش لمزيد من المعرفة عنه ومنه.

والحمد لله أن أتتني فكرة مبادرة أن يكون -للأنصاري- ملتقى فكري تتبناه جامعة الخليج، وهذا بالفعل ما حدث في 2004. لقد أردت -حقيقة- أن نحتفل بهذا الإنسان وبفكره، بطريقة مختلفة، فلم يكن احتفالاً تقليديًا وجوائز، ولكنه التحدي في أن نناقش فكرة في حضوره. وقد تحمس معي نائب رئيس الجامعة آنذاك، د. رياض حمزة، ليقوم بالإعداد لهذا المنتدى.

سعدت جدًا برد فعل الدكتور الأنصاري الذي كان فرحًا ومهتمًا بالفكرة، وقد اقترح عليَّ بعض الأسماء، واقترحت أنا كذلك عليه بعض الأسماء. وبالفعل عقدنا الملتقى الأول في 6 مارس 2004.

وبعد عامين كان الملتقى الثاني في 2006، وفيه أسماء مهمة، ولكن أهمها كان ذلك الشاب العربي السجين، أو الذي كان سجينًا في سجون إسرائيل. وقد فاجأ الحضور بقوله: «إن د. الانصاري ساهم بشكلٍ كبير في التقليل من أيام أسري، بمعنى: أنني عندما كنت أقرأ له، وأتفاعل بما يكتبه، وأتناقش مع رفاقي وزملائي. كان هذا الشيء يخرجنا من دائرة المكان. بحيث عندما يضيق المكان، فإننا نعمل على العقل، ونغذي هذا العقل بمزيد من الأسئلة التي تثير أيضًا فينا حس البحث والتنقيب عما يزيد من وعي وإدراك، أعتقد أننا نخرج من دائرة المكان الضيق، ولذلك كنت أعتبر أن الدكتور الأنصاري -مع منابع أخرى من المعرفة التي امتلكتها داخل المعتقل- كانت تقلص ساعات وأيام وجودي داخل الأسر. وكنت أستفز بعض رفاقي وإخوتي -ممن يحبون النوم كثيرًا في داخل المعتقل- بأنني أعيش أقل منكم في الأسر، مع أنني لا أنام أكثر من أربع أو خمس ساعات، كنت أستفزهم من أجل أن أستحثهم على القراءة لما لها من تأثير حقيقيّ على دائرة الزمان المغلق في داخل السجن؛ لأن المعتقل يعاني شيئين: الزمن الطويل المفرغ، والدائرة المستديرة التي يدور بها الزمن، والتي اذ لم نكسرها بما يلون هذا الزمن، يعيش حالة من الإحباط واليأس والتراجع عما كان مقتنعًا به قبل هذه الحالة النوعية الجديدة».

تلك المنتديات خلقت حالة مختلفة في أروقة الجامعة، فتحت حوارات كثيرة، غيّرت من دور الجامعات المنغلق على مناهج محددة مسبقًا.

في 2009 انتهت مهمتي، وغادرت البحرين محملة بكل الحب والتجارب الجميلة والتحديات القاسية كذلك، والتي عززت من تجربتي.

ثم، بعد عشر سنوات، في عام 2019، يُطْلَبُ مني أن أكتب عن الأنصاري، لاحتفالية تقام للاحتفاء بهذا المفكر المبدع، وكذلك للإعداد لكتاب عنه. عدت إلى الأرشيف الذي عايشته وإلى الندوتين، واستمعت مرة أخرى إلى الأنصاري وإلى المتحدثين من كتاب وأكاديميين ناقشوه في فكره.

وتساءلت: كيف لم أقرأ كل هذه الكتب الرائعة فكرًا وعمقًا طوال هذه السنوات؟.

نحن نتابع -كل يوم- كتاباتٍ ورواياتٍ وأدبًا، ولكن الفكر لا يتوفر بهذه العمق والبساطة في آنٍ واحد، فمعظم أهل الفكر حين يكتبون تكون لغتهم منغلقة -إلى حد ما- على ما يدور في داخلهم. أما فكر الأنصاري، فكالماء الزلال: سلس، وواضح، ويروي عطشًا في كل القضايا التي يتناولها،

بدايةً انتبه الأنصاري لمشكلة اللغة والثقافة العربية الإسلامية، وشخّص أزمتها المتمثلة في اغتراب اللغة العربية عن النتاج الإبداعي لمفكريها. 

وأكثر ما أكد عليه الدكتور الأنصاري أن التفكير -العقلاني السببي- من صميم التفكير الإسلامي، وأن شواهد ذلك حاضرة في الكتاب والسنة. ودعا إلى النظر في تراثنا الإسلامي برؤية عقلانية، استناداً إلى النص الديني، وأن يكون ذلك منهجنا في الحوار مع الآخر، خاصة في ظل الفضاء «المعولم»، بدلاً من خطابات حماسية انفعالية لا يمكن أن تقود إلى شيء. 

ونبه الأنصاري على أن التمسك بالموروث الديني -دون إعمال العقل- لن يخلق إلا جيلاً تابعًا أسيرًا لرؤى «ماضوية»، أو تابعًا -بنفس الدرجة- لرؤى تغريبية، عاجزًا عن تقديم أي فكر أو عمل إبداعي.

كما أن له وجهة نظر واضحة جدًا في مشروع الوحدة، كما حلم به هو وغيره، في مرحلة سابقة، وأصبح من الضروري مراجعته؛ فالأنصاري يؤكد أن الوحدة ليس معناها -بالضرورة- تجاوز الدولة بمفهومها القطري، بقدر كونها درجة أعلى من التعاون والتكامل والتسابق بين البلدان العربية. وقد أكد انتماءه العروبي دائمًا، لكنه أدرك الأولويات التي تحتاج الحكومات العربية إلى اتخاذها قبل الحلم بالوحدة العربية.

بقيت القضايا -التي ترهق الأمة العربية- شغله الشاغل، فوضع حلولاً، ليست مفيدة أو مناسبة فقط، لكنها واقعية أيضًا، حين يقول مثلاً: بدلاً من أن يكون همك الصراع مع الإمبريالية، أو الصراع مع أي فكر أنت ترفضه ولا تستطيع أن تغيره أو تواجهه، عليك أن تحقق ذلك مع نفسك، أن تكون أنت مسؤولاً عن ما ترفضه في حياتك اليوميه، مثلاً هذا المكان الذي تعمل فيه أجعله جميلاً نظيفًا، التزم بقواعد العمل، وعن رفضك لكل ما فيه تجاوز للقانون، كن انت مثالاً لذلك، فلا واسطة، ولا محسوبيات، ولا.. ولا...

لم يترك فرصة للعاجزين والمتواكلين والمدعين أن الأمر ليس بيدهم، فإن الأمر بيد الإنسان بالفعل، حين يصلح نفسه، ويصلح ذاته، ويصلح بيئة أسرته، ليكون قد وضع بذلك حجرًا قويًا في بناء مجتمع قوي. وكيف لا يصل الدكتور الأنصاري إلى هذه المعالَجَة الفلسفية المهمة، وهو ينطلق من منهج فكري إسلامي واضح كالشمس، لا تشويش فيه (... إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى یُغَیِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم...) «سورة الرعد 11»!

أما في السنوات الأخيرة (2001- 2015)، فقد كان د. الأنصاري مستفيضًا في محاضراته عن مشروع الإصلاح الذي تبنته القيادة السياسية في البحرين، ومناخ الحرية الفكرية المفعم بالثقة التي منحتها القيادة للمفكرين؛ لقناعتها بأن الحوار وإعمال العقل هما السبيل الوحيد للنهوض بالمجتمع.

 أستطيع القول: إن الأنصاري مدرسة فكرية وسياسية، شديدة الواقعية، ونتاج فهم عميق لطبيعة المجتمع العربي.

وبعد قراءاتي ومتابعاتي لكل ما سبق ذكره، ارتأيت ألا يبقى هذا الفكر حصرًا على برامج قديمة، أو كتب صدر آخرها منذ أكثر من عشر سنوات، بل إنني أقترح أن نجعله مادة حيوية حاضرة في مناهج التعليم، ليس التعليم الجامعي من خلال مادة مقررة على الطلاب فقط، بل أن نأخذ الأجزاء التي تنفع الجيل الأصغر من الشباب أيضًا، لتكون موضوعات في مناهج الثانوية، حتى يتعلموا الانتماء لهذا الوطن من خلال ممارسات راقية شرحها الأنصاري في أطروحاته.

هكذا نقدم شكرَ الهدية التي أهداها الله للبحرين، والمتمثلة في فكر الأنصاري الذي بذل عمرًا في استقاء المعرفة من أفضل مصادرها، من أفضل جامعاتها، من أكثر الجغرافيات التي اتسمت بأنها توفر علمًا راقيًا، كبيروت في زمانها الأول، وفرنسا، وبالتأكيد الأساس في البحرين (مدرسة الهداية الخليفية)، وتلك المرحلة التي درس فيها، حين كانت المنطقة كلها تموج بحراك سياسي، شديد التعقيدات. لقد كان ذلك الجيل (جيل الخمسينيات) يتوق للمعرفة، والتحرر، وأن يخلق مستقبلاً معتمدًا على أبناء المنطقة. 

وختامًا أقول: إن د. الأنصاري تجاوز حالة الانشغال والانفعال، إلى حالة الفعل الإيجابي المؤثر، على المستوى الفكري والمجتمعي والسياسي، فهل لنا أن ننهل من هذا الفكر الجميل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها