النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

المجلس التنسيقي المشترك بين التحدّي والطموح

رابط مختصر
العدد 11074 الأحد 4 أغسطس 2019 الموافق 3 ذو الحجة 1440

تسجِّل (العلاقات السعودية البحرينية) يومًا بعد الآخر موقعها في صفحات التاريخ كحالة فريدة من نوعها للعلاقات الجامعة بين بلدين، فالدين والتاريخ المشترك والجوار الجغرافي والآمال المشتركة والإرث القديم والعلاقات الأسرية والقبلية وقرابة الدم التي تربط العائلة المالكة الخليفية بالعائلة المالكة السعودية، جعل منها علاقة عميقة جدًا تتسم بالمتانة والثبات ووضوح الرؤى، وامتازت عن غيرها بقوتها وصلابتها أمام التحديات على مدى قرون طويلة، وأكدتها الزيارات المتواصلة لملوك المملكة العربية السعودية إلى البحرين منذ عام (1891م) وحتى يومنا الحاضر، والتي قدَّمت دروسًا في العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية النموذجية التي تصوِّر معاني الحب والأخوة التي تربط البلدين والشعبين الشقيقين، وتعكس حرص القادة على مدى الأجيال المتعاقبة على حفظ المصالح الأمنية والسياسية للمنطقة عمومًا، وخير دليل على ذلك هو الدعم الكبير والمؤثِّر الذي لقيته مملكة البحرين من شقيقتها السعودية في (فبراير 2011م) على كافة المستويات، حيث إن مصادر التهديد والخطر التي تواجهها (السعودية والبحرين) مشتركة، ومن ثم يتعيَّن على البلدين مواجهتها معًا، وأن ما يجمعهما من تاريخ وحاضر ومستقبل مشترك يجعل منهما كيانًا واحدًا يعمل بيد واحدة لتحقيق الاستقرار والخير والرفاه لشعبيهما ولشعوب المنطقة، تلك هي القاعدة التي جمعت القيادتين والشعبين منذ فجر التاريخ، وهو أمر لا يمكن أن يتكرر في تاريخ الأمم والشعوب.

ومن هنا يأتي إنشاء (مجلس التنسيق السعودي البحريني) الذي يهدف إلى تحقيق التكامل الثنائي بين البلدين ليشمل كافة المجالات (السياسية والاقتصادية والاستثمارية والتنموية والعسكرية والأمنية)، ومتابعة مراحل العمل في جميع المشاريع والمبادرات المشتركة، وما التوقيع على محضر إنشاء المجلس في هذه المرحلة الصعبة تحديدًا إلا ليؤكَّد على الأبعاد الاستراتيجية والأمنية والسياسية والاقتصادية بين البلدين وانعكاساتها على مجريات الأحداث المتسارعة وتطوراتها الخطيرة في منطقة الخليج العربي، وكيفية التعامل معها لحماية سيادة المملكتين وحفظ مكتسباتهما الحضارية على كافة الأصعدة، وذلك على النحو الآتي:

أولاً: من الناحية الاستراتيجية: مما لا شك فيه فإن المصدر الرئيس للقلق والتوتر في منطقة الخليج العربي هو إيران بسياساتها المعادية لدول مجلس التعاون، والقائمة على مبدأ نشر التشيّع لتثبيت نظام (ولاية الفقيه) كنظام إقليمي مُعترف به من المجتمع الدولي، وكنظام عالمي يجب أن يعم العالم كما صرَّح بذلك آية الله الخميني قائد الثورة الإيرانية عام (1979م)، وهو ما نصَّ عليه الدستور الإيراني؛ لذلك تعمل إيران منذ أربعين عامًا على تهديد دول الخليج العربي بغية بسط النفوذ الشيعي على البلاد العربية ابتداءً من دول الخليج عبر التدخل في شؤونها الداخلية وتوجيه أذرعها وعملائها المعروفين لاستهداف دول المنطقة، كالحوثيين في اليمن والحشد الشعبي وعصائب الحق في العراق وحزب الله في لبنان والبحرين والكويت، ليُضاف إلى ذلك استهداف ممرات الطاقة الدولية في الخليج العربي ومضخات النفط السعودية الذي يسير في ذات الاتجاه ويعكس سياسة إيران التوسعية في المنطقة ويعرض الأمن والاستقرار الإقليمي للخطر، مما يجعل الأبواب مفتوحة على مصراعيها أمام سيناريوهات معقَّدة وغير إيجابية عنوانها الرئيسي حالة من الاحتقان والتأزم الإقليمي الذي يمهِّد لحرب وشيكة في الأفق؛ لذلك يشكِّل هذا النظام الخطر الأول على أمن المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين ودول مجلس التعاون.

ثانيًا: دعم التحالف الخليجي الثلاثي بعد الأزمة القطرية: فزيادة التقارب القطري الإيراني (الأمني والاستراتيجي) والدعم القطري المادي والاقتصادي والإعلامي لطهران، وتبرير هذا التقارب بالخوف من المواجهة المباشرة مع إيران، بات يؤثِّر على جهود الولايات المتحدة الأمريكية لتقويض دور إيران التخريبي في المنطقة والحَد من سعيها لتحقيق أهدافها بأن تكون قوة نووية تفرض سيطرتها على أهم شريان للملاحة الدولية التي تعبره ناقلات النفط العملاقة للعالم الحر، ومَد نفوذها وإملاء شروطها على دول المنطقة بما يتفق ومصالحها الاستراتيجية في إلغاء الوجود الغربي من مياه الخليج العربي؛ لذلك لا يمكن تبرير الموقف القطري من إيران أمام جهود الولايات المتحدة وحلفائها الغربين للحَد من التهديدات الإيرانية على الأمن الاستراتيجي في منطقة الخليج العربي، فالازدواجية القطرية في سياساتها الخارجية والوقوف مع الحليف والعدو في آنٍ واحد لا يمكن أن يستمر في ظل التطورات الخطيرة التي تمر بها المنطقة.

ثالثًا: من الناحية الاقتصادية: يشكِّل التقارب البحريني السعودي قوة مهمة في مواجهة التحديات الاقتصادية غير المسبوقة التي يمر بها الاقتصاد العالمي، خاصة بعد توقف التعاون والتنسيق الاقتصادي بين دول مجلس التعاون بسبب الأزمة القطرية منذ (يونيو 2017م)، وما تعانيه الأسواق العالمية من انخفاض في أسعار النفط الذي يعتبر المصدر شبه الوحيد لدخل البلدين، وهنا يأتي دور المجلس التنسيقي المشترك لتوحيد جهود المملكتين لتنفيذ مشاريعهما وخططهما الطموحة للتنمية وتسهيل تبادل المنافع بينهما وتشجيع الاستثمارات ومتابعة المبادرات الاقتصادية، وتنسيق مواقفهما في المحافل الدولية ذات الشأن الاقتصادي، ومن أجل ذلك تأتي أهمية استكمال كافة الاتفاقيات الثنائية بين البلدين وتلك التي في إطار مجلس التعاون، وتشكيل آلية لمتابعة إعداد وتنفيذ المشاريع والبرامج التكاملية الخاصة بتحقيق المواطنة الاقتصادية لمواطني البلدين الشقيقين وفق خطوات متدرجة، وإقامة المؤسسات والمشاريع الكبرى المشتركة وربط البنى التحتية الأساسية خاصة في مجال الكهرباء والماء والمواصلات، مع العمل على تقريب وتوحيد الأنظمة والسياسات والاستراتيجيات الاقتصادية والمالية والتجارية بين البلدين. 

إن إنشاء (مجلس التنسيق السعودي البحريني) يؤكِّد المواقف السعودية الثابتة الداعمة لمملكة البحرين في جميع المحافل الإقليمية والدولية، وهو دليل على أن علاقات البلدين تمثِّل نموذجًا مثاليًا للعلاقات بين الدول، وأن مصادر التهديد والخطر المشتركة يتعيَّن مواجهتها معًا، وأن ما يجمعهما من التاريخ والتراث والمصالح الحيوية وعلاقات الأخوة والنسب والمصاهرة لا يمكن لأحد أن يعبث بها، فالبلدان كيان واحد يعمل من أجل الوحدة والتكامل لتحقيق الخير والرفاهية لشعبيهما الشقيقين، ولحماية استقرار وأمن العالمين العربي والإسلامي في ظل التحديات الخطيرة التي تواجهها المنطقة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها